علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


فلسطينيو لبنان وتشريع الحرمان
إن كنت لاجئاً في لبنان
جلسة المجلس والاصطفاف الطائفي الأعمى
أكذوبة التوطين الاستعمالية

تعيدنا المظاهرة الأخيرة التي نفذها بضعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين وسط العاصمة اللبنانية بيروت، إلى سنوات اللجوء الأولى من نكبة فلسطين. فقد شهدت تلك السنوات مظاهرات ومسيرات وتجمعات صاخبة نفذها اللاجئون الفلسطينيون في سوريا، عندما تتالى نزولهم إلى شوارع ووسط العاصمة السورية دمشق، مطالبين بالسعي العربي الجاد لإعادتهم إلى فلسطين، أو على الأقل إرسالهم إلى المعركة وإلى حدود فلسطين، رافعين شعارهم الشهير حينذاك "جندونا جندونا.. على الحدود ودونا".

حدث هذا في سوريا، والكثير من الأحياء من كبار السن من اللاجئين الفلسطينيين ما زالوا يستذكرون ويستحضرون مشاهد تلك التجمعات التي طوقت أكثر من مرة وعلى مدى الأعوام الممتدة من عام (1949–1955) مباني الحكومة والبرلمان ووزارة الدفاع السورية.

ولكن الفارق في مظاهرات وتجمعات تلك السنوات المفعمة بروح الحنين للعودة، وروح المقاومة وبين مظاهرات وسط بيروت الأخيرة، أنها جاءت في سياقات لم يكن يشعر فيها اللاجئ الفلسطيني في سوريا بقلق "الاحتضان" من "عدمه" من قبل سوريا، التي استقبلته وعاملته كالمواطن السوري تماماً في الحقوق والواجبات مع الاحتفاظ بجنسيته الفلسطينية، وصولاً إلى إصدار التشريعات البرلمانية من قبل المجلس النيابي السوري بخصوص ذلك.

فيما جاءت المظاهرة الفلسطينية الأخيرة للاجئين الفلسطينيين في بيروت لتدق "الخزان" من أهوال الحرمان، والإجراءات اللبنانية الرسمية التي تتالت في إجحاف اللاجئ الفلسطيني وحرمانه من الحقوق المدنية، بل واضطهاده في سيرة مليئة بالمواقف العنصرية الموتورة على امتداد اثنين وستين عاماً من عمر النكبة الفلسطينية.. فكيف نقرأ أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؟.

فلسطينيو لبنان وتشريع الحرمان

"
اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يئنون منذ سنوات طويلة تحت أوجاع الإجحاف الكبير الذي ألحقته بهم القوانين والتشريعات الرسمية اللبنانية، والحرمان من العمل في حوالي ثلاث وسبعين مهنة
"
من المعروف أن أعداد اللاجئين الفلسطينيين الذين تدفقوا إلى لبنان عام النكبة لم تكن لتتجاوز (120) ألف لاجئ فلسطيني، قدموا إلى لبنان من مناطق الجليل الأعلى وأقضية مدن عكا وصفد وحيفا والناصرة، وبشكل أقل من مدينة يافا وقضائها، حيث جرى تجنيس حوالي (30) ألفا منهم آنذاك على أيدي المرجعيات المسيحية اللبنانية التي أوصت وعملت على تجنيس الغالبية من المسيحيين الفلسطينيين من الذين لجؤوا إلى لبنان، بل ودفع رئيس حزب الكتائب بيير الجميل باتجاه تجنيس المسيحيين الفلسطينيين وتصنيفهم في إطار الطائفية المارونية حصراً، في مشهد بغيض يلخص العقلية الطائفية المنغلقة عند البعض في لبنان، وهي العقلية التي ما زالت تصر على رفض منح اللاجئين الفلسطينيين بعض الحقوق المدنية، وإن تزينوا في دعاويهم بأثواب فضفاضة تحت عناوين مزيفة من نمط "رفض التوطين، أو رفض المساس بالتوازن اللبناني الداخلي".

وكان من المفترض أن تصل أعداد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى نحو (600) ألف لاجئ فلسطيني حال احتساب معدلات النمو الطبيعة في المجتمع الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان، وفق أرقام وكالة الغوث الدولية (الأونروا)، لكن الحقائق على الأرض تشير إلى أن أعداد من تبقى من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لم تعد لتتجاوز في أحسن الأحوال أكثر من (250) ألف لاجئ، حيث غادرت أعداد كبيرة منهم أرض لبنان باتجاه المهاجر البعيدة جراء عمليات "التطفيش" والمضايقات المقصودة و"غير البريئة" التي جرت بحقهم جراء الاستمرار بتغييب حقوقهم المدنية (أو بالأحرى الآدمية) وإقصائهم وعزلهم، على يد النظام الرسمي في لبنان وتشكيلاته وتركيباته الطائفية.

فاللاجئون الفلسطينيون في لبنان الذين رمت بهم عثرات الأقدار من نكبة إلى نكبة ومن كارثة إلى كارثة، يئنون منذ سنوات طويلة تحت أوجاع الإجحاف الكبير الذي ألحقته بهم القوانين والتشريعات الرسمية اللبنانية، والحرمان من العمل في حوالي ثلاث وسبعين مهنة، والحرمان من حمل بطاقة العمل، وفي وقت ما زالت فيه المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأراضي اللبنانية، تغرق في البؤس الذي رافق نشوئها، وأصبح القهر سمتها الغالبة، بل وتخضع التجمعات والمخيمات إياها لسيادة المنطق "التمييزي الاضطهادي" من حرمانها من خدمات الدولة اللبنانية في تزويدها بالمياه والكهرباء، ومنع التوسع والإعمار أو تحسينه على الأقل، بل وفي منع أي تطور -ولو كان محدودا- في بنيتها التحتية، حتى تحولت مع مرور الزمن إلى ما يشبه بمستودعات أثرية تتكدس داخل حدودها مجموعات آدمية، وكل ذلك تحت شعار "رفض التوطين".

إن كنت لاجئاً في لبنان
وعليه، فإن كنت لاجئاً فلسطينياً في لبنان، فذلك يعني تلقائيا أن أبسط حقوقك الإنسانية مهدورة. وأن تكون فلسطينياً في لبنان يعني أن تكون محروماً من ممارسة أكثر من (73) مهنة، وأن تكون فلسطينياً في لبنان، فذلك يعني أنك إذا اشتريت شقة سكنية -على سبيل المثال- فلن لا تستطيع تسجيلها باسمك، وإذا كنت قد سجلتها قبل عام 2001، فذلك يعني أنك حتماً لن تستطيع توريثها. وأن تكون فلسطينياً في لبنان، فذلك يعني أنه لا يحق لك العمل بطريقة شرعية، مثل باقي العمال الأجانب في لبنان بمن فيهم الراقصات والفنانات اللواتي يحصلن بيسر وسهولة على بطاقة العمل.

"
معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تختصر مأساة اللجوء والشتات، كما تختصر "ذل النكبة وهوانها"، حين رمت بهم إلى لبنان الشقيق المجاور لفلسطين, على عكس ما حدث لإخوانهم الذين لجؤوا إلى سوريا والأردن
 "
إن معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تختصر مأساة اللجوء والشتات، كما تختصر "ذل النكبة وهوانها"، حين رمت بهم إلى لبنان الشقيق المجاور لفلسطين دون إرادة مسبقة منهم، كما رمت بغيرهم من أبناء شعبهم إلى سوريا والأردن، ولكن الفارق بينهم وبين إخوانهم من أبناء شعبهم في سوريا أن التشريعات السورية أنصفتهم منذ عام 1948 حين تتالى صدور التشريعات الرسمية السورية المتعلقة بذلك. فقد ساوت بينهم وبين المواطن السوري في كافة الحقوق والواجبات، مع احتفاظهم الكامل والتام بجنسيتهم الفلسطينية، وكذا الأمر في الأردن مع فارق وحيد يتعلق بتداخل الجنسية الأردنية مع الفلسطينية نظراً لخصوصية الأردن وخصوصية اللجوء إليه.

وقد أثبتت الوقائع أن اللاجئ الفلسطيني في سوريا من أكثر فئات المجموعات الفلسطينية اللاجئة تمسكاً بحقه في العودة، فلم تنسه عملية المساواة التامة مع المواطن السوري في الحقوق والواجبات قضيته ووطنه فلسطين وحقه في العودة إليه. فالمجتمع الفلسطيني اللاجئ في سوريا تحمل الجزء الكبير من أعباء المقاومة زمن ازدهار العمل الفلسطيني في الشتات، قبل إعادة تموضع منظمة التحرير وفصائلها في الداخل الفلسطيني.

جلسة المجلس والاصطفاف الطائفي الأعمى
وفي العودة لمظاهرة فلسطينيي لبنان، فقد جاء تجمع قرابة أربعة آلاف لاجئ فلسطيني في لبنان وسط بيروت للمطالبة بحقوقهم المدنية وخصوصاً الحق في العمل والتملك، بمشاركة جهات فلسطينية ولبنانية رسمية وغير رسمية، بعدما فشل المجلس النيابي اللبناني في تمرير وإقرار مشروع القرار الذي تقدمت به كتلة اللقاء الديمقراطي التي يقودها النائب وليد جنبلاط، والداعي لمنح اللاجئين الفلسطينيين بعض الحقوق المدنية (لاحظوا بعض الحقوق فقط وليس كل الحقوق) في العمل والتملك والاستفادة من الضمان الصحي والاجتماعي، وفق ضوابط محددة.

ففي جلسة المجلس النيابي اللبناني المشار إليها، استطاع الموضوع الفلسطيني (وعن غير قصد) أن يوحّد الشارع المسيحي الذي كان منقسماً على نفسه، فكان الاصطفاف الطائفي الصارخ الذي وقع في جلسة المجلس ورفض نواب كتل حزب الكتائب والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، تمرير نص مشروع القانون الذي تقدمت به كتلة اللقاء الديمقراطي.

فقد توحدت القوى الطائفية المعروفة المختلفة فيما بينها، والتي جاءت بغالبيتها من متاريس الحرب الأهلية في أزقة وشوارع بيروت وعموم لبنان، لتتفق على موقف كريه مزمن لا يخدم إلا مخططات التهجير و"التطفيش" للفلسطينيين، حيث نسّق النائب سامي الجميّل (ابن الكتائبي بشير الجميل حليف مناحيم بيغن وأرييل شارون في غزو لبنان عام 1982) الخطوات التي يجب اتخاذها مع نواب كتلة التغيير والإصلاح، فيما اقترح النائب أنطوان زهرا -صاحب حاجز البربارة الشهير إبان الحرب الأهلية، وهو الحاجز الذي اختص بخطف الناس وقتلهم وسحلهم على الهوية، وسلخ فروات الرؤوس البشرية- أن ينسحب النواب المعترضون من المجلس كي لا يُسجّل في محضر المجلس أنهم كانوا حاضرين إذا ما أُقرّت هذه المشاريع.

"
قرار المجلس النيابي اللبناني الأخير ورفضه منح حقوقا مدنية  للفلسطينيين يعيد فتح الصفحات السود في تاريخ لبنان، وهي الصفحات التي أحرقت وجه لبنان الحضاري الذي تحدث به بعض الذين دأبوا على استخدام فزاعة التوطين
"
وقد كانت نتائج الجلسة البرلمانية للمجلس النيابي اللبناني المشار إليها مخيبة للآمال وأصابت اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وبكل مستوياتهم، وكل المهتمين بمأساتهم وبحقوق الإنسان بالصدمة والذهول، وأزالت كل أجواء التفاؤل التي سادت خلال السنة الماضية من إمكانية تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بعد عقود طويلة من المواقف السلبية تجاههم، في ممارسات كادت تصل في مراحل معينة إلى التنكيل بهم (نعم التنكيل بهم) داخل تجمعاتهم التي تحولت عبر الأيام إلى تجمعات مكتظة تحاصر آدميتهم.

إن قرار المجلس النيابي اللبناني الأخير ورفضه منح حقوقا مدنية (لاحظوا منح حقوق فقط وليس الحقوق) للفلسطينيين يعيد فتح الصفحات السود في تاريخ لبنان، وهي الصفحات التي أحرقت وجه لبنان الحضاري الذي تحدث به بعض المتشدقين من الذين دأبوا على استخدام فزاعة التوطين في الاستهلاك الداخلي اللبناني، متلذذين بلعبة التكاذب والخديعة التي تخفي ما وراءها من مواقف طائفية، لاعروبية، حاقدة وموتورة.

أكذوبة التوطين الاستعمالية
والمضحك، أن عملية حرمان اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من كافة الحقوق المدنية، ومنذ أكثر من اثنين وستين عاماً من نكبة فلسطين، كانت وما زالت تتأتى تحت شعار وهمي عنوانه "محاربة التوطين"؟.

لقد فضح النائب وليد جنبلاط هذه الأكذوبة في جلسة المجلس النيابي الأخيرة عندما قال "ما علاقة التوطين بهذا الموضوع وبمنح الحقوق المدنية؟ نحن متفقون جميعاً على رفض التوطين", وزاد في ذلك النائب سعد الحريري بقوله "يجب ألا يأتينا كل يوم فحص دم إذا كنا ضد التوطين، ما يحكى ليس له علاقة بالتوطين، هناك مجموعة من الإعلاميين واللبنانيين ذاهبون إلى غزة لفك الحصار، غداً سيأتي العالم لفك الحصار عن المخيّمات في بيروت، ولكن أتكلم على حقوق الفلسطينيين، يموت الأب والأولاد لا يعرفون ماذا يفعلون بالورثة؟ كيف يجرون حصر إرث، إذا كنا خائفين من التوطين، فنحن كلنا ضد التوطين، ونحن في الحكومة ومجلس النواب علينا أن ننظر إلى وضع الفلسطينيين في المخيمات، هل نساعدهم بألا نعطيهم حقوقهم، كيف نضع قانوناً للزواج المدني، وفي الوقت نفسه الفلسطيني لا نريد أن نعطيه حقوقه؟ هذا موضوع إنساني".

ومن هنا، فإن فزاعة التوطين كانت وما زالت شعاراً استعمالياً استخدامياً، أعطى مفاعيله السلبية المباشرة حين دفع في نهاية المطاف بالآلاف من فلسطينيي لبنان للهجرة إلى خارج لبنان بحثاً عن التعليم وعن لقمة العيش، وستراً لغوائر الزمن، حيث بات فلسطينيو لبنان يشكلون غالبية كبرى من الفلسطينيين المقيمين في الدول الاسكندنافية وألمانيا وأستراليا وكندا على وجه التحديد.

"
على المتشدقين بمعسول الكلام، أصحاب الوجه الحضاري للبنان، أن يمعنوا النظر قليلاً ويتحسسوا مدى الظلم والإجحاف الذي لحق وما زال بالتجمع الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان منذ عام النكبة
"
وعليه، على المتشدقين بمعسول الكلام، أصحاب الوجه الحضاري للبنان، أن يغادروا متاريس الحرب الأهلية وترسباتها بشكل فعلي وحقيقي، وعليهم أيضاً أن يغادروا مواقع الرهان على تحييد لبنان في الصراع الدائر في المنطقة (وبالطبع هذه ليست دعوى لإعلان لبنان الحرب على إسرائيل).

كما عليهم أن يمعنوا النظر قليلاً ويتحسسوا مدى الظلم والإجحاف الذي لحق وما زال بالتجمع الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان منذ عام النكبة، في واقع مرير أقل ما يقال فيه إنه واقع غير إنساني، انطلاقا من قول وتأكيد أن حياة الفلسطينيين الكريمة في لبنان ليست هي التي ستوطنهم في لبنان، وأن حياتهم الراهنة المليئة بالاضطهاد المقونن (قوانين المنع من ممارسة 73 مهنة مثلاً) ليست هي التي ستعيدهم إلى فلسطين يوماً قادماً، وأن عدم إيجاد حل لأوضاعهم المزرية لن تريح لبنان، ولن تعطيه الاستقرار المنشود.

وفي المحصلة، فإن معاناة فلسطينيي لبنان تشكل الآن صرخة عالية في سمائنا العربية، وصرخة مدوية في سماء لبنان، ودعوة قوية لقواه وأحزابه ومؤسساته التي تضامنت مع مطالب اللاجئين الفلسطينيين في مظاهرة بيروت، لمتابعة تحقيق هذا المطلب العادل لشعب شقيق ما زال يقيم في لبنان، ولا يرضى بوطن بديل عن ذرة من تراب فلسطين حتى لو امتلك المعمورة بكاملها، على أمل العودة إلى فلسطين طال الزمن أم قصر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك