زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني

 


كيف يكتب المرء عن شخصية عاشها وعايشها لأكثر من أربعين عاما، كانت مثالا يحتذى به ومثلا للتضحية والصمود، له ولجيل كامل من الشباب الفلسطيني المنخرط في العمل الوطني ضد العدو الصهيوني، من دون المبالغة تحت وطء حدث غيابه، وفي الوقت نفسه من دون التقليل من أهميته!

هذه المعضلات تواجهني وأنا أكتب هذه الأسطر عن الأخ الكبير والصديق العزيز وفي المقام الأول القائد الفلسطيني الأسطورة محمد داود عودة المعروف، للعالم كله، باسمه الحركي: أبو داود.

"
أبو داود كان رجل العمل الصامت والكتوم، لم يكن يحب الظهور ولذا لم يكن اسمه مدويا إعلاميا في تلك الأيام، مع أن الصحافة العربية والعالمية كانت تتجمع في الأردن وتلاحق "ظاهرة العمل الفدائي" إما لأهداف إعلامية مادية محضة، أو لأهداف تجسسية
"
عندما انضممت إلى حركة فتح في أواخر الستينيات، والتحقت بصفوفها متفرغًا في "الإعلام المركزي" التابع لحركة فتح في جبل الحسين بالأردن، كانت أوضاع "العمل الفدائي" آنذاك مختلفة. فقد ضمت أسماء قامات كبيرة كان أحدها الراحل الكبير، إضافة إلى ثلة من المقاتلين الذين استشهدوا في معركة الكرامة وكانوا المنارة التي تضيء الطريق إلى فلسطين، وطريق استعادة الوطن المغتصب. ولا يغيب أبدا أسماء قيادة حركة فتح التي ضمت وقتها كلا من أبي عمار وأبي جهاد وأبي إياد فقط لا غير.

أبو داود كان رجل العمل الصامت والكتوم، لم يكن يحب الظهور، ولذا لم يكن اسمه مدويا إعلاميا في تلك الأيام، مع أن الصحافة العربية والعالمية كانت تتجمع في الأردن تلاحق "ظاهرة العمل الفدائي" إما لأهداف إعلامية-مادية محضة، أو لأهداف تجسسية، وكما هو متوقع. وقتها كان ثمة حد معقول من الانضباط ولم يكن مسموحا إلا لعدد محدود من المسؤولين التحدث إلى الصحافة، وكان جلهم من قيادة الصف الأول أعضاء اللجنة المركزية للحركة. لكن اسم "أبو داود" كان متداولا في صفوف شعبنا في الأردن وبين عناصر الحركة وكوادرها السياسية والعسكرية.

اسم "أبو داود"، ومعه رفيق دربه لفترة طويلة المفكر والمناضل الفلسطيني الكبير ناجي علوش (أبو إبراهيم) بارزا في تلك الأيام بين صفوف عناصر الحركة، وفي صفوف شعبنا المقهور هناك. فأبو داود كان وقتها قائد "المليشيا" التي كانت تعبيرا عن انخراط كل أطياف الشعب الفلسطيني في "العمل الفدائي" وإشراكه، تعبويا وفكريا وتنظيميا في معركة التحرير.

كان أبو داود وقتها مسؤولا عن عشرات الآلاف من عناصر "مليشيا" فتح الذين تدفقوا إليها بعد معركة الكرامة في 21 مارس/آذار 1968، والتي أسهمت إسهاما هاما في الدفاع عن "الثورة الفلسطينية" وما حققته من مكتسبات ضد مؤامرات النظام الأردني عليها وسعيه الدائم لتصفيتها، خصوصا في سبتمبر/أيلول 1970 الذي دخل التاريخ تحت اسم "أيلول الأسود".

لم تكن أوضاع "فتح" أو غيرها من الفصائل قادرة تسليحيا على مواجهة الجيش الأردني (قوات البادية) المسلح بأسلحة ثقيلة من دبابات ومدفعية، ولا حتى تنظيميا حيث لم تمتلك الكوادر العسكرية القادرة على صهر ما توافر لها من إمكانات بشرية وسلاح في وضع عسكري منظم قادر على حسم المعركة ضد نظام خلقته بريطانيا نيابة عن النظام العالمي الذي أنتجته الحرب العالمية الأولى، أصلا لحماية الكيان الصهيوني المغتصب. على أيٍّ، تفاصيل تلك المرحلة ستبحثها كتب التاريخ وتقوم التحريفات والأضاليل المنتشرة في معظم الجسم الإعلامي العربي كالخلايا السرطانية، لكن ليس الآن في ظل سيادة أبواق التكفيريين والمنهزمين والصهاينة العرب.

لقد قيل الكثير عن تصرفات "مليشيا" فتح وقتها وما مارسته من سلبيات وكيف أنها أسهمت إلى حد كبير في تأليب الرأي العام "الشرق-أردني" على "العمل الفدائي"، وهو ما ساعد النظام الأردني في كسب "قلوب" الشعب إلى جانبه، مع أن الحقائق كانت غير ذلك. علي أيٍّ، ما يهمنا هنا هو أنه كان على أبي داود تحمل كل "ذنوب" المليشيا وأخطائها، فأزيح عن قيادتها وسلمت إلى أبي المعتصم.

"
رغم كل ما قيل عن تصرفات مليشيا فتح قبل مجازر سبتمبر/أيلول 1970، ثمة إجماع على انضباطها التام في فترة القتال حيث لم يحدث أي تعد على أموال المواطنين وممتلكاتهم, على عكس ما حصل في لبنان لاحقا
"
عندما كان أبو داود قائد مليشيا فتح في الأردن، ورغم كل "ذنوبها" (ومن كان منكم بلا خطيئة ...) دافعت وتصدت ببطولة لقوات النظام الأردني المهاجمة، وأفلحت، مع المقاتلين من فتح وبقية التنظيمات، في منعه من تحقيق أهدافه، وعندما توقف القتال بعد عشرة أيام كانت معظم مناطق العاصمة، إضافة إلى كل شمالي الأردن حتى الحدود السورية، بيد قوات "الثورة الفلسطينية". وعندما أجبر أبو داود على ترك قيادة المليشيا، تم تجميع أسلحتها في مخازن محددة معروفة لقوات البادية، وبالتنسيق معه، ما أدى في نهاية المطاف إلى تسهيل احتلال الأخير العاصمة الأردنية، والبقية معروفة. لكننا لا نريد تحميل أبي المعتصم مسؤولية ما جرى، لأن قرار سحب أسلحة المليشيا وتجميعها في مخازن محددة اتخذته قيادة فتح وقتها.

ورغم كل ما قيل عن تصرفات مليشيا فتح قبل مجازر سبتمبر/أيلول 1970، ثمة إجماع على انضباطها التام في فترة القتال حيث لم يحدث أي تعد على أموال المواطنين وممتلكاتهم. وعلى عكس ما حصل في لبنان لاحقا، ولنا حديث مطول عن هذا في مقام آخر، لم يفتح متجر ولم يعتد على مصرف. هذه التصرفات المعيبة والإجرامية لم تحدث، مع أن استعداد قيادة "الثورة الفلسطينية" للحرب القادمة كان أقل كثيرا من المطلوب وواجهتها بشتى صنوف الفوضى من غياب خطط عسكرية والتموين والعتاد وكثير من قطع الأسلحة.. إلخ.

هذا الانضباط المثالي تقريبا لمليشيا فتح يعود "فضله" إلى قائدها المناضل الراحل أبي داود. وفي الحقيقة أنه لم يكن ذلك الانضباط موضوع حديث ولا إعجاب ولا استحق أي تنويه ولم يكن موضوع حديث متداول، لأنه كان التصرف البدهي في مرحلة كانت الأخلاق الثورية هي السائدة، على نحو عام، في الحياة اليومية "للعمل الفدائي" والاستثناء يؤكد القاعدة.

كم يبدو هذا المنظر شاذا مقارنة بما حصل في لبنان بعد هزيمة "الثورة الفلسطينية"، وما يحصل في مناطق سلطة مبنى المقاطعة (في رام الله).

المشهد نفسه يتكرر في لبنان عند اندلاع الحرب الأهلية، أو "حرب السنتين" (التي امتدت نحو خمسة عشر عاما)، سمها ما شئت. وقتها كان المناضل الراحل، إلى جانب رفيق دربه ناجي علوش، قائدا عسكريا لمنطقة بيروت الغربية، وتحت قيادته قامت مليشيا فتح التابعة لهما، والحركة كانت وقتها مشكلة من تيارات مختلفة يمينية ويسارية وديمقراطية ورجعية .. إلخ، بالتعاون مع قوات من "الحركة الوطنية اللبنانية" بتطهير مناطق القنطاري وعين المريسة من "القوات الانعزالية"، وهنا تكرر المشهد نفسه الذي شهده سكان عمان وأهلها. لم يمس متجر أو مصرف، ولم يتعرض لأي شخص عندما كان القائد الراحل ورفيقه يسيطر عسكريا على المنطقتين. نعم بعد ذلك انطلقت جحافل اللصوص والنهابين وقطاع الطرق والقتلة التي أكلت الأخضر واليابس، والحديث عن هذا يطول وله مقام آخر.

أبو داود، الذي كثيرا ما رافقته في عمان ومن ثم في بيروت، ومن بعدها في برلين عندما اضطر لمغادرة منفاه اللبناني بعيد أحداث حركة فتح الداخلية عام 1978 وعندما كان مجرد الحديث معه يكفي لوضع الشخص على حائط الإعدام، وتحديدا على حائط مبنى كلية الهندسة في جامعة بيروت العربية في بيروت، ومن بعدها في منفاه الدمشقي بعيد طرده من فلسطين المحتلة، عاش مناضلا كبيرا. كان بإمكانه أن يفعل ما فعل كثر غيره، نذكر في هذا المقام رد أبي عمار على احتجاجات بعض أعضاء المجلس الثوري لحركة فتح على بعض قراراته وتصرفاته وأوضاع الحركة على نحو عام "هُمَّ عاوزين إيه! ما الواحد منهم ضامن مستقبله ومستقبل أولاده وأولاد أولاده. ما يخرسوا بقى!".

"
عندما يكتب تاريخ حركة فتح سينظر إلى كثير من شخصيات فلسطين المعاصرين وقادتها من منظورات مختلفة، وستظهر كثير من الأسرار، وسينكشف تاريخ مخفي لا يعلم به سوى قلة
"
أبو داود، ولكن ليس وحده، بقي حتى آخر يوم في حياته يعتمد هو وعائلته الكريمة على مخصصه الشهري. وفي آخر لقاء جمعنا في مكتبي في دمشق حيث كنت أستشيره في بعض أمور "تاريخ فتح الشفوي"، كان شديد الغضب ومنفعلا انفعالا صادقا ومن القلب على نحو لم أره من قبل إطلاقا. لم أسأله عن سبب غضبه، وأصلا لم أكن أسأله عن أي أمر حتى يأذن بذلك. عندما هدأ غضبه بعد فترة شكا من أن جماعة سلطة "المقاطعة" خفضوا من معاشه الشهري، سبحان مغير الأوضاع وسبحان من لا يتغير.

قد يبدو هذا ضربا من السريالية في الوضع الفلسطيني السائد منذ فترة طويلة، على نحو عام منذ مجازر أحراش جرش وعجلون في العام 1971 وانتقال "العمل الفدائي" إلى لبنان، لكنه الواقع. القائد الفلسطيني الأسطوري، الذي توافرت له إمكانية (ضمان مستقبله ومستقبل أولاده وأولاد أولاده) ظل حتى آخر يوم في حياته المضطربة يعتمد على نحو كامل على معاشه الشهري ومساعدات شهرية قدمها أصدقاء له، وهذه شهادة للراحل الكبير لا كتب التاريخ المزورة ولا حملات التشهير الحقود والغيور ولا أبواق الصحافة التكفيرية قادرة على المس بها.

عندما يكتب تاريخ حركة فتح، وقد بدأنا بجمع التاريخ الشفوي للحركة، وسننشر قريبا الجزء الأول حيث انتهينا منه، سينظر إلى كثير من شخصيات فلسطين المعاصرين وقادتها من منظورات مختلفة، وستظهر كثير من الأسرار، وسينكشف تاريخ مخفي لا يعلم به سوى قلة وستتبدل كثير من المفاهيم والمعايير، لكن الأمر الثابت هو أن تاريخ أبي داود النضالي بكل جوانبه الإيجابية و"السلبية"، سيكتبه الشعب الفلسطيني بأحرف بيضاء ناصعة كبياض قلبه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك