عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري


قلق المثقف
سؤال الثقافة
لقاء بيروت

أقرت القمة العربية الأخيرة، التي عقدت في مارس/آذار الماضي في مدينة سرت الليبية، عقد قمة ثقافية عربية، حسب ما ورد في البند الرابع عشر من بيانها الختامي، وبات من المرجح -من حيث المبدأ- أن تعقد القمة الثقافية، على غرار قمة الكويت الاقتصادية، في العام المقبل.

وبالتالي، فإن أسئلة كثيرة تطرح بهذه المناسبة حول المنتظر من هذه القمة، وحول طبيعة القضايا التي ستعرض على القمة، وكذلك أهمية وجدوى عقد قمة ثقافية، خصوصا أن القمم العربية عودتنا أن محصول القمح فيها شحيح، وأنه بمجرد انفضاض القمة وأخذ الصور التذكارية تأتي خيبة الأمل من توصيات وقرارات الحدّ الأدنى التي تتخذها ولا تأخذ طريقها إلى التطبيق، ويأتي التمني بألا تنعقد قمة عربية أخرى على ذات الشاكلة، الأمر الذي أفضى إلى غلبة الشعور بفقدان الحماس والاهتمام لانعقادها، وذلك من طرف قطاعات واسعة من الشعوب العربية.

قلق المثقف
فور إقرار القمة الثقافية، بدأ نقاش متنام في أوساط المثقفين العرب، وطال النقاش أفكارا وأطروحات وتساؤلات عديدة، خصوصا أن هناك قناعة لدى معظم المثقفين العرب النقديين بأن الأنظمة السياسية العربية كارهة للثقافة وللمثقفين، حيث إن الحقل الثقافي العام لا يحظى باهتمامها، كونها تريد ثقافة موالية لها، تمجّد رموزها، وتتغنى بما تقوم به من أعمال وممارسات، وتتستر على تجاوزاتها وانتهاكاتها، بل وأكثر من ذلك لا تتوانى –معظمها- عن ملاحقة واعتقال وسجن أي مثقف يطعن في شرعيتها أو يطالب بمحاسبتها أو يطرح رأيا يخالف توجهاتها الداخلية والخارجية، وتلفق له مختلف التهم التي تصل إلى حد الخيانة والعمالة والانخراط في المشاريع الأميركية، وغير ذلك من التهم الجاهزة لدى أجهزة الأمن العربية.

"
تجمع الأنظمة السياسية العربية على أن الثقافة المطلوبة والمقبولة لديها هي ثقافة شكلانية محايدة مقشرة، بعيدة عن هموم الناس وتطلعاتهم، وقريبة من التفاهة والتسطيح
"
ويعي معظم المثقفين العرب المستقلين أن الأنظمة السياسية العربية تفرقها السياسة، نظرا لاختلاف أجندات وأولويات كل نظام، بعد أن وصلت الأوضاع السياسية في بلدانها إلى أفق مسدود، وتفرقها نوعية الثقافة كذلك، لكنها تجمع على أن تكون السياسة في خدمتها، وخدمة سلطاتها وما تطرحه من خطابات وشعارات، وتجمع كذلك على أن الثقافة كذلك، أو على الأقل أن تكون الثقافة المطلوبة والمقبولة لديها هي ثقافة شكلانية، محايدة، مقشرة، بعيدة عن هموم الناس وتطلعاتهم، وقريبة من التفاهة والتسطيح.

ورغم ذلك كله، فإن المثقف الحامل للهم الثقافي العام في البلدان العربية يرى أن من واجبه القيام بدوره وقول كلمته، مع علمه تماما بأن الثقافة لا تحتاج إلى قرارات بقدر حاجتها إلى توفير مناخ ملائم لنموها وتطورها وتنوعها، ويمكنه الإسهام في تقدم الثقافة وازدهارها، بمختلف تجلياتها وتجسيداتها، وهذا ما قد لا يوفره القادة العرب، خصوصا أن المثقف في البلاد العربية لا يمتلك المساحة الكافية للتعبير، ولا سلطة اتخاذ القرارات الداعمة للثقافة، وبالتالي فإن هناك قلقا من أن تعقد قمة ثقافية يمكنها أن تضع قيودا إضافية على الثقافة بدلا من الاضطلاع بدور داعم لها، وأن تكون كابحة لها، بدلا من إطلاق العنان لطموحها ومبدعيها.

سؤال الثقافة
يأتي التحضير لانعقاد القمة الثقافية في وقت بات فيه الحديث عن الثقافة أمرا مختلفا عن ذي قبل، وغدت فيه المسألة الثقافية مثار نقاش واسع، بعد أن غيرت ثورة المعلومات والاتصالات من طبيعة الأشياء، وأضحى حجم التدفق المعلوماتي والإعلامي هائلا، لذلك ينبغي على القمة الثقافية العربية أن تؤكد على دور الثقافة المميز في التنمية، بوصفه موازيا للبعدين الاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي على القادة العرب البحث عن الكيفية التي تجعل الثقافة ركيزة من ركائز التنمية، بما يفضي إلى رعاية الثقافة وتوفير الأسس والإمكانيات التي تعمل على إرسائها في المجتمع المدني، ورعاية الإنسان حامل الثقافة وبنائه ماديا ومعنويا.

وقد بينت تجارب البلدان العربية أن الاستثمارات الأجنبية والمساعدات لا تحقق التنمية المرجوة، لأن من يحقق ذلك هو الإنسان المثقف المتمكن من استخدام وتوظيف التقنيات والتكنولوجيا. ولا نبالغ في القول بأن الرباط ما بين التنمية والثقافة هو رباط متين وعضوي، نظرا للدور الأساسي الذي تضطلع به الثقافة في التنمية، لذلك ينبغي تحسين ظروف معيشة الإنسان العربي، بما يحافظ على القيم الاجتماعية وإنتاج قيم جديدة، عبر عمل دؤوب يسطره مسار ثقافي يمكن للفرد بواسطته التعبير عما يدور بداخله، وإتاحة فرص الاتصال والخلق والتطلع إلى فضاءات جديدة.

فالإنسان هو الذي يسير ويشارك وينفذ التنمية، وهو مركب من جسد وفكر، ومغمور بالمشاعر والأحاسيس والأفكار والمعتقدات والمواقف والاجتهادات والتطلعات والرغبات والأماني.

"
لإغناء الثقافة لا بد من التنمية الثقافية، عبر تقوية مختلف أشكال التعبير الثقافي، ونشر الثقافة من خلال توفير الظروف المناسبة للإنتاج وللإبداع، وتوفير الظروف المناسبة كذلك لامتلاكها
"
ولإغناء الثقافة لا بد من التنمية الثقافية عبر تقوية مختلف أشكال التعبير الثقافي، ونشر الثقافة من خلال توفير الظروف المناسبة للإنتاج وللإبداع، وتوفير الظروف المناسبة كذلك لامتلاكها. لذلك فإن بقاء الثقافة أمرا خاصا بالنخبة وغيابها عن بقية الأفراد سيهدد المجتمع بأسره، وبالتالي من الضرورة بمكان جعل الثقافة مشروع مجتمع وليس حكرا على قلة قليلة فقط، من خلال تجاوز الأزمات المتمثلة في الضعف والعجز والتردي، وإرساء دعائم الممارسة الديمقراطية، من خلال تعزيز مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل الحوار والتعددية، والإقرار بالآخر المختلف واحترام الرأي الآخر.

وكذلك توفير حرية التفكير والبحث العلمي، وإشادة نظام تعليمي مختلف تماما عن النظم التعليمية القائمة حاليا في بلداننا العربية، يقوم أساسا على تأهيل كوادر تعليمية رفيعة المستوى، واحترام عقول الناس وتوفير وسائل تمكينهم من الاستيعاب النابه للمعلومات والآراء وخلق الأفكار.

لقاء بيروت
في سياق التحضير للقمة الثقافية العربية عقد في بيروت في 13 و14 يوليو/تموز اللقاء التحضيري الأول، الذي دعت إليه مؤسسة الفكر العربي بالتعاون مع الجامعة العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وشاركت فيه إلى جانب ما يزيد عن 120 من المثقفين العرب من مختلف البلدان العربية. وتمحور الهدف منه حول المساهمة في بلورة خطة عربية من الكتاب والباحثين والأكاديميين العرب للمشاريع والأولويات الثقافية التي يمكن طرحها على القمة الثقافية العربية المزمع عقدها في العام 2011، وطرح القضايا الثقافية من خلال عدة مشاريع وبرامج ثقافية تعمل على رفع القيم والرؤى النظرية الثقافية.

وكما كان متوقعا، انحصرت النقاشات حول مواضيع ذات طابع عربي مشترك وعام، وحددتها طبيعة اللجان الثماني التي توزع عليها المشاركون، وهي: لجنة إنقاذ اللغة العربية، وحماية التراث، والإبداع وحماية الملكية الفكرية، ورعاية ثقافة الطفل والشباب، وتحالف القيم وحوار الثقافات -التي جرى حذف كلمة تحالف من اسمها وأصبحت لجنة القيم الإنسانية وحوار الثقافات-، ولجنة المحتوى الرقمي العربي على شبكة الإنترنت، والسوق الثقافية العربية المشتركة، ولجنة الترجمة.

وبعد يوم عمل طويل خرجت كل لجنة بمجموعة من التوصيات، طالت الدعوة إلى تخصيص ملف للغة العربية في التقرير السنوي الذي تعده مؤسسة الفكر العربي، وإنشاء مجلس أعلى للغة العربية، يرتبط مباشرة بالقمة العربية، ويتولى دراسة أوضاع اللغة العربية في البلاد العربية، واعتماد اللغة العربية لغة للتدريس والبيئة التعليمية والبحث العلمي في جميع مراحل التعليم، مع العناية بتعليم اللغات الأخرى، ومطالبة وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية بتعزيز العلاقة بين اللغة والهوية، بالإضافة إلى التأكيد على توسيع نطاق استخدام اللغة العربية الفصحى في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، والتوصية بتأسيس مركز عربي لصيانة التراث وحمايته، بهدف رصد وحصر أشكال التراث المادي وغير المادي في الدول العربية، وبإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية باللغة العربية واللغات الرئيسة الرسمية المتداولة في المنظمات الدولية، وضرورة تحديث القوانين التي ترعى انتشار الثقافة وحماية حقوق المبدع ماليا وفكريا، والعمل على تحقيق مواءمة التشريعات الوطنية العربية مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الملكية الفكرية، والعمل على مأسسة حماية الملكية الفكرية وجعلها نافذة عملية بوصفها جزءا من العمل العربي المشترك.

وشملت التوصيات ضرورة تشكيل هيئة عربية مرجعية عليا خاصة بتنمية ثقافة الطفل العربي، تضم ممثلين عن المجالس والهيئات المعنية بالطفولة في كل بلد عربي وتأسيس مراكز بحوث علمية خاصة بالنتاج المعرفي والفني الموجه للطفل في الوطن العربي، وتأسيس وقفيات وطنية في جميع الدول لدعم مؤسسات المجتمع المدني ومراكز البحوث، التي تعمل على الحفاظ على القيم المجتمعية والوطنية لضمان الدعم الدائم، وضرورة التعاون بين المؤسسات الدينية والمؤسسات المدنية من أجل تعزيز القيم المدنية والدينية وإيجاد توازن بينها، والعمل على جعل منظومة القيم المجتمعية والوطنية جزءا من مناهج المراحل الدراسية، وإنشاء معهد عربي لحوار الحضارات.

"
التوصيات والدعوات الصادرة عن لقاء بيروت كثيرة وتحتاج إلى جهد كبير لتنفيذها أو تنفيذ بعضها على الأقل، والأمر متروك للجان تحضير القمة الثقافية العربية التي ستعمل على تقليصها واختزالها وتقديم بعضها وحذف بعضها الآخر
"
كما أوصى اللقاء بوضع سياسات عربية متوازنة للتعامل مع الشركات العالمية في تكنولوجيا المعلومات بهدف ضمان الإسهام العربي الفعال في صناعة المحتوى الرقمي، والتأكيد على أهمية توحيد قوانين الملكية الفكرية الواجب تطبيقها في العالم العربي بشكل لا يعيق إثراء المحتوى العربي على الإنترنت، والدعوة إلى مراجعة الوثائق المتصلة بالعمل الثقافي العربي المشترك وتحديثها وتفعيلها وتنفيذ القرارات الخاصة بالاتفاقيات الثقافية العربية، بالإضافة إلى إنشاء مركز معلومات للإنتاج الثقافي العربي والصناعات والخدمات المتصلة به، وإنشاء صندوق للتنمية الثقافية يدعم الإنتاج الثقافي ويشجع على الاستثمار في الصناعات والخدمات الثقافية، والعمل على توجيه الشباب باتجاه تعلم أشكال التعبير الفني وإنتاج الأعمال الإبداعية، التي تساعد على إيجاد فرص عمل وامتصاص العنف وحل المشاكل الناجمة عن البطالة والضياع، وتبني قضايا التنمية الثقافية للشباب في جميع أبعادها في الإستراتيجيات الوطنية للتنمية، وتأسيس هيئة عربية للترجمة والنشر، مرتبطة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تمثل فيها كل الدول العربية، وأهم مراكز الترجمة والمؤسسات الأكاديمية ودور النشر العربية، ونخبة من الخبراء المختصين، للإشراف على ترجمة أهم الأعمال الإنسانية من العربية وإليها.

الملاحظ هو أن التوصيات والدعوات كثيرة، وتحتاج إلى جهد كبير لتنفيذها أو تنفيذ بعضها على الأقل، والأمر متروك للجان تحضير القمة الثقافية العربية، التي ستعمل على تقليصها واختزالها وتقديم بعضها وحذف بعضها الآخر.

ولم تبتعد التوصيات عن القضايا الثقافية ذات الطابع العام والمشترك بين مختلف البلدان العربية، وهي لا تشكل عامل انقسام بين الأنظمة العربية، كونها لا تمس قضايا غياب ثقافة الاختلاف والتعددية والديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير والاختلاف، وحقوق المواطنة الثقافية، والإصلاح الديمقراطي، وسكوت معظم السلطات العربية عن قضية الغلو الديني، وقضايا الشباب الثقافية، بما فيها حرية الوصول إلى المعلومات على شبكة الإنترنت، وأسباب انتشار ثقافة الاحتجاج والإحباط لدى الشباب في البلدان العربية.

المصدر : الجزيرة