زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


لا شك في أن نشر دار "كَمِل/الجمل" الألمانية ترجمة رواية للكاتب اليهودي الأشكنازي، الإسرائيلي الصهيوني أموس أوز نقلة نوعية في الحركة الدؤوبة لعرب "محافظين جدد" تجاه التطبيع الكامل مع العدو الصهيوني، والذي لا يمكن أن يتم إلا على حساب الشعب الفلسطيني، وحقوق أمتنا العربية في فلسطين.

ومن الأمور الجديرة حقًا بالملاحظة أنه ما كادت تلك الترجمة العربية لرواية الصهيوني العنصري تنزل حتى انطلقت حملة محمومة في صحف "عربية" للدفاع عنها وإبراز مفاتنها وميزاتها الأدبية المزعومة. حتى قبل صدور أي مقال أو حتى كلمة اعتراض على النشر بحد ذاته، أو حتى ينتقدها أدبيًا، ما ينفي صفة البراءة أو العفوية عن المسألة.

"
ما كادت الترجمة العربية لرواية الصهيوني العنصري أموس أوز تنزل حتى انطلقت حملة محمومة في صحف "عربية" للدفاع عنها وإبراز مفاتنها وميزاتها الأدبية المزعومة
"
لكن مع مرور الأيام -والتي طالت فيما نرى، وتزايد الدعوة بالتصدي لهذه الخطوة التي هي بكل المقاييس طعنة في ظهر مقاومي المشروع الأميركي الصهيوني لبلادنا- صدرت مجموعة من المواقف بالخصوص تنتقد عملية النشر، لكن بكل أسف ركز كثير منها على الموضوع من منظور نفي القيمة الأدبية لرواية الصهيوني العنصري، بدلاً من طبيعة العمل، أي عمل تطبيعي مدروس خطير للغاية هدفه أنسنة العدو وإدخاله إلى مكتباتنا ومخادعنا ومساعدته في اختراق عقولنا، وعرضه على أنه بشر من لحم ودم، يخطئ ويصيب، يتقن الأعمال الفنية من كافة الأنواع التي وجب تذوقها والتمتع بها بعيدًا عن "الوطنجية والقومجية... إلخ، ولذا وجب التعامل معه من هذا المنظور بعيدًا عن "العصبية والتطرف" وما إلى ذلك.

بل إن بعض من انتقد بداية نشر تلك الترجمة ثم تراجع عن ذلك تحت عنوان "المقاومة تحتاج إلى ترجمة" لم يتمكن من إخفاء إعجابه بالناشر «المتميز بنوعية إصداراته التي تجرأت غالبًا على المحظور الفكري والاجتماعي»، لكن من دون إعلام القراء بالمقصود، أهو كتاب "الشخصية المحمدية" الذي يشكك في نبوة النبي محمد واستقامة شخصه، أم في كتيب "مسلمة الحنفي" الذي يجعل من الأخير رديفا للنبي العربي الأكرم، أم في سفر "قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور"، والذي يغني عنوانه عن توضيح محتواه. ويبدو أن قمة "التنوير"، أي: التجرؤ على المحظور الفكري والاجتماعي، في رأي البعض، التشكيك في نبوة النبي العربي المعظم واستقامة شخصيته، والدعوة لاستهلاك الخمور والسِّكر.

لقد قامت الدنيا ولم تقعد على د. جابر عصفور عندما قرر نشر ترجمات "أدب عبري" حيث فهم، وعن حق، أنه جزء من حملة تطبيع مستترة نيابة عن وزير الثقافة المصري فاروق حسني الساعي لانتخابه لرئاسة اليونسكو. لكن مع اعتراضنا الشديد والحاسم على خطوة الزميل الصديق د. جابر، فقد قومنا، ومعنا وقبلنا زملاء نكن لهم عميق الاحترام، عاليًا قوله: إن إسرائيل ستبقى عدو. والأمر ذاته مع الزميل والصديق جمال الغيطاني الذي خصص قسمًا من عدد مجلة "أخبار الأدب" المصرية رقم 851 الصادر في 1/11/2009 التي يترأس تحريرها لموضوع "التطبيع" مع العدو. من منظور أقل ما يقال عنه: إنه ضبابي.

وقد "تصدينا" للمادة في مقالة نشرناها وقتها في "الجزيرة نت". لكننا نعود الآن لنعبر للسيد جمال الغيطاني عن احترامنا لانتقاده العنيف لكتاب أقرته جامعة حلوان في مقاله "الغفلة أسوأ أحيانًا من الخيانة‮:‬ الجامعة تتبرع بفلسطين‮ ووزارة السياحة تختصر مصر.. ‬بين بورسعيد وسيدي براني‮!‬ "أخبار الأدب – عدد 871، مارس/آذار 2010"، لكننا لا نشكره على ذلك لأننا نعد فلسطين جزءا من مصر كما مصر هي جزء من فلسطين، وهذا يسري، في قناعاتنا، على بلاد العرب جميعها، وأنه بدفاعه عن فلسطين يدافع عن مصر، ومن لا يحب فلسطين لا يمكن أن يحب بلاده.

لكن قرار السيد جمال الغيطاني إضافة صفحة عن "الثقافة العبرية" إلى مجلة (أخبار الأدب) التي يترأس تحريرها يجعلنا نتوقف مليًا أمام هذه الخطوة الخطيرة التي يقول عنها «ضرورة المعرفة بالآخر وأهمية الإلمام بما يجري في إسرائيل.. ‬يحررها الزميل نائل الطوخي،‮ ‬صفحة أسبوعية تنطلق من رؤية وطنية،‮ ‬قومية،‮ ‬إنسانية،‮ ‬وأذكر بالبديهيات،‮ ‬في الجبهة لم تكن المواجهة ممكنة علي أي مستوي إلا بالمعرفة،‮ ‬بالإحاطة بما يجري في الجانب الآخر.. ».

هنا لا بد من التوقف عند هذا القول لأن تحت شعار "معرفة الآخر" يمكن أن تندرج أمور كثيرة ومنها على سبيل المثال زيارة "إسرائيل" وعقد ندوات حوارية مع الصهاينة واستقبالهم و... إلخ. الأمور ليست بهذه البساطة ولا يمكن تمرير هكذا قرار تحت عنوان عام وملتبس. وفي حالة أن دافع قرار السيد جمال الغيطاني قناعة وليس انصياعًا لرغبة السلطات في تخفيف طوق المقاطعة الشعبي في مصر، فمن الضروري، في ظننا، طرح الموضوع للنقاش على صفحات "أخبار الأدب" وتقبل الآراء المخالفة لقرار رئيس التحرير.

ففلسطين وحقوق أمتنا فيها موضوع أخطر من أن يتخذ من دون بحث عميق. المسألة ليست حسن نية السيد جمال الغيطاني، ونحن لا نشكك فيها، وإنما التذكير بالقول المأثور: "إن الطريق إلى جهنم عادة ما يكون مبلطا بالنيات الحسنة".

في ظننا أن أفضل الطرق لمحاربة هذا السرطان الجديد الذي أخذ في التفشي في مختلف أعضاء جسدنا العربي يحتاج إلى متابعة لا منطق التطبيعين وأسباب لهاثهم وراء كسب رضا مختلف مؤسسات الصهيونية العالمية، وإلى تحليله تحليلاً وافيًا وفهم آلية تفكير كل الفئات المتورطة في هكذا سياسة إما عن جهل أو قصديًا.

في ظننا أنه ثمة أسباب ومنطلقات مختلفة لذلك اللهاث المخزي، وإن تصب نتائجها، جميعًا، في قناة واحدة هي تبني البرنامج الصهيوني الخاص بفلسطين و"اليهود" والتخلي عن حقوق أمتنا فيها يمكننا تلخيص تلك الأسباب والمنطلقات في النقاط الآتي ذكرها:

"
ثمة كتاب عرب متوسطو المقدرة، أو حتى دون أي مستوى أدبي يستحق الذكر، يسعون إلى لفت انتباه المؤسسات "الثقافية" الصهيونية –حتى لو لم تكن تصف نفسها بذلك- لكتاباتهم الرديئة علها تعترِف بهم كتابًا مرموقين تستحق كتاباتهم الترجمة إلى لغات عالمية
"
- ثمة كتاب عرب متوسطو المقدرة، أو حتى دون أي مستوى أدبي يستحق الذكر، يسعون إلى لفت انتباه المؤسسات "الثقافية" الصهيونية –حتى لو لم تكن تصف نفسها بذلك- لكتاباتهم الرديئة علها تعترِف بهم كتابًا مرموقين تستحق كتاباتهم الترجمة إلى لغات عالمية.

- هناك فئة أخرى من الكتاب العرب المطبعين والمطبلين له (التطبيع) فقدوا الأمل في كسب الصراع ضد العدو الصهيوني فلذلك، ومن منطلق الاستسلام للواقع يسعون للصلح مع العدو من منطلق قبولهم غير المشروط بالهزيمة. وعندما تسألهم عن سبب استسلامهم المهين والمشين، لا يجدون إجابة، مع ادعاء بعضهم بأنه مل من التضحيات، والتي لا تزيد عن مقالة يتيمة هنا أو هناك.

- وتجد فئة ثالثة تدعو للتطبيع مع العدو وتسعى له من منطلق فكري، وأكثر أعضاء هذه الفئة من "اليسار العربي التائب وغير القابل للتعلم من دروس التاريخ" الذي انقلب على ماضٍ وهمي، وجعل أحقاده الشخصية تسير حياته في مرحلة ما بعد الحرب الباردة والهزيمة المخزية للفكر الستاليني. وهنا نجد أن أكثر أعضاء هؤلاء الفئة تبنوا الفكر الماركسي واللينينـي ليس محبة في الفقراء ودفاعًا عن حقوقهم، وإنما من منطلقات فئوية وقومية وشعوبية وعصبية ضيقة لمواجهة الفكر القومي العربي والفكر الإسلامي والتصدي لهما.

ومنهم من التحق بتلك الحركات تمشيًا مع موضة العصر، طمعًا في منصب أو لهاثًا وراء الظهور، ولذا نراهم يستمرون في العمل السياسي، هذه المرة مأجورين لعدوهم السابق، الذي عرف الأنوية التي تسير حياتهم فحولهم إلى ناطقين باسمه وأوهمهم بأن مقدراتهم الفكرية والخطابية المزعومة لا تستغنى البشرية عنها.

- وفئة رابعة ضمن "اليسار إياه"، تتبنى التطبيع، وبالتالي التحالف، الذيلي بالطبع، مع الصهيونية اليهودية والمسيحية، من منطلق كره الإسلام واعتباره العدو الأكبر، وكأن الحضارة والتطور مفردتان لا ترتبطان بالإسلام الذي قدم أرقى أمثلة التسامح والرقي للبشرية عبر مئات القرون، ولم ينتشر بالقسر ولا بحد السيف، على عكس المسيحية الغربية، التي وجب تمييز تاريخها الدموي على نحو حاسم من النصرانية أو المسيحية الشرقية العربية المسالمة والمنفتحة والمتسامحة، حتى عندما يتجاوز الشقيق المسلم حدوده، وعلى العكس من "اليهودية" التي ما أن صار لها تسلم سلطة حتى لجأت للسيف لتثبيت نفسها وانتشارها (اقرؤوا سفري المكابيين ومقالة شاهد العيان ستراتيغوس عن استيلاء الفرس على القدس عام 614 م والمجازر التي ارتكبها "يهود" بحق مسيحيي المدينة "توق اليهود للثأر كان أقوى من حبهم للمال"، طبعًا مع نبذنا لأي مقولات أو أفكار عنصرية، وكذلك أعمال التصفية الجسدية الثأرية لنحو ثمانين ألف أسير ألماني في معسكرات اعتقال ستالين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية).

- وثمة فئة أخرى من اللاهثين وراء العدو من منطلق عقد نفسية تتمثل في كره الذات وعشق المنتصر تحدث عنهم الطبيب النفسي والفيلسوف الاجتماعي الشهير فرنس فانون «عندما يعشق العبد سيده، وعندما يهيم الضحية حبًا في مضطهده». هؤلاء في حاجة إلى أطباء متخصصين يحللون نفسيات مختلف المنتمين إلى هذه الظاهرة، ومنهم على سبيل المثال جواسيس العدو وكذلك المعجبون به والببغاوات، معانو عقدة النقص، مرددوا مقولة: البشرية تدين لليهود بالحضارة.

- وهناك فئة سادسة تلهث وراء العدو طالبة رضاه لأن موقعها الذي تعمل فيه، مؤسسة كانت أو صحيفة أو غيرهما، يفرض عليها ذلك.

- وثمة فئة أخرى تلهث وراء العدو لتحصيل مكاسب مادية وليس أكثر. وعندما يكتشف أمرها تدعي كذبًا بأنها لم تكن تعلم بطبيعة النشاط التطبيعي ذي العلاقة.

- وهناك فئة أخرى تشارك في عمل تطبيعي مع العدو لكنها أجبن من أن تدافع عن موقفها، ولذلك تتخفى وراء شعارات خالية المضمون مثل "خدمة فلسطين والقضية العربية" (مسكينة فلسطين والقضايا العربية).

"
الكاتب العربي الممتلك أدوات الكتابة والإبداع بإمكانه الوصول إلى العالمية من دون الخضوع للابتزاز الصهيوني، وليس في حاجة إلى الصهاينة والمؤسسات المرتبطة بهم، إذا كان عمله ذا مستوى، رغم إدراكنا لمصاعب ذلك
"
للتذكير فقط: لقد وصل أدباء عرب كثر إلى العالمية رغم رفضهم الانصياع لشروط التطبيع. فعلى سبيل المثال، الأديب المصري الشهير صنع الله إبراهيم كاتب قدير ومرموق ويحظى بأعلى درجات الاحترام في الساحة العربية والعالمية، ولكنه رفض الخضوع لشروط التطبيع كي "يعترف" به الغرب الصهيوني وأدار ظهره لهم عندما انسحب من مهرجان برلين للأدب بعدما علم بمشاركة سفارة العدو الصهيوني في تمويله. وقد استجدته وقتها رئاسة المهرجان الألمانية عام 2002 للتراجع عن قراره لكنه تمسك برفضه فاضحًا بموقفه هذا من شارك من الكتبة العرب وقتها ولاحقًا.

كما يمكننا ذكر اسم المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري الذي رفض التطبيع ومنطلقاته، ومع ذلك حظي بمكانة عربية وعالمية مرموقة في عالم الإبداع الفكري.

ما نود قوله: إن الكاتب العربي الممتلك أدوات الكتابة والإبداع بإمكانه الوصول إلى العالمية من دون الخضوع للابتزاز الصهيوني، وليس في حاجة إلى الصهاينة والمؤسسات المرتبطة بهم، إذا كان عمله ذا مستوى، رغم إدراكنا لمصاعب ذلك بسبب هيمنة الصهيونية اليهودية والمسيحية على كثير من المؤسسات الثقافية والإعلامية الغربية.

إن تنظيم مقاومة التطبيع ومأسستها على مستوى العالم العربي شرط أساس للانتصار في هذه المعركة الثقافية وفضح المطبيعين من الهائمين عشقًا بصهيون. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك