عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


يعتبر البعض الثقافة ملحقا للسياسة، لا سيما من السياسيين في الحكم وخارجه، ويسعون لتوظيفها واستغلالها حين يريدون، حيث يعلو خطاب الوحدة والرأي الواحد والزعيم الواحد على خطاب التعددية والتنوع والخصوصية الثقافية، وينسى هؤلاء أو يتجاهلون أن الثقافة بطبيعتها متعددة وهي مثل الطبيعة مختلفة أيضا، من حيث مصادرها وأصولها ومشاربها وتفاعلاتها وهوياتها.

"
لا يوجد مجتمع مهما كان متجانسا وموحدا من دون التنوع والتعددية والاختلاف، فتلك إضافة إلى كونها من طبيعة الأشياء حقوق طبيعية لا يمكن التنازل عنها تحت أي مبررات أو مسوغات
"
ولا يوجد مجتمع مهما كان متجانسا وموحدا من دون التنوع والتعددية والاختلاف، فتلك إضافة إلى كونها من طبيعة الأشياء حقوق طبيعية لا يمكن التنازل عنها تحت أي مبررات أو مسوغات، فما بالك بالتنوع الثقافي والديني والقومي والسلالي واللغوي والاجتماعي وغيرها.

الثقافة تمثل حاضنة أساسية للتغيير، ولا يمكن إنجاز مشروع تغيير حقيقي، ناجح ومتواصل، دون بيئة ثقافية صالحة، ودون اعتراف بالآخر واحترام خصوصياته، ولعله في ظل مثل هذه البيئة يمكن إحداث تنمية حقيقية ومستدامة وشاملة.

التنوع الثقافي بأشكاله المختلفة والمتعددة يطرح أسئلة هامة لا تتعلق بالكيانات القائمة فحسب، بل بأفقها ومستقبلها وتماسكها الاجتماعي وسلامها المجتمعي، وبالتالي بصلب مصيرها وصيرورتها.

السؤال الأول يتعلق بـ: هل كان الاهتمام بالتنوع الثقافي كافيا منذ عهد الاستقلالات، خصوصا قوميا وإثنيا ودينيا وطائفيا وسلاليا ولغويا، لا سيما في المجتمعات العربية المتعددة الثقافات والانتماءات، أم أن "الوحدة" كانت أقرب إلى الواحدية المفروضة؟ وهل التعددية تعني الانشقاق والخروج على وحدة الموقف والرأي المركزي "السائد"؟ وهل يتعارض إلغاء الآخر مع مصلحة الأمة أو المصالح الوطنية العليا؟

السؤال الثاني: لماذا كان التجاهل لطبيعة التنوع والتعددية الثقافية أو عدم الاعتراف بها أو التقليل من شأنها؟ وهل أفضى الإنكار أو التنكر وعدم الاعتراف بالحقوق إلى وحدة ونقاء هذه المجتمعات أم زادتها إشكالية وانقساما بدلا من وحدتها وتماسكها؟ ولماذا ظلت النظرة المسبقة الارتيابية الاستعلائية إزاء التنوع والتعددية هي السائدة رغم الحصيلة السلبية تاريخيا؟

السؤال الثالث يتعلق بـ: لماذا يتم التعامل بمسألة التنوع الثقافي بالعموميات، بل غالبا ما يجري بالشعارات المركزية الكبرى دون الاعتراف بالحقوق، كأن تتصدر قضية المصير المشترك والأمن القومي والتنديد بالإمبريالية والتشبث بوحدة المجتمع والدولة وغير ذلك، باعتبارها تمثل الأولوية، بل والقدسية أحيانا، على حساب الحقوق والحريات والإقرار بالتعددية والاعتراف بالتنوع، وما عدا ذلك جزئيات وتفاصيل يمكن تجاوزها؟

وبغض النظر عن أهمية هذه الشعارات، فإن مسألة الحقوق والاعتراف بالتعددية الثقافية والدينية والإثنية شيء لا يمكن الاستغناء عنه لقيام مجتمعات متماسكة وقوية وموحدة وليست واحدية، بل متنوعة!!

السؤال الرابع: لماذا لا تبحث مسألة التنوع والتعددية في إطار مبدأ المواطنة الكاملة والمساواة التامة، ركني الدولة العصرية، وعلى قاعدة حقوق الإنسان محور التطور الحقيقي للمجتمعات الساعية إلى تحقيق العدالة؟

"
غالبا تتقدم قضية الوحدة حتى وإن كانت قسرية أو فوقية وأوامرية تسلطية على حساب الحقوق والحريات والمساواة التي تصبح مسألة فيها نظر، أما المركزية والاستعلاء الثقافي فيصبحان شيئا مقدسا!! فهل يمكن استمرار هذه الحالة إلى ما لا نهاية!؟
"
السؤال الخامس: غالبا تتقدم قضية الوحدة حتى وإن كانت قسرية أو فوقية وأوامرية تسلطية على حساب الحقوق والحريات والمساواة التي تصبح مسألة فيها نظر، أما المركزية والاستعلاء الثقافي فيصبحان شيئا مقدسا!! فهل يمكن استمرار هذه الحالة إلى ما لا نهاية!؟

السؤال السادس: هل هناك مفهوم متبلور للتيارات الأساسية القومية والماركسية والإسلامية من "الأقليات الدينية والقومية": مثلا الموقف من حقوق الأكراد والتركمان والبربر (الأمازيغيين) والشركس والمسيحيين وسكان جنوب السودان؟ وهل يحق لأفراد "الأقليات" غير الإسلامية أو غير العربية تقلد المناصب العليا في الدولة (رئاسة الدولة والجيش والقضاء وغير ذلك)!؟ ورغم استخدام الأمم المتحدة مصطلح "الأقليات" في إعلانها عام 1992، أميل إلى استخدام مصطلح "التنوع الثقافي" تعبيرا عن وصف حالة التعددية.

السؤال السابع: هل صحيح أن "الأقليات" عرضة للتأثير الخارجي منذ حروب الفرنجة؟ وهل يعود السبب إلى هضم حقوقها أم ثمة اعتبارات سسيوسيكولوجية هي السبب في ذلك؟ إذن هل يبقى الشك في ولائها إلى ما لا نهاية أم تلبية الحقوق وتأمين مستلزمات المساواة كفيلة بقطع دور التأثير الخارجي؟ وكيف السبيل إلى دولة عصرية فيها المواطنون متساوون بغض النظر عن العرق أو الدين أو اللغة أو غير ذلك؟

ولماذا الكردي والمسيحي والأمازيغي وغيرهم الذين يعيشون في بلدانهم بجوار العرب منذ مئات وآلاف السنين مشكوك في ولائهم، في حين أن كيسنجر وبريجنسكي وأولبرايت وأوباما وساركوزي وغيرهم الذين احتلوا مناصب رفيعة من أصول لا علاقة لها ببلدانهم الحالية!؟

أيمكن التعكز على اضطهاد المتوكل لأهل الذمة والقسوة في التعامل معهم أو إلى أن سلوك البعض منهم كان سلبيا، خاصة سعيهم للاستقواء بالخارج باعتباره أحد أسباب ذلك؟

السؤال الثامن: وماذا لو أقر التنوع الثقافي دليلا للتعددية والمساواة في الحقوق؟ فهل سيبقى التأثير الخارجي قائما أو سببا في التمييز!؟ ولنعد السؤال على نحو آخر: هل العامل الخارجي هو السبب في عدم الاعتراف بحقوق الأقليات أم أن هناك نظرة قاصرة أساسا للحقوق والحريات الإنسانية؟!

السؤال التاسع: إذا كانت المواطنة مع الاعتراف بحقوق "الأقليات" وبخاصة القومية منها تشكل مدخلا لحل مشكلة التنوع، فهل ستكون مسألة الحكم الذاتي أو اللامركزي الإداري أو الفدرالي (الاتحادي) استحقاقا مناسبا مع قبول التغيير والإصلاح الديمقراطي وفي إطار هوية عامة شاملة مع الاحتفاظ بالهوية الخاصة، باعتبارها استكمالا وتعبيرا عن حقيقة التنوع الثقافي قوميا ودينيا وغير ذلك؟

السؤال العاشر: هل الثقافة العربية موحدة، أم واحدة أم هناك تنوع وانفتاح ناجم عن حقائق حياة المجتمعات العربية والمجتمعات المجاورة، إضافة إلى ذلك فهو تحصيل حاصل لتنوع المشارب والمصادر للثقافة العربية، خصوصا كون الوطن العربي مصدر استقطاب للحضارات والثقافات والأقوام والديانات المختلفة؟

من جهة أخرى هناك ثقافات أخرى تعيش إلى جنب الثقافة العربية ولها خصوصيتها ومصادرها وتاريخها. لكن هذه القضية بسبب هضم الحقوق أحيانا، ومطالبة أصحابها بحقوقهم الثقافية والقومية لا سيما السياسية منها، أصبحت تؤرق بعض الساسة والحكام منهم على نحو خاص، كونها تشكل تهديدا لوحدة هذه المجتمعات وتفاعلها، حسب تبريراتهم.

لقد ظلت الثقافة العربية السائدة تنكر التنوع الثقافي وتتجاهل وجود ثقافات فرعية، وأحيانا تسعى لتدجينها أو احتوائها، بما يؤدي إلى إضعاف وحدة المجتمعات وتماسكها الاجتماعي، ناهيكم عن أمنها القومي، ولعل هذه السياسات والتوجهات فتحت نافذة للتدخل الأجنبي سواء أرادت أم لم ترد، وشكلت مصدرا احتياطيا "محتملا" لاحتماء فئات داخلية واستقوائها بالقوى الخارجية ضد مبدأ الشراكة الوطنية، الذي تستهين به الفئة الكبرى أحيانا (قومية أو دينا أو طائفة أو لغة أو سلالة)، لا سيما من يمثلها أو يدعي النطق باسمها.

ويزعم أصحاب هذه المناهج والممارسات أن على الفئات الأخرى ألا تتمرد أو تحتج أو تطالب بحقوقها كاملة لا سيما حقها في تقرير المصير، فذلك حسب وجهة نظر القوى المتنفذة خروج على الدولة وتشظ للمجتمع وانقسام لا مبرر له وقد يكون بدعم من الخارج.

"
الثقافة تمثل الوعاء الذي يمكن أن تزدهر فيه التنمية، وهي القدم الثانية التي يمكن للمجتمع أن يسير عليها على طريق التقدم. الثقافة والتنمية عنصران يكمل بعضهما بعضا، والحق في الثقافة يمهد ويتساوى مع الحق في التنمية، الذي أقرته الأمم المتحدة
"
السؤال الحادي عشر: ما السبيل إلى تأكيد البعد الإنساني والتنوع الثقافي والتفاعل الحضاري لمجتمعاتنا ذات الهويات الموحدة والتعددية في الآن نفسه؟ والأمر يقتضي الاعتراف بالثقافات الفرعية والتعامل معها بإيجابية، خصوصا وقد أوصلت سياسة الإنكار والنفي مجتمعات بكاملها إلى الاحتراب بما يضر بالوحدة الوطنية.

السؤال الثاني عشر: هل التنوع الثقافي قيمة مضافة لإثراء ولتطوير الثقافة العربية أم مصدر أزمات يؤثر في تماسك الدول والمجتمعات، لا سيما من خلال التعامل السلبي الإقصائي الإنكاري التسلطي؟!

واجهت هذه الأسئلة الباحث في قضايا التنوع الثقافي والتغيير، لا سيما من خلال الحاصل الثقافي، وذلك ارتباطا بقضايا الحقوق والحريات لما لها من علاقة وطيدة بالدينامية والإبداع، خصوصا أن الثقافة متحركة تعددية هي نقيض ولا تعرف الجمود والسكونية.

الثقافة تمثل الوعاء الذي يمكن أن تزدهر فيه التنمية، وهي القدم الثانية التي يمكن للمجتمع أن يسير عليها على طريق التقدم. الثقافة والتنمية عنصران يكمل بعضهما بعضا، والحق في الثقافة يمهد ويتساوى مع الحق في التنمية، الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 1986 باعتباره حقا جماعيا وفرديا، مثلما هي الثقافة تماما، وهو ما كرسته شرعة حقوق الإنسان الدولية، بإقرارها بالتنوع الثقافي والتعددية الفكرية والقومية والدينية والسلالية واللغوية، على أساس المساواة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك