غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


لا تتطرق هذه المقالة إلى أهداف ودوافع الإستراتيجية التركية في المنطقة العربية، فذلك موضوع يحتمل الكثير من الرؤى والمواقف، يبدو أحيانا من الخفة التعجل بالحكم عليها، وخاصة في ظل تباشير ظهور التوظيفات المذهبية لتفسير ظواهر الحراك الإقليمي.

تتيح قراءة الحراك التركي في المنطقة، وعلى مساحة زمنية تبدأ من أوائل العقد الحالي تاريخ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، قدراً كبيراً من التنظير الإستراتيجي، الذي يساعد في فهم آليات اتخاذ قرارات السياسة الخارجية، من واقع كونها أداة تفاعل مع البيئة الخارجية المتغيرة على الدوام، إضافة إلى كونها واحدة من أهم أدوات الاستقرار الداخلي، بما فيه تحقيق النمو الاقتصادي الناتج عن فعالية عمليات التبادل مع الخارج.

"
سياسة المبادرة التي انتهجتها تركيا تجاه المنطقة هي التي أنقذت المنطقة من التحول إلى نسخة محدثة من جمهوريات الموز، وذلك في ظل الانقسام العربي المرير، وابتعاد القوى العالمية ذات المصالح عن الاهتمام في شؤون المنطقة
"
تميزت السياسة الخارجية التركية في الفترة الموصوفة، بديناميكيتها التي عبرت عنها بزخم المبادرات المتخذة تجاه البيئات الإقليمية، فكانت المبادرة هي الأداة التي استطاعت من خلالها تركيا تفعيل سياساتها الخارجية، وإحالتها إلى عنصر فاعل ومؤثر في ديناميات الحراك الإقليمي، حتى إنه يمكن المغامرة والقول إن المبادرة التركية في زمن انفلات التهور الأميركي إلى أقصى حدوده، هي التي أنقذت المنطقة من التحول إلى نسخة محدثة من جمهوريات الموز، وذلك في ظل الانقسام العربي المرير، وابتعاد القوى العالمية ذات المصالح عن الاهتمام بشؤون المنطقة.

ولا يمكن اعتبار التحول التركي إلى المنطقة بحد ذاته كافيا لإحداث تلك النقلة في تاريخ علاقات المنطقة، إذ إن تركيا كانت ستحتاج زمنا طويلاً حتى تستطيع أقلمة سياساتها وإدماجها في الواقع الشرق أوسطي، على اعتبار أن ذلك شكل الشرط الأساس لتفعيل الدور التركي، فتركيا لم تكن بعيدة عن الحدث الشرق أوسطي، بل كانت على الدوام أحد صانعيه المهمين، بدءاً من الاعتراف المبكر بإسرائيل، وحتى حرب يونيو/حزيران 1967، الاختلاف يكمن في نوعية الفعل، وتحوله من كونه سلبياً ومهدداً للأمن القومي العربي، إلى فعل إيجابي مساعد ومتفهم للظروف والوقائع العربية.

وهكذا فإن الدخول التركي على خط السياسات العربية، إضافة للوجدان العربي، كان يحتاج إلى مقاربة من نوع مختلف لا تضمنها السياسات التقليدية الرسمية، ذات الطابع الروتيني والكلاسيكي، بالنظر إلى الحواجز النفسية التي تراكمت على مدار عقود طويلة من الجفاء والعداء، ثم إن الركون إلى الدبلوماسية التقليدية كان من شأنه تضييع فرص التقارب، وذلك بالنظر إلى نزوع الدبلوماسية الطبيعي لتحقيق أكبر الإنجازات، انطلاقا من فهم المفاوضات على أنها حرب بأسلحة مختلفة.

هل يمكن اعتبار مقاربة أحمد داود أوغلو ورؤيته الإستراتيجية ذات البعد السياسي والاقتصادي، هي التي حركت الماء الساكن للعلاقات التركية/العربية؟ لا يمكن نكران أهمية تلك الرؤية، خاصة أن تطبيقاتها الأولية ساهمت بدرجة كبيرة في حلحلة العديد من عقد الخلافات العربية/التركية، باتباعها إستراتيجية "تصفير المشاكل"، أي ضمان إقامة علاقات سياسية بدون أي مشاكل مسبقة، وكانت هذه الإستراتيجية ناجعة في العلاقات مع سوريا التي باتت تشكل بوابة العبور التركي الإيجابي إلى المنطقة، كما أنها ساهمت في إزالة الشكوك في الدوافع التركية ومنحت السياسات التركية ثقة كبيرة.

لكن ثمة من يعتقد أن رؤية أوغلو لم تكن كافية لوحدها، كأداة لفك شيفرة العلاقات العربية/التركية، حتى إن بعض المحللين العرب يرى أن إعادة قراءة هذه الرؤية بشكل متجرد يكشف بوضوح عدم اختلافها عن رؤية وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية جون فوستر دالاس عن الفراغ في الشرق الأوسط، وخاصة من حيث تشابه البيئة التي أنتجت الرؤيتين، وكذلك بالنظر إلى الأهداف المتوخى تحقيقها، ذلك أن أوغلو بوصفه دبلوماسياً تركياً، كان من الطبيعي أن تشغله ظروف ومتغيرات البيئة الإقليمية المحيطة ببلده، وأن قراءته تلك أوصلته إلى نتيجة مفادها وجود فرصة تركية مؤاتية في ظل الفشل الأميركي بالمنطقة، وضعف النظام الإقليمي العربي وفقدانه للدولة القائدة، وبالتالي يمكن لتركيا أن تستثمر هذه الأوضاع لخدمة مصالحها، وهي فرصة -فضلاً عن مشروعيتها- تملك إمكانية التحقق.

"
المبادرة في السياسة الخارجية التركية، شكلت أهم الآليات التي ساهمت في النجاح الهائل للسياسة التركية في الوسط العربي، رسمياً وشعبياً، وقد تجلت هذه المبادرة في الكثير من المواقف الإستراتيجية والتكتيكية على حد سواء
"
وعليه، فإن المبادرة في السياسة الخارجية التركية  شكلت أهم الآليات التي ساهمت في هذا النجاح الهائل للسياسة التركية في الوسط العربي، رسمياً وشعبياً، وقد تجلت هذه المبادرة في الكثير من المواقف الإستراتيجية والتكتيكية على حد سواء، فقد كان الموقف الرافض لغزو العراق موقفا إستراتيجياً ودبلوماسياً خاطئاً، قياساً على تنظيرات الفكر الإستراتيجي الذي يرى في الولايات المتحدة حليفاً إستراتيجياً لتركيا ويرتبط معها بمعاهدات عسكرية، ويشتركان في تحالف يفرض على تركيا التعاون (حلف الأطلسي)، وفي المقابل كان الرفض مبادرة مهمة باتجاه الوعي العربي الذي سيعمل على مراكمتها وإضافتها إلى حزمة كبيرة من الأفعال من ذات النوع، مبادرات سيقدم عليها رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي من دافوس إلى سيرت، وصولاً إلى حادثة مرمرة الشهيرة.

ولم تقتصر المبادرة في السياسة الخارجية التركية على مجرد المواقف والخطابات، بل إنه يمكن تصنيف كل الاتفاقيات التي عقدتها الدولة التركية مع العرب على أنها نوع من المبادرات، التي لولا التفعيل التركي لها لما كانت ستتحقق، ومن يقرأ تلك الاتفاقيات سيلاحظ تجاوز تركيا للكثير من المعايير الدولية، لصالح تمتين العلاقات بالأطراف العربية، وخاصة ما يتعلق منها بفتح الحدود أمام دخول الرعايا العرب بدون الحصول على تأشيرات (فيزا)، وهو ما من شأنه أن يؤثر على مفاوضات تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي مستقبلاً.

وقد شكل الموقف من أسطول الحرية المبادرة التركية الأهم تجاه العالم العربي، وذلك انطلاقا من حقيقة أن هذه المبادرة أعادت الزخم للقضية الفلسطينية، وحركت المياه الدولية الراكدة، في ظل الضعف الأميركي في مواجهة حكومة اليمين المتشدد في إسرائيل، والتراجعات الدراماتيكية لإدارة أوباما.

لقد تميزت المبادرة في السياسة الخارجية التركية بسمات عدة أضفت عليها مزيدا من التأثير والفعالية:

"
كاريزمية أردوغان كان لها الأثر الأكبر في المبادرة التركية، فبالرغم من براعة داود أوغلو في التصميم، فإن خروج أردوغان عن النص -في أكثر من مناسبة- منح تلك السياسة روحها، وأعطاها زخمها الشعبي
"
- الإيجابية، فقد تميزت المبادرة التركية بإيجابيتها تجاه القضايا العربية عموماً، وخاصة القضية الفلسطينية، وهو ما جعلها تتكرس في الوجدان والضمير العربيين.

- الانسيابية، تميزت المبادرة التركية بكونها فعلا طبيعيا في سياق بيئته التي ينتمي إليها حضاريا وثقافياً، وليست مبادرة من دولة برانية خارجية.

- الواقعية، فقد لامست المبادرة التركية القضايا التي تهم العالم العربي عموماً ولم تجنح صوب الصياغات الفضفاضة.

- العملية، وذلك من خلال إدماج العملية السياسية بالحاجات الإقليمية والمصالح الفعلية للدول.

بقي أن نعترف بأن كاريزمية رجب طيب أردوغان كان لها الأثر الأكبر في المبادرة التركية، فبالرغم من براعة داود أوغلو في التصميم، فإن خروج أردوغان عن النص -في أكثر من مناسبة- منح تلك السياسة روحها، وأعطاها زخمها الشعبي وأبعدها عن برودة الردهات الدبلوماسية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات