بشير الأنصاري

بشير الأنصاري

بشير الأنصاري


بين الأصالة والفبركة
جالية من رجل واحد
بناء الهوية على رماد الأسطورة
معركة الأنساب

خلق بؤرة للتوتر في قلب آسيا

مسكينة هي الدولة العبرية المبنية على جغرافيا محاصرة وتاريخ مختلق وهوية زائفة وقنبلة ديمغرافية مزروعة في قلبها تنتظر الانفجار. هذه الهواجس المرعبة راودت الحكومات الإسرائيلية منذ نشأتها وجعلتها تفكر في تهويد بعض القبائل بأسرها ثم استقدامها في إطار الهجرة اليهودية إلى أرض الميعاد، وذلك حتى تلبي حاجة الدفاع والأمن من ناحية وتواجه الخطر الديمغرافي الذي يهدد مصيرها كدولة يهودية و"ديمقراطية" من ناحية أخرى.

في سبيل الوصول إلى هذه الأهداف لجأ الإسرائيليون إلى تاريخ مبني على رماد الأساطير وصناعة الأنساب لشعوب وقبائل تختلف عن بعضها اختلافا كليا، ثم بدؤوا يبحثون عن آثار القبائل اليهودية الضائعة في روسيا والهند وإثيوبيا وآسيا الوسطى وغانة والصين ونيجريا واليابان ووسط قبائل الهنود الحمر في أميركا الشمالية، وأخيرا تحت أنقاض أفغانستان، وذلك تنفيذا لما جاء في الآية رقم 12، الإصحاح الحادي عشر، سفر أشعياء، العهد القديم التي تقول: "ويرفع راية للأمم ويجمع مشتتي إسرائيل ويضم مبددي يهوذا من أربعة أطراف الأرض"، ولجؤوا إلى تأويل المتون الدينية بشكل يتوافق مع مصالحهم ويوفر لكيانهم السياسي الغطاء الديني والقانوني، كما أنهم الآن يحاولون استخدام الهندسة الوراثية لإعطاء المشروعية العلمية للمقولات التوراتية.

وبعد أن نجحت سياسة التطبيع الإسرائيلي مع بعض الأنظمة العربية اتجهت أنظار المؤسسات الإسرائيلية إلى أفغانستان للنفاذ إلى قلب أكبر مجتمع قبلي على ظهر المعمورة، وهو قبائل البشتون المسلمة التي تسكن على امتداد الشريط الحدودي الفاصل بين أفغانستان وباكستان.

بين الأصالة والفبركة

"
على عكس المسيحية التي لم تكن لها تاريخ في أفغانستان، فإن المدن الأفغانية الكبرى -مثل كابل وهرات وبلخ وميمنة وغزنة وقندهار- شهدت وجود جاليات يهودية على امتداد القرون العشرة الأخيرة
"
على عكس المسيحية التي لم تكن لها تاريخ في أفغانستان، فإن المدن الأفغانية الكبرى -مثل كابل وهرات وبلخ وميمنة وغزنة وقندهار- شهدت وجود جاليات يهودية على امتداد القرون العشرة الأخيرة.

الأقلية اليهودية في أفغانستان لها تاريخ لا يقل عمره عن التواريخ المكتوبة للبلاد. وإضافة إلى المقبرة اليهودية بولاية غور والتي ترمز كتاباتها إلى حقبة ما قبل الغزو المغولي للمنطقة، فإن المؤرخين القدامى مثل الإدريسي وابن حوقل والجوزجاني والمقدسي واليعقوبي سجلوا وجود جاليات يهودية في بعض المدن الأفغانية.

وقد تحدث الجوزجاني مؤلف طبقات الناصري 1260م عن وجود جالية يهودية في منطقة غور بغرب أفغانستان كما أن كلا من ابن حوقل والإدريسي يخبران عن وجود جالية يهودية في كابل. وكتب ابن حوقل في كتاب "المسالك والممالك" عن تواجد اليهود في كابل، ثم جاء الإدريسي (492-559 هـ) ليكرر عبارة ابن حوقل بشيء من التعديل، ويذكر في كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق": "وكابل من مدن الهند المجاورة لبلاد طخارستان، وهي مدينة جليلة المقدار حسنة البنية.. وبها حصن موصوف بالتحصن ولا يوجد الصعود إليه إلا من طريق واحد، وفيها مسلمون كثيرون ولها ربض فيه الكفار من اليهود."

ومؤلف "حدود العالم" (372 هـ) يتكلم عن منطقة سميت باليهودية ويقول: "جهودان مدينة عامرة ذات خيرات، وهي على سفح جبل وفيها مقر ملك الجوزجان"، كما أن المقدسي (القرن الرابع الهجري) في "أحسن التقاسيم"، واليعقوبي (287 هـ) في "معجم البلدان" يتكلمان عن مدينة سميت باليهودية في أفغانستان.

جالية من رجل واحد
إن تعداد الجالية اليهودية في بدايات القرن العشرين حسب ما ذكرته جريدة هيرالد تريبيون (العدد 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1969م) كان يبلغ 10000 شخص، ولكن بعد تأسيس دولة إسرائيل 1948م وحرب 1967م وإحراق المسجد الأقصى في 1969م، واجهت الجالية اليهودية حساسية الشارع الأفغاني، الأمر الذي أدى إلى هجرة الأغنياء منهم إلى مدينة نيويورك الأميركية، والفقراء منهم إلى الحي البخاري في القدس وتل أبيب، ولم يبق في أفغانستان سوى 30 أسرة من أصل يهودي.

وعدد اليهود المنحدرين من أصول أفغانية في إسرائيل اليوم حسب مصادر إسرائيلية يبلغ حوالي 10000 نسمة، وفي مدينة نيويورك مائتي أسرة فقط. وأول من فتح طريق الهجرة ليهود الأفغان إلى فلسطين هو الملا بنيامين وذلك في عام 1892م.

اليهود الأفغان كما أشار إليه إسحق بن زفي الرئيس الثاني لإسرائيل لهم خصوصياتهم، كما أنهم يستخدمون ألقابا دينية رائجة وسط علماء المسلمين الأفغان كالملا جردشي والملا جان والملا كويين والملا بنيامين. والغريب أن إسحق ليفي -الذي توفي في يناير/كانون الثاني 2005م في كابل العاصمة، وتم نقله إلى فلسطين حتى يدفن في جبل الزيتون- كان يكتب آيات قرآنية على شكل التمائم لزبوناته من الأفغانيات.

بعد وفاة إسحق ليفي أصبح زبلان سمنتو هو المتحدث باسم جالية اليهود الأفغان، بل اليهودي الوحيد في أفغانستان. يعيش زبلان في كنيس يهودي أنشئ قبل أربعين سنة على شارع محلات الزهور في العاصمة الأفغانية كابل، ويتمنى أن يسجل نقطة النهاية في تاريخ الجالية اليهودية على أرض أفغانستان باسمه. فيا ترى هل يكون زبلان نقطة النهاية في سجل اليهود الأفغان، أم أن الصهيونية ستتمكن من فتح صفحة أخرى واختلاق تاريخ جديد على رمال الأوهام؟!

بناء الهوية على رماد الأسطورة

"
ثمة عادة جارية بين القبائل الأفغانية بأن تنسب كل قبيلة نفسها إلى نبي أو ملك أو رمز من عمالقة التاريخ، وهنالك حكاية أسطورية تتداول وسط بعض قبائل البشتون وتنسب فيها نفسها إلى أسباط بني إسرائيل
"
ثمة عادة جارية بين القبائل الأفغانية بأن تنسب كل قبيلة نفسها إلى نبي أو ملك أو رمز من عمالقة التاريخ، وهنالك حكاية أسطورية تتداول وسط بعض قبائل البشتون وتنسب فيها نفسها إلى أسباط بني إسرائيل. والأسطورة تقول إن بخت نصر أسكنهم بعد قتل كثير منهم في الجبال المسماة بغور في غرب أفغانستان، والسيد جمال الدين الأفغاني هو أشهر من تكلم عن هذه الأسطورة حيث قال: "سموا مسكنهم بهذا الاسم تذكارا للوادي الكائن بأرض الشام المسمى بغور، وسموا ببغتو الذي هو محرف عن "بختو" نسبة إلى "بخت نصر"... ثم تكاثر عددهم فتسلطوا على تلك الجهات، وكان بينهم وبين يهود البلاد العربية مراسلات.

ولما دخلت يهود العرب في دين الإسلام.. أرسل الأفغانيون جماعة من أمرائهم، وكان فيما بينهم رجل يسمى قيسا يتصل نسبه إلى أسباط بني إسرائيل بسبع وأربعين واسطة، وإلى إبراهيم بخمس وخمسين واسطة، فقدمهم خالد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصاروا مشمولين بعنايته وخص قيسا بعواطفه الخاصة وسماه عبد الرشيد ولقبه بالأمير، وقال صلى الله عليه وسلم إنه حقيق بهذا اللقب لأنه من نسل سلاطين بني إسرائيل.. إلا أنه لا توجد أدنى مشابهة بين لسان "بشتو" وهو لسان الأفغانيين وبين اللسان العبري أصلا.

نعم إن اعتقادهم بكونهم من هذا الأصل -مع بعد المسافة بين أراضيهم ومقر الإسرائيليين- ووجود محل يسمي "خيبر" في بلادهم، ربما يوجب ظن البعض بصحة هذه الرواية". الأفغاني، تتمة البيان، ص17-19، مطبعة الموسوعات، مصر 1901م.

معركة الأنساب
الحكاية التي يشير إليها الأفغاني روجت ولأول مرة في بلاط السلطان المغولي جهانغير عام 1613م في الهند، وذلك على يد نعمة الله الهروي مؤلف كتاب "مخزن أفغاني". هذا الكتاب الذي وجد فيه علماء الآثار والمؤرخون والسياسيون الصهاينة ضالتهم ويستثمرونه اليوم أوسع استثمار يفتقد القيمة العلمية، كما أنه كتب في أجواء العداء والتنافس بين الحكومة المغولية في الهند من جهة وبعض قبائل البشتون، مثل يوسفزي وختك وغيرها، من جهة أخرى.

واستنادا إلى هذه الحكايات قامت مجموعة من الصهاينة بتسجيل توليفة وثائقية محبوكة ومسجلة باللغة الإنجليزية عنوانها "بحثا عن القبائل الضائعة"، وهي تتحدث عن القبيلة اليهودية الضائعة التي استقرت في ممر خيبر على الحدود الأفغانية الباكستانية، ثم تأسلمت وعرفت باسم بشتون، ثم قاموا بعرضها في المراكز الصهيونية وعبر قنواتهم التلفزيونية في إسرائيل وخارجها.

ثم ظهر الحاخام إلياهو أبيحايل ليصرح لصحيفة يديعوت أحرنوت بأنه يجد رواسب التراث والدم اليهودييْن جارية في عروق طالبان، كما ادعى أن اسم "رباني" تحريف لاسم "رابين" اليهودي، وطالب بتقوية هذه العلاقة العرقية واستثمارها في المستقبل. وهنالك مقالة أخرى في صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

"
صرح الحاخام إلياهو أبيحايل لصحيفة يديعوت أحرنوت بأنه يجد رواسب التراث والدم اليهودييْن جارية في عروق طالبان، كما ادعى أن اسم "رباني" تحريف لاسم "رابين" اليهودي
"
أما الجهود السياسية فتمثلت في إقدام وزارة الخارجية الإسرائيلية على إعطاء منحة دراسية لمتخصصة هندية في علم الوراثة تدعى شاهناز علي، جمعت عينة من دماء أبناء البشتون الساكنين في مدينة لكنهو الهندية لتشتغل هي وفريق من الباحثين الإسرائيليين -في مركز "تخنيون إسرائيل" الواقع في مدينة حيفا- على كشف العلاقة الوراثية بين البشتون والقبائل الإسرائيلية الضائعة.

كما أن هنالك رجلا هنديا آخر -وهو نافراس أفريدي- ينتمي إلى إحدى القبائل المستهدفة أعطي منحة إسرائيلية ليعمل على مشروع استكشاف الجذور الإسرائيلية في قبيلته.

خلق بؤرة للتوتر في قلب آسيا
إذا كانت الملل والنحل الأخرى تركز جهودها على استقطاب الأفراد فإن الصهيونية العالمية تحلم باصطياد قبائل بأكملها، وذلك رغم أنفهم. إن ما يقال عن علاقة البشتون الأفغان بالقبائل اليهودية ليس إلا فسخا للحقائق التاريخية، ومسخا للأعراق والأنساب، ونسخا لتواريخ القبائل المكتوبة.

كما قال جمال الدين الأفغاني إنه ليست هنالك أدنى مشابهة بين لسان البشتو وبين اللغة العبرية، ويعتقد العالم اللغوي الفرنسي جيمز درمستتر -الذي له جهود خالدة في مجال اللغات الأفغانية- أن لغة البشتو تنحدر من أصل آري وليست لها أي علاقة باللغات السامية، ودرمستتر هذا ينحدر من أبوين يهوديين.

اليهود الأفغان -كما ذكره أحد رؤساء إسرائيل إسحق بن زفي- كلهم وبلا استثناء يتكلمون اللغة الفارسية التي كانت يوما ما لغة التواصل بين سكان المنطقة، من آسيا الوسطى إلى شمال الصين وقلب الهند ومنطقة شاسعة في الشرق الأوسط.

وفيما يتعلق بالتاريخ، فإن المؤرخين الأفغان أجمعوا على اعتبار البشتون من القبائل الآرية (سيد بهادرشاه، "البشتون في مرآة التاريخ"). والتوليفة العلمية التي تجري في مركز "تخنيون إسرائيل" المبنية على فك الشيفرة الوراثية للبشتون، لا أعتقد أنها تستطيع أن تثبت اشتراكا في المورثات الجينية بين البشتون واليهود أكثر من المورثات المشتركة بين اليهود وبني عمومتهم من العرب الفلسطينيين الذين تدمر بيوتهم على رؤوس أطفالهم الرضع كل يوم.

"
الخطة الصهيونية تهدف إلى تقسيم البشتون إلى قبائل يهودية وأخرى غير يهودية، ومن ثم بذر الصراعات الداخلية ذات الأبعاد الدينية والعرقية وسط هذه القبائل، وخلق بؤرة للصراعات في قلب آسيا
"
بعد عودة المهاجرين الأوروبيين من إسرائيل إلى بلادهم الأصلية، تحاول الدولة العبرية استجلاب أبناء القبائل الفقيرة من العالم الثالث لاستخدامها في مهام يصعب على الإنسان الأوروبي تحملها, ويعتقد الباحث في الشؤون الإسرائيلية الدكتور جعفر هادي حسن أن منظمة "شابي إسرائيل" تمكنت من تهويد بعض أفراد قبائل البشتون وقامت بتهجيرهم إلى إسرائيل ليقوموا بحراسة الحدود الإسرائيلية وكناسة طرقاتها، كما أنها الآن تحاول ترجمة طقوس الديانة اليهودية إلى لغة البشتو ليتم توزيعها على أبناء هذه القبائل.

إن الخطة الصهيونية تهدف إلى تقسيم البشتون إلى قبائل يهودية وأخرى غير يهودية، ومن ثم بذر الصراعات الداخلية ذات الأبعاد الدينية والعرقية وسط هذه القبائل، كما أنها تريد إيجاد خلفية إستراتيجية للحكومة الصهيونية وخلق بؤرة للصراعات في قلب آسيا وأرضية لإثارة النعرات القبلية في المنطقة.

خلال العقدين الأخيرين شهدت منطقة الشرق الأوسط ظاهرة "العرب الأفغان" التي شكلت هاجسا مرعبا يراود الإسرائيليين، فهل الصهيونية بصناعتها "اليهود الأفغان" ترد الكيل بمكيالين وتقول لشعوب المنطقة: هذه بتلك!.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك