عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي


جي ستريت يهدد الإيباك
السياق العام لتحول الموقف اليهودي
"جي كال" النسخة الأوروبية المشوهة

تستفيد إسرائيل، والمشروع الصهيوني عموما، أيما استفادة من نفوذ النخبة اليهودية في الغرب وبخاصة تلك التي تهيكلت في شكل لوبي ضاغط على طريقة هيئة الشؤون العامة الإسرائيلية الأميركية (الإيباك AIPAC).

وقد اعتادت مثل هذه المؤسسات على مساندة السياسات الإسرائيلية بشكل مطلق مهما وصل أمر تجاوزها للقانون الدولي والأخلاق الإنسانية كما حصل مؤخرا لسفن مساعدات غزة. غير أنه لوحظ في السنوات الأخيرة بعض الحراك داخل هذه النخبة من خلال تبني بعض المواقف النقدية تجاه إسرائيل، ومن بين أبرز ملامح هذا الحراك نشأة لوبي يهودي أميركي جديد هو "ج ستريت J Street" ثم نسخته الأوروبية "جي كال J Call".

من المهم أن يطلع القارئ العربي اليوم على هذه التحولات لأنها عنصر فاعل في الصراع رغم أنها تبقى عموما بعيدة عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

جي ستريت يهدد الإيباك

"
وجه لوبي جي ستريت نقدا حادا لسياسة الحكومة الإسرائيلية اليمينية إثر عملية القرصنة الإجرامية ضد سفن المساعدات الإنسانية لغزة, مما جعل بعض وجوه الإيباك يوجهون له تهمة خيانة قضية اليهود وإسرائيل
"
منذ تأسيسها سنة 1951، احتكرت الإيباك تمثيل موقف يهود الولايات المتحدة من الصراع العربي الإسرائيلي بالرغم من وجود توجهات يهودية أخرى، جماعية وفردية، على النقيض من الفكر الصهيوني. فقد بقي هذا اللوبي وفيا لهدفه التأسيسي وهو مساندة إسرائيل في صراعها مع العرب. كما تمكن من فرض سيطرة مطلقة على السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط حتى بدا إلقاء خطاب في مؤتمره السنوي ممرا حتميا لكل مرشح للرئاسة الأميركية سواء من الديمقراطيين أو من الجمهوريين.

تغير الوضع سنة 2008 عندما دعت نخبة من السياسيين والمثقفين اليهود الأميركيين إلى تكوين لوبي جديد يعارض سياسة الإيباك في مساندتها العمياء للسياسات الإسرائيلية. وقد خطا هؤلاء خطوة مهمة عندما أعلنوا عن تأسيس هيئة للعمل السياسي (J street political action committee) تتكفل بممارسة دور لوبي مواز للإيباك لدى الإدارة الأميركية.

تحول موقف هذه النخبة يبرز أولا من خلال فتحها باب نقد السياسة الإسرائيلية وورطاتها العسكرية في لبنان وفي الأراضي الفلسطينية. وهو أمر لم تتعود عليه الساحة السياسية الأميركية وبخاصة في فترة الرئيس جورج بوش الابن.

أما من حيث مواقفها الهيكلية من الصراع العربي الإسرائيلي فقد تبنت هذه النخبة موقفا معارضا للحلول العسكرية وهي تنادي بحوار مباشر مع الفلسطينيين ومع العرب. كما أنها تدعو إلى الحوار مع إيران وتعارض مسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت الإيرانية.

تأكدت هذه التوجهات الجديدة على إثر عملية القرصنة الإجرامية التي قام بها الجيش الإسرائيلي ضد سفن المساعدات الإنسانية لغزة. حيث وجه لوبي جي ستريت نقدا حادا لسياسة الحكومة الإسرائيلية اليمينية مما جعل بعض وجوه الإيباك يوجهون له تهمة خيانة قضية اليهود وإسرائيل.

ورغم ذلك ما انفك نفوذ اللوبي الجديد يتوسع ويجد صدى إيجابيا داخل الرأي العام اليهودي الأميركي أولا، ثم داخل الشارع الأميركي فالنخبة السياسية الأميركية وبخاصة الديمقراطيين مع أوباما.

السياق العام لتحول الموقف اليهودي
كيف يفسر هذا الصعود المفاجئ؟ سبقت جي ستريت تجارب أخرى لكنها لم تتمكن من الوصول إلى مرحلة اللوبي على المستوى التنظيمي. نذكر منها على سبيل المثال منتدى السياسة الإسرائيلية الذي تأسس بدعم من إسحاق رابين سنة 1993.

ويعود سبب ذلك إلى تحولات عميقة سواء داخل اليهود الأميركيين أو على المستوى الإستراتيجي العالمي. فمن المعلوم أن تكوين لوبي جي ستريت جاء على إثر نشر تقرير أعده باحثان في العلاقات الدولية سنة 2006 خلصا إلى نتيجة مفادها أن السياسة الإسرائيلية أضرت كثيرا بمصالح ومكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وحملا الإيباك بشكل مباشر مسؤولية ذلك. فافتتح التقرير بذلك بابا حرص اللوبي الصهيوني على تركه موصدا في الساحة الأكاديمية والإعلامية الأميركية، وهو نقد السياسة الإسرائيلية وإبراز تهديدها للمصالح الأميركية في هذه المنطقة.

"
تحول الموقف اليهودي الأميركي من إسرائيل, جعل من الإيباك جهازا أبعد ما يكون عن تنوع الواقع الاجتماعي والسياسي اليهودي في أميركا، بل أصبح ينظر إليه على أنه جهاز يعمل لصالح دولة أجنبية أكثر من دفاعه عن مصالح الولايات المتحدة والأميركيين
"
يرى بعض الدارسين أن إعادة التقييم الشامل للسياسة الإسرائيلية بدأت على إثر الحرب المدمرة التي قادها الجيش الإسرائيلي ضد لبنان سنة 2006 والتي انتهت إلى شبه هزيمة عسكرية وإضافة مذابح أخرى إلى سجل هذا الجيش. كما تعزّز هذا التوجه النقدي بعد الحرب المدمرة التي خاضتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة وما صاحبها من تشويه لصورة اليهود في كل أنحاء العالم.

مثل هذه العنجهية العسكرية باتت في الواقع غير مقبولة كما كان عليه الوضع خلال الحرب الباردة وهو تحول لم تستوعبه النخبة السياسية الإسرائيلية.

المستوى الثاني لتحول الموقف اليهودي الأميركي من إسرائيل مرتبط بالتحولات الاجتماعية والديمغرافية التي شهدها الوسط اليهودي الأميركي. إذ إن أغلب اليهود الأميركيين اليوم لم يعايشوا فترة المحرقة مما يجعل كون إسرائيل وطن ملجأ فكرة لا جاذبية لها خاصة لدى فئة الشباب.

فقد بينت بعض الإحصاءات أن نسبة مهمة من هؤلاء لا تعتبر زوال إسرائيل بمثابة كارثة. كما يربط بعض الدارسين (مثل بولين بيرتز) هذه التحولات بخروج هذه الفئة الشبابية من بوتقة المجموعة اليهودية الإثنية عن طريق الزواج المختلط مع العناصر السكانية الأخرى.

مثل هذه التحولات جعلت من الإيباك جهازا أبعد ما يكون عن تنوع الواقع الاجتماعي والسياسي اليهودي في أميركا، بل أصبح ينظر إليه على أنه جهاز يعمل لصالح دولة أجنبية أكثر من دفاعه عن مصالح الولايات المتحدة والأميركيين. ضمن هذا الفراغ وجد جي ستريت مكانه باعتباره يدافع عن مصالح الولايات المتحدة أولا وذلك عبر تشجيع الإدارة الأميركية على فرض خيار السلام وكبح لجام الحرب.

"جي كال" النسخة الأوروبية المشوهة

"
الوجدان السياسي الأوروبي يعتبر دولة إسرائيل امتدادا لأوروبا، أو أنها وليدتها وهذا مثبت تاريخيا, في حين مثلت إسرائيل تاريخيا مجرد حليف للولايات المتحدة وهو ما يتماشى مع البراغماتية الأميركية
"
في تواصل مع التوجه الجديد داخل النخبة اليهودية الأميركية، سعت بعض الشخصيات الأوروبية من أصل يهودي إلى اللحاق بركب جي ستريت. فقد اجتمع جمع من هؤلاء في بروكسل وأصدروا بيانا يوم الثالث من مايو/أيار 2010 أطلق عليه "جي كال دعوة للتعقل".

لكن على الرغم من استلهام هذه المبادرة من المثال الأميركي الذي سبق تحليله، فإنها لم ترق إلى حدود النقد الجدي للسياسة الإسرائيلية. بل على العكس فإنها تبرر ضمنيا العديد من التجاوزات خلافا لجي ستريت. فقد تأسس الإعلان على التقاء الموقعين عليه على الارتباط بإسرائيل وبأمنها ليعلن أن أمن هذه الدولة مهدد من خلال سياسة الاستيطان التي اعتبرها البيان خطأ سياسيا وأخلاقيا.

لكن النقطة الأساسية التي لخصت التوجه الحقيقي لهذا الإعلان اليهودي الأوروبي هي تلك الدعوة إلى العمل على الحفاظ على إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية. وهو ما يعني فعليا التخلص من الخطر الديمغرافي لفلسطينيي الداخل. ومن هذا المنطلق تبرز الدعوة إلى حل الدولتين وسيلة للتخلص من هذا الخطر الديمغرافي أكثر منها بحثا جديا عن السلام.

حيث ورد في النقطة الأولى للإعلان: "ستكون إسرائيل قريبا أمام خيارين كارثيين: إما أن تتحول إلى دولة يكون فيها اليهود أقلية في بلدهم أو أن ترسي نظاما لا يشرفها ويجعلها مسرحا لحرب أهلية مدمرة".

نحن هنا أبعد ما نكون عن فلسفة جي ستريت ومواقفه السياسية التي تهدف أولا إلى تحريك الرأي العام اليهودي لمساعدة دولته الولايات المتحدة الأميركية. على عكس نظرائهم الأميركيين فإن نخبة جي كال، وخاصة وجوهها الفاعلة مثل الفرنسيين برنار هنري ليفي وآلان فلنكنكروت، تحمست للدفاع عن إسرائيل وجيشها ضد حملة السخط التي انهالت عليها بعد جريمتها في حق قافلة المساعدات الإنسانية لغزة.

لكن غياب الجدية في التعاطي مع التسيب الإسرائيلي، لم يمنع مجلس تمثيل المؤسسات اليهودية بفرنسا (CRIF) من إعلان عدم رضاه عن مبادئ هذا الإعلان ورفض توقيعه. هذا المجلس يعد في فرنسا بمثابة إيباك أوروبا من خلال محافظته ومساندته غير المشروطة لإسرائيل ولجيشها.

اختلاف مدى جدية ونزاهة معارضة السياسة الإسرائيلية بين جي ستريت الأميركي وجي كال الأوروبي يعكس في واقع الأمر اختلافا جوهريا بين الوضع اليهودي في كل من المجالين الجغرافيين. إذ يبدو الرأي العام اليهودي الأميركي أكثر قابلية للتطور ولتبني مواقف معارضة لساسة إسرائيل.

في حين تبقى أوروبا إلى اليوم سجينة عقدة الذنب التي أفرزتها مآسي الحرب العالمية الثانية والتي تحمل اليهود جانبا كبيرا من وزرها. وهو ما يحيلنا حسب اعتقادي إلى مسألة أعمق متعلقة بطبيعة الوجدان الأوروبي الجماعي، خاصة لدى النخب السياسية، والمرتبطة بقيام دولة إسرائيل منذ البداية.

أرى في هذا السياق أن هذا الوجدان السياسي الأوروبي يعتبر دولة إسرائيل امتدادا لأوروبا، أو أنها وليدتها وهذا مثبت تاريخيا. في حين مثلت إسرائيل تاريخيا مجرد حليف للولايات المتحدة وهو ما يتماشى مع البراغماتية الأميركية. قد تبدو مثل هذه الفروق غير مهمة بالنسبة للقارئ العربي الذي تعود على التفكير في كل آخر من منطلق الصراع والنفي.

لكن لمثل هذه المعطيات أهميتها الإستراتيجية، نظرا لما توفره من عناصر معلوماتية للمهتمين بالشأن السياسي العربي، وكذلك المعرفية والوجدانية، من خلال تقديم صورة أكثر موضوعية عن العلاقة المعقدة والمتضاربة أحيانا بين ما يحصل داخل إسرائيل وما يحصل داخل حزام المساندة اليهودي في الغرب.

في نفس الوقت، فإن نظرة موضوعية إلى هذه التحولات من منظور موقعها من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني ومن زاوية التنوع الحقيقي للموقف اليهودي الغربي من إسرائيل، تبرز بعدها عن الحاجيات الحقيقية للسلام العادل، كما يتم الترويج له، كما أنها تحجب عن قصد توجهات يهودية أخرى هي أقرب إلى مفهوم الحقوق التاريخية العربية حسب فهمنا العربي.

"
اللوبي جي ستريت الأميركي يحاول من خلال معارضته للإيباك أن يبرز في صورة اليسار اليهودي، لكنه يبقى في حقيقة الأمر مجرد توجه ليبرالي يهودي يحاول أن ينقض تيار المساندة لإسرائيل 
"
فلوبي جي ستريت الأميركي يحاول من خلال معارضته للإيباك أن يبرز في صورة اليسار اليهودي، لكنه يبقى في حقيقة الأمر مجرد توجه ليبرالي يهودي يحاول أن ينقض تيار المساندة لإسرائيل على حساب بعض المجموعات والأفراد المعارضة بالفعل، من حيث المبدأ، لسياسة هذه الدولة منذ نشأتها، ولنا في حالة بعض الحاخامات الأرثوذكس خير دليل.

نفس الرأي ينطبق على جي كال الأوروبية، حيث سارع العديد من المجموعات اليهودية المساندة للحق الفلسطيني إلى التنديد بنفاق نداء عقل غير عقلاني. من بين هذه المجموعات الصغيرة في فرنسا نجد التحالف اليهودي الفرنسي من أجل السلام (UJFP) الذي ندد بالعنصرية الضمنية لنداء جي كال تجاه عرب إسرائيل.

نحن ما زلنا إذن، بالرغم من عمق هذه التحولات، بعيدين عن حركة قادرة على تلبية الحقوق الفلسطينية الحقيقية، أو على تحييد نفوذ ومكانة المؤسسات العنصرية التقليدية مثل الإيباك. لكن يمكن لهذه المعطيات أن تشير إلى تطورات لاحقة على المدى المتوسط والطويل لابد للعرب من التفاعل معها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك