طلعت مسلم

طلعت مسلم

لواء أركان حرب متقاعد


خضوع العسكريين للسياسيين
تصريحات وبيانات العسكريين
حق القيادات العسكرية في النقد
إعفاء ماكريستال وبدائله
تأثر الإستراتيجية الأميركية
احتمالات لموقف مشابه في دول عربية
 

اندلعت الأزمة بين الجنرال ستانلي ماكريستال القائد العام للقوات الأميركية والقائد العام لقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان وقائد عملية إيساف, وعناصر الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس أوباما على أثر تسرب معلومات عن تصريحات صحفية عن الجنرال وبعض من أفراد قيادته انتقد فيها الرئيس الأميركي ونائبه وبعض مستشاريه، وقد أثارت هذه التصريحات أزمة بين القيادة الإستراتيجية في أفغانستان والقيادة السياسية الأميركية التي تمثل القيادة العليا للقوات المسلحة.

وقد وضعت الأزمة القيادة السياسية الأميركية والتي هي في نفس الوقت القيادة العليا للقوات المسلحة في وضع حرج، خاصة وأنها جاءت في وقت تستعد فيه القوات في أفغانستان لشن حملة في قندهار، وبالتالي فإن إعفاء القائد العام في هذا الوقت يجعل تنفيذ العملية حسب المخطط موضع شك سواء من حيث المبدأ أو في توقيتها.

ويتطلب مناقشة الأزمة إثارة عدة قضايا ليست مرتبطة بالقوات الأميركية في أفغانستان فقط، ولكنها مرتبطة أيضا بقضايا العلاقات العسكرية المدنية عموما وبدون الارتباط بالولايات المتحدة الأميركية، والقوات الأميركية وأفغانستان فقط، وأولها مسألة خضوع الإستراتيجية العسكرية للسياسة، ثم إنها مرتبطة بأطراف القضية في نفس الوقت.

وهناك قضية التصريحات التي تصدر عن القادة العسكريين تتعلق بالجوانب السياسية للعمليات العسكرية، وعن حق القيادات العسكرية في أن تكون لها آراء حول السياسة التي تتبعها القيادة السياسية وكيفية التعبير عنها، ثم كيفية التصرف في حال وجود تناقضات أو اختلافات بين القيادات العسكرية والسياسية.

ثم مناقشة قرار الرئيس الأميركي بإعفاء القائد العام في أفغانستان وتكليف الجنرال بتراوس القائد العام للقيادة المركزية (الوسطى) بمهام القائد العام في أفغانستان، ومتطلباته، ومدى تأثير القرار على تنفيذ الإستراتيجية العسكرية، وطرق الحل المفتوحة التي كانت أمام الرئيس الأميركي قبل اتخاذ القرار والتي أمامه بعد اتخاذ القرار. أخيرا فقد تساءل البعض عما يمكن أن يحدث لو أن واقعة مشابهة حدثت في بلد عربي أو في بلد من بلاد العالم الثالث.

خضوع العسكريين للسياسيين

"
من المبادئ العامة في العسكرية أن السياسة تحدد الأهداف والمهام التي على القوات المسلحة أن تنفذها في مسرح العمليات المحدد، وأن الإستراتيجية العسكرية تحدد الأعمال التي ترى أنها تحقق هذه الأهداف والمهام
"
من المبادئ العامة في علم "فن الحرب" خضوع الإستراتيجية العسكرية للسياسة وتحقيق الأهداف، أي أن السياسة تحدد الأهداف والمهام التي على القوات المسلحة أن تنفذها في مسرح العمليات المحدد، وأن الإستراتيجية العسكرية تحدد الأعمال التي ترى أنها تحقق هذه الأهداف والمهام، وعلى السياسة أن تراجع خطط الإستراتيجية العسكرية لتتأكد من أنها تحقق الأهداف والمهام، وأن تصدق عليها، وبعد ذلك فإن السياسة يمكن أن تراجع خطوات تحقيق الإستراتيجية دون تدخل في تفاصيل العمل العسكري قدر الإمكان أو بأقل تدخل ممكن.

ولا يسمح للقيادة العسكرية بأن تتجاهل أو تتجاوز ما تصدره القيادة السياسية، ويعتبر عادة وزير الدفاع ممثلا للقيادة السياسية في ما يتعلق بالجوانب العسكرية، بينما يعتبر رئيس الجمهورية في الجمهوريات الرئاسية أو الملك في الممالك والإمارات المطلقة، أو رئيس الوزراء في الجمهوريات البرلمانية والملكيات الدستورية القائد الأعلى الفعلي للقوات المسلحة.

تصريحات وبيانات العسكريين
اعتاد القادة العسكريون الأميركيون إصدار تصريحات سياسية تؤيد السياسة الأميركية، وكانت تصريحات القادة الأميركيين ضد الرئيس العراقي صدام حسين مثالا هاما لذلك وإن لم تكن الوحيدة، وهو ما يعتبر أيضا خروجا على القاعدة، وكان من الأفضل أن يتوقف القادة العسكريون عن إصدار أي بيانات ذات طابع سياسي، وترك ذلك للسياسيين أو للمتحدث الرسمي باسم القيادة العسكرية.

ليس من الطبيعي أن يدلي قائد عسكري بتصريحات سياسية عموما، وليس من المقبول أن يصدر أي من القادة العسكريين بيانات عامة ولوسائل الإعلام مخالفة لسياسة الدولة أو منتقدة لها، وتعتبر تصريحات الجنرال ماكريستال الأخيرة سابقة غير عادية في تاريخ العسكرية الأميركية، وربما في التاريخ العسكري عموما، ويرجع ذلك لأن مثل هذه التصريحات تؤدي إلى بلبلة في الرأي العام وفي القوات المسلحة، وضعف الثقة في القيادة في ظرف حرج.

 فرغم أن معارضة سياسة الحكومة أمر عادي في جوانبه المدنية، إلا أن اهتزاز الثقة في صحة أمر عسكري يمكن أن يؤدي إلى الإضرار بمصالح الدولة العليا، وقد يؤدي إلى أن تخسر البلاد استقلالها، كما أن خسارة الحرب تعني خسارة أرواح الكثيرين وتدميرا لثروات البلاد.

حق القيادات العسكرية في النقد

"
من حق القادة العسكريين أن ينتقدوا القيادة السياسية وما يصدر عنها، ولكن هذا النقد يجب أن يكون من خلال قنوات شرعية محددة، ومن حقهم أيضا إبداء الرأي فيما يصدر إليهم من توجيهات أو تعليمات من القيادة السياسة
"
ليس معنى هذا أن القادة العسكريين ليس لهم رأي في ما يصدر عن القيادة السياسية فهم في النهاية مواطنون، ومن الطبيعي أن ينتقدوا القيادة السياسية وما يصدر عنها، ولكن هذا النقد يجب أن يكون من خلال قنوات شرعية محددة، ويمكن للقيادات العسكرية العليا أن تبدي آراءها فيما يصدر إليها من توجيهات أو تعليمات إستراتيجية من القيادة السياسة إما شفاهة ومباشرة عند تلقي هذه التوجيهات، أو في تقارير مكتوبة توضح الظروف المحيطة بتنفيذ هذه التوجيهات والصعوبات التي تواجه تنفيذها، وأن تشتمل هذه الآراء على اقتراح ببدائل ترمي إلى تحقيق نفس الأهداف وتتفادى الصعوبات التي تراها في تنفيذ المهام.

على أنه من الطبيعي أن يصاغ كل ذلك في إطار من الاحترام المتبادل، وأن تكون الكلمة الأخيرة للقيادة السياسية، ولا بد من التنسيق بين القيادتين بحيث يمكن التوصل إلى حل بحيث تطمئن القيادة السياسية إلى أن الإستراتيجية العسكرية تحقق الأهداف والمهام التي تحددها، وأن تطمئن القيادة العسكرية إلى أن التوجيهات التي تلقتها والمهام المحددة لها قابلة للتحقيق ولا تتعارض مع قواعد وأسس إدارة العمليات العسكرية.

إعفاء ماكريستال وبدائله
كان من الطبيعي أن يعفى الجنرال ماكريستال من منصبه كقائد عام للقوات الأميركية في أفغانستان على أثر التصريحات التي صدرت عنه وعن بعض عناصر قيادته وتنتقد القيادة السياسية، باعتبار أنه قد أخل بعنصر أساسي في واجباته باحترام القيادة السياسية وخالف النظام العام والقواعد المنظمة للعلاقة معها.

وكان أمام الرئيس الأميركي بدائل باستمرار بقاء ماكريستال في منصبه مع عقابه بطريقة أو بأخرى وتبديله في وقت لاحق بعد إعداد خلف له، ولكن استمراره كان يعني ضعف القيادة السياسية في مواجهة القيادة العسكرية، وتوترا في العلاقة بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية في أفغانستان من المشكوك فيه أنه كان يمكن أن يكون في صالح العمليات المقبلة في أفغانستان. وبالتالي يعني انقلاب القواعد العامة، ويصبح من الصعب إدارة العمل بين القيادتين.

لكن إعفاء القائد العام لا ينهي المشكلة، فالحقيقة أن ما صدر قد صدر، وهو يعكس واقعا عن آراء القيادة العسكرية الأميركية في أفغانستان عن القيادة السياسية، وأن الخطأ ينحصر في كيفية التعبير عن الآراء حول هذه القيادة وليس بالضرورة في مضمونها، وتشير هذه الانتقادات إلى أن القيادة السياسية الأميركية تتدخل بشكل غير مناسب في الإستراتيجية العسكرية.

وهكذا فإن إعفاء الجنرال ماكريستال يعالج قضية، ولكنه يترك القضية الأصلية دون علاج حيث يبقى تدخل القيادة السياسية وخاصة من المحيطين بالرئيس يحتاج إلى علاج، وتفحص مضمون التصريحات المنشورة لعلاجها.

من الطبيعي أن نتوقع أن يعمل الرئيس الأميركي على علاج ما كشفت عنه الانتقادات دون إعلان، ولكن يخشى أن يجري تجاهل ذلك، وهو ما يمكن أن تكون له عواقب وخيمة في المستقبل سواء في ما يتعلق بالحرب في أفغانستان أو في العلاقات المدنية العسكرية في الولايات المتحدة عموما.

تأثر الإستراتيجية الأميركية
أعلن الرئيس الأميركي عن استمرار الإستراتيجية العسكرية الأميركية في أفغانستان رغم إعفاء الجنرال ماكريستال، وهو أمر كان متوقعا، خاصة وأن تعيين الجنرال ديفد بتراوس للقيام بأعمال الجنرال ماكريستال يسهل ذلك باعتبار أنه مشارك في وضع هذه الإستراتيجية وهو متابع للأحداث في أفغانستان، ولا يحتاج إلى زمن طويل للبدء في ممارسة مهامه الجديدة.

"
الإستراتيجية الأميركية سوف تتأثر بإعفاء ماكريستال, وستبقى بعض الجوانب الشخصية المؤثرة عائقا أمام استمرار الإستراتيجية كما هي، وستبقى علاقة القائد العام الجديد بالقادة المرؤوسين له تحتاج إلى معالجة
"
لكن ذلك لا يعني أن هذه الإستراتيجية لن تتأثر، وستبقى بعض الجوانب الشخصية المؤثرة عائقا أمام استمرار الإستراتيجية كما هي، وستبقى علاقة القائد العام الجديد بالقادة المرؤوسين له تحتاج إلى معالجة، كما أن الانتقادات كانت قد صدرت أيضا من بعض معاونيه، وهذا إما يتطلب إعفاءهم أيضا وهو ما يزيد من تعقيد المشكلة، أو استمرارهم رغم ما أبدوه من ملاحظات وهو ما يضعف الثقة في اقتناعهم بالإستراتيجية. ويحتاج الأمر معالجة تدريجية وحذرة.

أخيرا فإن من المشكوك فيه أن تكون القوات الأميركية قادرة على البدء في شن عمليتها القادمة في توقيتها السابق، حيث تحتاج إلى تأجيل ولو لفترة قصيرة لضبط الأوضاع داخل القيادة العامة للقوات في أفغانستان.

كذلك فإن تكليف الجنرال بتراوس بأعمال الجنرال ماكريستال سيؤثر بلا شك على أعمال الجنرال بتراوس كقائد عام للقيادة المركزية التي تقود القوات الأميركية في كل من العراق وأفغانستان، ويحتاج إلى تعيين قائد جديد في أفغانستان بعد فترة قصيرة وهذا هو الغالب، أو تعيين قائد جديد للقيادة المركزية وهو ما يضع بتراوس في وضع حرج.

احتمالات لموقف مشابه في دول عربية
أقحم هذا الموقف على الدول العربية ودول العالم الثالث في أحد التعليقات بدعوى أنه لو حدث في دولة منها لبقي القائد العام في مكانه، وهو أمر مشكوك فيه تماما، ويلاحظ أنه لم يحدث أن قام أحد القادة العسكريين العرب بانتقاد القيادة السياسة أو قراراتها أثناء وجوده في الخدمة، رغم أنه قد حدثت انتقادات كثيرة من قادة عسكريين لقرارات سياسية، وتعددت الخلافات بين قيادات سياسية وقيادات عسكرية في هذه الدول.

لكن ذلك غالبا ما يحدث بعد انتهاء خدمة القائد العسكري أو بعد تقديم القائد العسكري استقالته مما يرفع عنه الحرج، ورغم ذلك فقد عوقب بعض هؤلاء القادة على ما نشروه أو أعلنوه بعد استقالتهم باعتبار أن ما نشروه قد أفشى أسرارا عسكرية دون إذن.

ويرجع ما سبق إلى اتساع سلطات القيادة السياسية في الدول العربية وفي دول العالم الثالث عموما بحيث تتعرض القيادات العسكرية في حال انتقادها للقيادات السياسية لعواقب غير مأمونة تجعل هذا العمل مخاطرة كبيرة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك