لؤي ديب

لؤي ديب


جريمة العدوان
التعديل في النظام
تقييم العدالة الدولية
كمبالا كتبت شهادة وفاة المحكمة

في الحادي عشر من يونيو/ حزيران اخُتتم في كمبالا, بأوغندا، المؤتمر الاستعراضي لنظام روما الأساسي بعد مناقشات استمرت أسبوعين بحضور نحو (4600) ممثل من ممثلي الدول والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية، حيث أتحفنا المؤتمر بعد أسبوعين من النقاش وسنوات من انتظار انعقاده بقرارات تُكرس العدالة الانتقائية تمثلت في:

جريمة العدوان
أرسى المؤتمر تعريف جريمة العدوان على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3314 ) د-29(المؤرخ 14 ديسمبر/ كانون الأول 1974, واتفق الحضور على خلع صفة العدوان على الجريمة التي يرتكبها قائد سياسي أو عسكري والتي تشكل بحكم طابعها وخطورتها ونطاقها انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة، ولكن وفق الشروط التالية:

أولا: ممارسة المحكمة لنظر جريمة العدوان مرهونة بقرار واضح من مجلس الأمن يقول فيه إن عملا عدوانيا قد وقع، وعندها يمكن لمجلس الأمن وهو يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أن يحيل هذه الحالة إلى المحكمة بغض النظر عما إذا كانت الحالة المذكورة تنطوي على دول أطراف أو على دول غير أطراف.

"
يُسمح للمدعي العام أن يبدأ إجراء تحقيق بمبادرة منه هو أو بناء على طلب من إحدى الدول الأطراف بيد أنه يكون على المدعي العام لكي يفعل ذلك أن يحصل على إذن مسبق من الشعبة التمهيدية للمحكمة
"
ثانيا: يُسمح للمدعي العام في أن يبدأ إجراء تحقيق بمبادرة منه هو أو بناء على طلب من إحدى الدول الأطراف، بيد أنه يكون على المدعي العام لكي يفعل ذلك أن يحصل على إذن مسبق من الشعبة التمهيدية للمحكمة.

ثالثا: لن يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم العدوان المرتكبة على إقليم الدول غير الأطراف أو المرتكبة من جانب رعاياها أو فيما يتعلق بدول أطراف تكون قد أعلنت أنها لا تقبل اختصاص المحكمة بشأن جريمة العدوان ما لم تكن الحالة محولة من مجلس الأمن.

رابعا: تكون الممارسة الفعلية لهذا الاختصاص رهنا بقرار تتخذه بعد الأول من يناير/ كانون الثاني (2017) نفس الأغلبية من الدول الأطراف المطلوبة لاعتماد تعديل النظام الاساسي.

التعديل في النظام
أولا / عدل المؤتمر المادة الثامنة من نظام روما الأساسي لجعل ولاية المحكمة تشمل جريمة الحرب المتمثلة في استخدام أنواع معينة من الأسلحة السامة والطلقات المتمددة والغازات الخانقة أو السامة وجميع السوائل والمواد والنبائط المشابهة عند ارتكاب هذه الجريمة في نزاعات مسلحة غير ذات طابع دولي.

ثانيا / أبقى المؤتمر على المادة (124) في شكلها الحالي، ووافق على مراجعة أحكامها أثناء الدورة الرابعة عشرة لجمعية الدول الأطراف في عام (2015) حيث تسمح المادة للدول الأطراف الجديدة بأن تعلن عدم قبولها اختصاص المحكمة لمدة سبع سنوات بشأن جرائم الحرب التي تُرتكب من جانب مواطنيها أو في إقليمها.

تقييم العدالة الدولية
اختتم المؤتمر تقييمه للعدالة الجنائية الدولية باعتماد قرارين اثنين وإعلان وموجز مناقشات ودعوة كلها غير ملزمة.

القرار الأول يتعلق بتأثير نظام روما الأساسي على الضحايا والمجتمعات المتأثرة حيث سلم المؤتمر بأن من المكونات الأساسية للعدالة حق الضحايا في الوصول بشكل متكافئ وفعال إلى العدالة والدعم والحماية والجبر الوافي والفوري عن الضرر الذي لحق بهم والوصول إلى المعلومات المتعلقة بالانتهاكات وآليات الجبر، وعلاوة على ذلك أكد المؤتمر على الحاجة إلى تنفيذ أنشطة التوعية على خير وجه، ودعا إلى التبرع إلى صندوق استئماني للضحايا.

القرار الثاني كان يتعلق بمسألة التكامل مع المحكمة، حيث نص القرار على المسؤولية الرئيسية للدول عن التحقيق في أشد الجرائم خطورة التي تثير القلق الدولي، وفي المقاضاة بشأنها، وضرورة مساعدة الدول بعضها بعضا على تعزيز القدرات المحلية لضمان أن يجري على الصعيد الوطني التحقيق في أشد الجرائم خطورة التي تثير القلق الدولي والمقاضاة بشأنها.

أما الإعلان فأكد على أن جميع الدول عليها التزام بالتعاون مع المحكمة، ويجب أن تفعل ذلك، وركز على آلية تنفيذ أوامر إلقاء القبض في ضمان فعالية اختصاص المحكمة.

"
اختتم المؤتمر تقييمه للعدالة الجنائية الدولية بدعوة الأطراف بتعزيز تنفيذ الأحكام من خلال الإعراب للمحكمة عن استعدادها لقبول الأشخاص المحكوم عليهم لسجنهم في مرافق السجون التابعة لها
"
وموجز مناقشات تحدث عن مسألة السلام والعدالة، وادعى أن هناك تحولا نموذجيا أحدثته المحكمة فأصبحت توجد الآن علاقة إيجابية بين السلام والعدالة على الرغم من أن التوتر بين الاثنين ما زال موجودا وتتعين معالجته، وأن عمليات إصدار العفو لم تعد خيارا مطروحا في حالة أشد الجرائم خطورة بموجب نظام روما الأساسي.

والدعوة كانت للدول الأطراف بتعزيز تنفيذ الأحكام من خلال الإعراب للمحكمة عن استعدادها لقبول الأشخاص المحكوم عليهم لسجنهم في مرافق السجون التابعة لها، وأجازت الدعوة تنفيذ أحكام السجن في سجن يتاح عن طريق منظمة أو آلية أو وكالة دولية أو إقليمية.

كمبالا كتبت شهادة وفاة المحكمة
كان ما سبق هو كل ما تمخضت عنه اجتماعات مؤتمر كمبالا الذي وصلته برقية إسرائيلية بالاعتداء على أسطول الحرية, فعمل على تكريس تسييس العدالة الدولية ليطلق المؤتمرون طلقة الرحمة على شرعية المحكمة والإيمان بدورها في إمكانية تحقيق العدالة بعيدا عن تلاعب الكبار بالنظام الدولي.

لقد أعطى المؤتمر لمجلس الأمن الذي لا يملك الحق ولا تعترف أربع دول من أعضائه الدائمين بنظام روما سلطة محاكمة من يعترفون بالنظام، ليكرس مفهوم أن المحكمة وجُدت للأفارقة والعالم الثالث، وأن الدول العظمى وأصدقاءها فوق القانون الذي تحركه هيئة سياسية متمثلة في مجلس الأمن، وقُيدت صلاحيات المدعى العام بقيود من حديد.

وكشف المؤتمر وجه منظمات غير حكومية كبرى لطالما تغنت بالعدالة، ولكن يبدو أن مشاكل التمويل والأزمة المالية دفعتها إلى تبنى مواقف الممولين والدول المعادية للعدالة لدرجة أنها ما زالت تخجل من نشر مداخلاتها في المؤتمر على مواقعها الإلكترونية في وقت كانت تغيب فيه تغطية إعلامية جادة للمؤتمر.

"
الانتكاسة الأخيرة لمؤتمر المراجعة تفرض علينا جميعا إعادة التفكير في التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية وربما المبادرة إلى محكمة بديلة تقوم على أسس سليمة تنطلق فكرتها من دولنا ومنظماتنا
"
إن الانتكاسة الأخيرة لمؤتمر المراجعة تفرض علينا جميعا إعادة التفكير في التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية وربما المبادرة إلى محكمة بديلة تقوم على أسس سليمة تنطلق فكرتها من دولنا ومنظماتنا, فما حاجتنا كعرب ومسلمين بسلطة محكمة تدعى أنها دولية في حين أن أعضاءها لا يمثلون إلا ربع سكان العالم، وما زالت أكبر دول العالم مثل الصين وروسيا وأميركا والهند وباكستان وإندونيسيا خارج سلطتها, محكمة ليس لديها من الاستقلالية إلا بما يسمح به مجلس الأمن حيث إن نظامها الأساسي وانعدام الأمل بعد التعديلات الجديدة أبقت المقاضاة والإحالة في يد المجلس ودوله الكبرى ليصبح التدخل السياسي جزءا مشروعا في العملية القانونية والمبادئ المرجعية للمحكمة.

ما زالت المحكمة الجنائية تتجاهل كل الانتهاكات الغربية ضد حقوق الإنسان، وكأن من يجلس على رأسها أحول أو أعمى لا يرى ما يحدث في فلسطين وأفغانستان والعراق وما حدث في الشيشان وغيرها من الدول.

لقد تلقت المحكمة منذ ولادتها (9654) شكوى ضد جرائم مفترضة في (139) دولة، ولكنها لم تبادر إلى التحقيق إلا في خمسة بلدان كلها أفريقية، وكل إجراءات المحاكمة في القضايا الخمس شابتها أخطاء قانونية قاتلة، وشهود تراجعوا عن شهادتهم وتدعى المحكمة أنها توازن بين السلام والعدالة وأنها تدعم العدالة التصالحية، في حين أن واقع الحال والمعايير المزدوجة التي تُساق بها المحكمة وإخفاقاتها القانونية في أفريقيا فقط أخرجت عمليات سلام حساسة عن سكتها ومدت في عمر حروب أهلية مدمرة ووضعت جهود وسطاء ودول في مهب الريح.

بسلبيتها منحت المحكمة حصانة ضد الملاحقة القانونية لكثيرين دأبوا على انتهاك العدالة فقط لأنهم من أصدقاء الدول الكبرى, وخيبت آمال الضحايا بالاقتصاص والجبر وأغرقتهم في روتين خاضع للمزاج السياسي وتكرمه على العدالة، على عكس محاكمات نورمبرغ التي نظرت قضايا أخطر بكثير مما نظرته المحكمة الجنائية وانتهت منها في عام واحد فقط بينما احتاجت المحكمة الجنائية الدولية إلى عدة سنوات لإعداد ملف المتهم الأول بدعوى تجنيد أطفال, ولا وجه للمقارنة فيما أضافته للبشرية والقانون الدولي محكمة العدل الدولية ومحكمة يوغسلافيا ورواندا وغيرها من المحاكم الخاصة، في حين أن المحكمة الجنائية الدولية لم تقدم إنجازا للبشرية سوى اسمها.

أنفقت المحكمة الجنائية الدولية منذ ولادتها ما يزيد على (7) مليارات يورو منها أكثر من (500) مليون يورو على محاكمة واحدة مليئة بالثغرات أعُيد تقديم الأوراق فيها أكثر من مرة، وتوقفت الإجراءات فيها مرات قبل أن تستأنف، نتيجة لأخطاء في التحقيق والأدلة والمداخلات القانونية للمدعى العام, وما زال الاتحاد الأوروبى -الذي تتراجع العدالة في دوله يوما بعد يوم ويُصار إلى تغير القوانين فيها من أجل ضمان إفلات قادة إسرائيل من العقاب- يُمارس الابتزاز على الدول الفقيرة من خلال ربط المساعدات بالانضمام للمحكمة, في حين أن المبلغ الذي أنفقته المحكمة منذ ولادتها كان كفيلا بحل (90%) من مشاكل أفريقيا.

لقد كان للمكان انعكاس وتأثير وسحر واضح على قرارات المؤتمر المخيبة للآمال، والذي عقد في بلد الرئيس موسيفينى الذي يحكم أوغندا بالحديد والنار منذ (24) عاما ويتولى ابنه كينر موهوزى فيها الحرس الرئاسي، وهى الدولة التي اتُهمت حكوماتها المتعاقبة من منظمات غير حكومية بارتكاب انتهاكات وفظائع، وهى الدولة التي اعتدت في عام 2007 على الكونغو لتسرق مخزونها النفطي في بحيرة (ألبرت) ويبدو أنها كانت مضطرة لمجاملة المحكمة وعكس طيفها على قراراتها لأن جوزيف كوني أشد معارضيها مطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب, وجملت المحكمة صورتها في أنها تنطلق في مراجعاتها من أفريقيا لتبعد شبهة استهدافها للقارة وتداري فضائحها وعجزها عن تحقيق العدالة بالحديث من وسط الضحايا.

"
المعيار الحقيقى والاختبار للحكم النهائي على المحكمة كان يرتكز على مؤتمر المراجعة وقراراته التي لم تأت إلا بما يزيد الطين بلة, ويدفع بعجلة العدالة للخلف ويكرس العدالة الانتقائية على حساب العدالة الدائمة
"

كان إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في العام 1998 حدثاً مهماً في نظام العدالة الدولية, ونقلة تجاوزت حدود الهيمنة لعالم السياسة وجدل السيادة الوطنية, وبداية تأسيس لفهم عالمي للعدالة يتجاوز فشل المنظومة الدولية, إلا أن ذلك لم يدم طويلا وقُلمت أظافر المحكمة وهُذبت وفق أصول مصالح الدول الشمالية.

ووسط كل التراجع الذي صاحب مسيرة المحكمة الجنائية الدولية كان هناك بصيص أمل وتعويل على قرار جريء طال انتظاره ولم يأت, ولكن المعيار الحقيقى والاختبار للحكم النهائي على المحكمة كان يرتكز على مؤتمر المراجعة وقراراته التي لم تأت إلا بما يزيد الطين بلة, ويدفع بعجلة العدالة للخلف ويكرس العدالة الانتقائية على حساب العدالة الدائمة ويسد الطريق على الضحايا في الاقتصاص من خلال الاختصاص العالمي عندما سجل المؤتمر فشله الذريع بصدور قرار ملزم لأعضائه بتفعيل الاختصاص العالمي للمحاكم الوطنية، وسجل ذلك خجلا في قرار غير ملزم ضمن إعلان تقييم ومراجعة حالة العدالة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك