عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.


النجاح الأفريقي
عولمة كرة القدم
شعبية كرة القدم

كرة القدم والهوية

يشهد العالم في أيامنا هذه أحداث ومباريات تصفيات كأس العالم لكرة القدم في جنوب أفريقيا، التي يتابعها بانفعال واهتمام عدد كبير من البشر، ومن مختلف القارات والجنسيات والأعراق والديانات، سواء من خلال المشاهدة الحيّة في الملاعب أم من خلال التغطية التلفزيونية والإعلامية، مع حرمان جمهور واسع من عشاق الكرة المستديرة من مشاهدة المباريات على شاشات التلفزة في بيوتهم، بسبب احتكار النقل المباشر من طرف شركات وقنوات فضائية معينة، لذلك اضطروا للذهاب إلى النوادي الرياضية والمقاهي والمطاعم والساحات العامة، كي يعيشوا الكرة ويتكلموا لغتها، التي أصبحت القاسم المشترك بين قسم كبير من البشر على كوكب الأرض.

ويتابع جمهور الكرة لحظات المباريات بحماس كبير، منفعلاً بمجرياتها ونتائجها، ليستلب المشهد الرياضي، في هذه المناسبة، عيون وعقول مئات الملايين من البشر، وذلك بعد أن عمل النقل التلفزيوني المباشر للمباريات على زيادة شعبية المنافسات الرياضية، وكسر حلقة المشاهدة التي كانت، قبل بضعة عقود خلت، حكراً على أولئك الذين توفرت لهم فرصة الذهاب إلى الملاعب فقط.

النجاح ألإفريقي
لا شك في أن اختيار جنوب أفريقيا لتنظيم مونديال عام 2010، للمرة الأولى في تاريخها وتاريخ القارة الأفريقية، يعتبر تكريماً لتقدم مستوى اللعبة في هذه القارة، وبالتالي تكريماً لها، وأتاح للعالم أن ينظر ويتأمل ما أنجزه شعب أحد بلدان هذه القارة، التي كانت مستبعدة من حسابات أباطرة الكرة، وأن يتعرّف على أفق بلد خرج من نظام الاستعباد والتمييز العنصري، وتصالح مع أغلبية شعبه، ومع ماضيه، فراح يصنع مستقبله بنفسه، ويبني دولة ديمقراطية نابضة. أضحت تدعى دولة "قوس قزح"، وتشكل مركز قوة في العالم، وذات نفوذ اقتصادي كبير.

"
اختيار جنوب أفريقيا لتنظيم مونديال عام 2010، للمرة الأولى في تاريخها وتاريخ القارة الإفريقية، يعتبر تكريماً لتقدم مستوى اللعبة في هذه القارة، وبالتالي تكريماً لها، وأتاح للعالم أن ينظر ويتأمل ما أنجزته دولة كانت مستبعدة من حسابات أباطرة الكرة
"
وتمكن المنظمون في جنوب أفريقيا من تحقيق النجاح في التنظيم، وفي تقديم حفل افتتاح رائع لهذه البطولة، يرقى إلى مصاف العروض المبهرة فنياً ورياضياً. رقصت فيه أفريقيا وغنت، الأمر الذي أكسب لعبة كرة القدم هوية إنسانية جديدة، كادت تضيع بين جيوب المتاجرين بها. ويبدو أن جنوب أفريقيا أرادت من خلال هذا الحدث العالمي أن تمحو ذكريات تلك السنوات، التي كان فيها نيلسون مانديلا ورفاقه يقبعون في الزنازين المظلمة، ولم يتوانوا في ذلك الوقت عن تنظيم ولعب مباريات كرة القدم في باحة السجن في جزيرة "روبن"، التي حولوها إلى باحات للعب والنضال والكفاح ضد نظام العبودية والتمييز العنصري.

ويرجع تاريخ اللعبة في أفريقيا، وفي مختلف بلداننا العربية كذلك، إلى الفترة الاستعمارية، حيث كان يمارسها جنود الاحتلال، قبل أن تجذب اهتمام الشعوب المستعمرة، لكنها أخذت تستحوذ على اهتمام الكبار والصغار في جميع أنحاء العالم من بدايات القرن المنصرم، وراحت تكتسب تدريجيا شعبية متزايدة. ووجد فيها المستعمر وسيلة لإقناع الشعوب المستعمرة بمزايا الرجل الأبيض، والاستكانة لإرادته، فراح يشجعها على تقليد اللعب بالكرة.

لكن في مرحلة التحرر الوطني شكلت المنتخبات الوطنية لكرة القدم أحد الأركان الأساسية للدول المستقلة حديثاً، ولم تعد وسيلة لإلهاء الشعوب بها، وإبعادها عن المطالبة بحقوقها في التحرر والمشاركة السياسية والديمقراطية والعيش الحرّ والكريم. ومع ذلك، مازالت مباريات هذه اللعبة بين الدول تستغل من طرف الساسة ووسائل الإعلام لتأجيج المشاعر الوطنية الضيقة، وإثارة العصبيات الكارهة للآخر، مثلما حدث في مباريات مصر والجزائر خلال التصفيات التحضيرية المؤهلة لمونديال جنوب أفريقيا.

وحين اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) دولة جنوب أفريقيا، لاستضافة كأس العالم 2010، كان المأمول أن تعود الفوائد المترتبة على جميع أبناء هذا البلد، بل وعلى أبناء القارة كلها، لكن تجار الكرة -بمن فيهم "الفيفا" والشركات الراعية، وبالأخص شركة كوكاكولا- أجبرت حكومة جنوب أفريقيا على تفريغ مساحات واسعة من مدنها، وحولتها إلى أماكن للدعاية الخاصة بكوكاكولا نفسها. وبات من يشاهد فعاليات البطولة ومواقع التدريب، يظن نفسه في إحدى المدن الأميركية، وليس في مدينة أفريقية، والصور الأفريقية التي يشاهدها المتفرّج هي صورة أفريقيا السياحية، التي يظهر فيها أفارقة، رجالاً ونساء، يرتدون الملابس الملونة والمزركشة، وخلفهم حيوانات متوحشة تسرح في غابات كثيفة.

عولمة كرة القدم
يعتبر المونديال، الذي يقام كل أربع سنوات، حدثاً من أكثر ظواهر العولمة بروزاً، إذ سمح التطور التقني لوسائل الاتصال بمشاهدة المباريات في بث حي مباشر، يمكنه أن يدخل كافة البيوت والساحات والشوارع. وكانت هذه اللعبة قد غزت العالم عبر البحار، حين كان التجار الإنكليز يلعبونها في الساحات والأماكن القريبة من الموانئ، أي بالقرب من الأماكن التي كانت ترسو فيها سفنهم.

ومن هنا نفهم سبب انتشار اللعبة في البداية في بعض المدن التي تطل على البحر، أمثال مدينة جنوة الإيطالية وبرشلونة الإسبانية والهافر الفرنسية وهامبورغ الألمانية، وغيرها من المدن العالمية الساحلية الأخرى. ومع الزمن انتشرت اللعبة نحو المدن الداخلية، وساهم المستوطنون والمستعمرون الإنكليز وسواهم من الأوروبيين في نقل هذه اللعبة إلى مختلف بلدان القارة الأميركية وبلدان آسيا وأفريقيا، ثم أسهم التلفزيون بشكل حاسم في اكتمال نقل وتعميم هذه اللعبة إلى مختلف بلدان العالم.

"
كرة القدم هي في بعض الأحيان مناسبة للتعبير عن الإخاء والتسامح الذي تخلقه لحظة اللعب، وعن التواصل الذي لا يوجد إلا بوجودها، لكنها في أحيان أخرى يمكن أن تمثل مظهراً للحقد والكراهية ضد الآخر
"
والملاحظ أن أول مونديال عالمي جرى تنظيمه في باراغواي عام 1930، لكن كرة القدم لم تصبح ظاهرة عالمية إلا في الثلث الأخير من القرن العشرين المنصرم. وكان للتلفزيون وثورة الاتصالات الدور الرئيس في ذلك، وجرت عملية عولمة كرة القدم، حيث سيطر رأس المال على الكرة، بوصفها تملك قدرة هائلة على جذب المستهلكين، وهم يؤلفون جمهوراً عريضاً من عامة الناس في مختلف بقاع الأرض.

وحين نتعرض لصور كرة القدم في زمن العولمة الراهنة، نعثر على الصورة المزدوجة للعولمة، من حيث إن العولمة تمتلك وجهين متباينين. فمن جهة أولى يجدها البعض وسيلة لنقل قيمهم ونموذجهم المجتمعي للعالم كله، فيما يراها الآخرون، من جهة ثانية، بوصفها تمثل غزواً حقيقياً لمجتمعاتهم، تقوم به الشركات فوق القومية، التي لا هم لها سوى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب المادية بعيداً عن أي قيم إنسانية.

إن مثل هذه الازدواجية نجدها كذلك في ظاهرة كرة القدم، ذلك أن كرة القدم هي في بعض الأحيان مناسبة للتعبير عن الإخاء والتسامح الذي تخلقه لحظة اللعب، وعن التواصل الذي لا يوجد إلا بوجودها، لكنها في أحيان أخرى يمكن أن تمثل مظهراً للحقد والكراهية ضد الآخر.

وإذا كان رصيد كرة القدم من العواطف والانفعالات كبيراً، فهذا يرجع إلى كونها أضحت مصدراً للكسب المادي ودخلت عالم البزنس والبورصة، إذ مع انتشار كرة القدم وتحولها إلى الظاهرة الأكثر عالمية في عصر العولمة، فإنه جرى تحويلها إلى سلعة في عالم رأس المال، وهي سلعة يشتريها المليارات من المستهلكين في العالم، الأمر الذي لم تحظ به أي سلعة أخرى، حتى الكوكاكولا نفسها.

شعبية كرة القدم
يكمن سرّ شعبية هذه اللعبة في بساطتها، وفي إمكانية ممارستها في أماكن مختلفة، وربما كل واحد منا يتذكر الشوارع والساحات التي كان يمارس فيها اللعبة، ويتذكر أي انفعال كان ينتابه، فأغلب الكبار والصغار في مختلف بلدان العالم يمارس ويهوى كرة القدم. إضافة إلى امتلاك كرة القدم ميزة الجماعية، حيت يمكنها التحول إلى رهان جماعي بين الأحياء في المدن، أو بين القرى والبلدات والمدن داخل البلد المعني، ثم يمكنها التحول إلى رهان جماعي وطني وقومي.

"
تحول الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس أبداً، وصار لعملية تشكيل الأندية الرياضية وتنظيم المباريات عواقبها على صورة الأمم، بل وعلى السياسة الدولية أيضاً
"
ولا بد للإشارة في هذا السياق إلى الدور الهام الذي تلعبه كرة القدم في تجاوز النزاعات والصراعات الاجتماعية والعرقية، خصوصاً بين أوساط الشباب، حيث تتم ممارسة اللعبة بروح جماعية، كفريق واحد، وعلى أساس احترام الآخر، وهي بهذا تساهم في تعزيز روح التضامن بين أبناء المجتمع الواحد. ومن هنا نفهم كيف تجاوزت ظاهرة كرة القدم بأبعادها الكونية الخلافات القومية والعرقية والدينية والاجتماعية بين مختلف الشعوب.

وبالرغم من أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) تأسس عام 1904، وكان يضم وقتها سبعة بلدان فقط، فإنه اليوم صار يضم أكثر من مائتي عضو. في حين أن عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة يبلغ 192 عضواً فقط. وقد نجح "الفيفا" في كثير من المواضع التي أخفقت فيها المنظمة الأممية، وعلى سبيل المثال فقد تمّ قبول عضوية فلسطين فيها، بينما لم يتم قبولها حتى الآن كدولة في منظمة الأمم المتحدة، وهكذا فإن الفريق الوطني الفلسطيني رأى النور قبل الدولة الفلسطينية.

وتحول الاتحاد الدولي لكرة القدم إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس أبداً، وصار لعملية تشكيل الأندية الرياضية وتنظيم المباريات عواقبها على صورة الأمم، بل وعلى السياسة الدولية أيضاً، وكذلك على قضايا السلام والحرب، وعلى الهويات الوطنية والقومية.

بهذا المعنى تجاوزت كرة القدم حدود اللعبة الرياضية لكي تكون في أغلب الحالات مؤشراً على التطور الجيوسياسي للبلد المعني وتميزه عن سواه من البلدان. وفي هذا الصدد يمكن أن نفهم مدى هبوط مستوى اللعبة في البلدان العربية، خصوصاً سوريا ولبنان والأردن وسواها.

كرة القدم والهوية
ترتبط كرة القدم بعلاقة خاص مع الهوية الوطنية، إذ بالرغم من أن الدول والأمم تعاني من أزمة هوية في ظل العولمة الحالية، لكن كرة القدم هي إحدى الظواهر التي تسمح على الصعيد الوطني بخلق، أو بإعادة خلق، نقاط ارتكاز لم تعد موجودة، أو أنها ولّت وفات عهدها.

"
ترتبط كرة القدم بعلاقة خاص مع الهوية الوطنية، إذ بالرغم من أن الدول والأمم تعاني من أزمة هوية في ظل العولمة الحالية، فإن كرة القدم هي إحدى الظواهر التي تسمح على الصعيد الوطني بخلق، أو بإعادة خلق، نقاط ارتكاز لم تعد موجودة
"

وكثيراً ما يعرف بعض الباحثين -ومنهم باسكال بونيفاس- الدولة ليس فقط بالعناصر التقليدية الثلاثة المتمثلة في وجود أرض وشعب وحكومة، بل يضيفون إليها عنصراً رابعاً، يتمثل في وجود فريق وطني لكرة القدم يحمل العلم الوطني. وعليه تصبح كرة القدم وفق هذا التصور عاملاً هاماً في صيانة السيادة الوطنية.

ووفق هذا المعطى يستغل كثير من السياسيين مباريات كرة القدم لأغراض سياسية. ولا شك أن تشكيل فرق لكرة القدم يعتبر خطوة في طريق مطالبة الأطراف المعنية بها بالاستقلال عن السلطات المركزية. وهنا نسجل طموح بعض المقاطعات أو الأقاليم -التي لا تمتلك شرعية سياسية- إلى اكتساب عضوية الاتحاد الدولي لكرة القدم، لكونها تمثل بالنسبة لها طريقاً في اتجاه اكتساب عضوية منظمة الأمم المتحدة كدولة مستقلة.

وبالرغم من كل ذلك، يبقى مونديال جنوب أفريقيا مناسبة لتواصل الشعوب، وهو تواصل يتم عن طريق التنافس الرياضي، وقد تواصلت الشعوب عبر التاريخ وتفاعلت من خلال التجارة والتنافس والصراعات والحروب، ومهد ذلك السبيل لأسباب التلاقي الحضاري والتبادل. وفي أحد الأيام، قال ألبير كامو: أنا مدين لكرة القدم في كل ما تعلمته في الحياة عن الأخلاق والواجبات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك