بشير الأنصاري

بشير الأنصاري

بشير الأنصاري


الاصطياد في الماء العكر
حقيبة الاحتلال
الصليب والسلاح
التنصير ولعبة الغميضة
ولماذا تنصير الأفغان؟

بعد ما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية ودول حلف الشمال الأطلنطي حربها على الإرهاب، شهدت أفغانستان وصول موجة عارمة من المنصرين تدفقوا من كل حدب وصوب "لينقذوا شعبا يقف على عتبة الموت من دون المسيح"، ومجتمعا "لا توجد فيه كنيسة واحدة"، وأرضا "بحاجة إلى أن تحاصر بالصلوات المسيحية"!.

إذا تصفحنا أدبيات مؤسسات التنصير في أفغانستان فسنجدها تتغذى من السياسة، وهي ليست إلا تكتيكا لتحقيق إستراتيجية الاحتلال والهيمنة. بعد مرور أربعين سنة على تشييد أول كنيسة للبروتستانت في أفغانستان ثم تخريبها بالجرارات، تجدد حديث التنصير مرة أخرى في تلك البلاد التي لم تكن لها تجربة مع المسيحية على امتداد تاريخها الطويل.

لم يكن الدين دافعا وراء بناء الكنيسة التي شيدت على مرمى حجر من سفارة الاتحاد السوفياتي بطلب من الرئيس إيزنهاور الذي زار البلاد في أواخر ستينيات القرن المنصرم، بل كان الهدف منها كما ذكرته المخابرات الأفغانية في حكومة الملك محمد ظاهر شاه نصب أجهزة التنصت للتجسس على أنشطة السوفيات ومراقبة تحركاتهم عن قرب.

فكما كان لبناء أول كنيسة في كابل العاصمة علاقة بالسياسة والصراعات الدولية، فكذلك حقيقة التنصير السياسي الذي يقومون به اليوم لا يمكن فهمه إلا من خلال قراءتنا لكتاب الهيمنة والاحتلال.

"
كما كان لبناء أول كنيسة في كابل العاصمة علاقة بالسياسة والصراعات الدولية, فكذلك حقيقة التنصير السياسي الذي يقومون به اليوم لا يمكن فهمه إلا من خلال قراءتنا لكتاب الهيمنة والاحتلال
"
إن ما قاله القسيس الملاوي تشارلز دومينغو قبل مائة سنة في حق الاستعمار يتكرر اليوم مرة أخرى على أرض أفغانستان. دومينغو كان يقول إن ثالوث الاحتلال يتكون من الواجهات الثلاث: القوات العسكرية، الشركات التجارية، وإرساليات التبشير المسيحي. إن التنصير ليس إلا عملية تنويم للشعوب حتى يتسنى للمحتل سحب الأرض من تحت أقدامها.

كان الرئيس الكيني الأسبق جوموكينياتا يقول: "عندما جاء الإنسان الأبيض إلى بلادنا كانت الأرض بيدنا والإنجيل بيدهم. ثم قال لنا: تعالوا لنصلي معا، نحن صدقناه وأغمضنا أعيننا لكي نصلي. وعندما فتحنا أعيننا وجدنا الأرض بيدهم والإنجيل بيدنا".

الاصطياد في الماء العكر
الاحتلال السوفياتي لأفغانستان لم يساعد فقط على نشر الفكر الشيوعي، بل إنه فتح أبواب التنصير في البلاد، وذلك بدفع ملايين الأفغان إلى باكستان والهند والدول الغربية ليتحولوا إلى لقمة سائغة للمنظمات النصرانية ذات الإمكانيات الهائلة.

إن مراكز التبشير في إسلام آباد كانت بمثابة النواة الأولى لتنصير الأفغان الذين كانوا يئنون بين شقي الرحى؛ المد الشيوعي الزاحف من الشمال والموجة التنصيرية القادمة من الجنوب.

فباكستان كانت تحتضن حركة الجهاد الأفغاني من جهة والهيئات التنصيرية الغربية من جهة أخرى. فالإنسان الأفغاني كان يعاني من كارثة الاحتلال والشيوعية من جهة والفقر والأمية والحروب والمرض والقبلية والمخدرات والتخلف من جهة أخرى، بالإضافة إلى انعدام الدولة التي يمكن أن تتولى الدفاع عن مقومات المجتمع.

لقد مر الشعب الأفغاني بخمس مراحل وهي: صناعة الكوارث على يد القوى الدولية المهيمنة واختلال نظام المجتمع وتوازنه أولا، ثم التدخل بحجة تأمين الأوضاع ثانيا، وبعد ذلك فتح أبواب التنصير لقطع علاقة الشعب بمحيطه الإسلامي وجذوره الحضارية ثالثا، ويليه التجسس الذي غطى كل زوايا المجتمع رابعا، وفي النهاية استخدام شعار حقوق الإنسان لحماية (الأصدقاء) ودعمهم خامسا.

حقيبة الاحتلال
الاحتلال الأميركي لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل إنه يحمل معه حقيبة متكاملة تتكون من خطط عمل سياسية وقانونية وثقافية وإعلامية ودينية. فعندما احتلت القوات الأميركية كوريا الجنوبية بعد الحرب العالمية الثانية جاءت الكنيسة الأميركية لتنصر ربع سكان كوريا كما حدث مع سكان الفلبين.

"
الاحتلال الأميركي لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل إنه يحمل معه حقيبة متكاملة تتكون من خطط عمل سياسية وقانونية وثقافية وإعلامية ودينية
"
وفي مقابلة لرئيس الولايات المتحدة الأميركية وليام مكنلي أيام احتلال الفلبين أجريت سنة 1903 قال: "وفي وقت متأخر من إحدى الليالي تلقيت إلهاما ربانيا يقول لي: لا يمكن أن نرد الفلبينيين إلى الإسبان لأن ذلك سلوك مشين، ولا يمكن أن نسلمهم إلى فرنسا وألمانيا اللتين تنافسان الولايات المتحدة في تجارة الشرق لأنه عمل مخز، ولا يمكن أن نتركهم ليحكموا أنفسهم بأنفسهم لأنهم لا يصلحون للحكم الذاتي الذي سيؤدي إلى الفوضى وسوء الإدارة وسيكون ذلك أسوأ من حروب الإسبان عليهم، ومن ثم لم يبق لنا خيار إلا أن نأخذ جميع الفلبينيين ونثقفهم ونرفع من مستواهم ونجعلهم متحضرين ونحولهم مسيحيين، وبفضل الرب نقدم لهم كل ما نستطيع أن نقدمه لإخواننا في الإنسانية الذين مات المسيح من أجلهم".

الصليب والسلاح
ثمة أدلة تؤكد لنا التناغم بين مؤسسات الدولة والكنيسة البروتستانتية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية. وزارة الدفاع مثلا وهي مؤسسة حساسة لم تكن في مأمن من هذه العلاقة المتبادلة. فنائب وكيل وزارة الدفاع اللواء وليام بويكن في خطاب ألقاه في اليوم العاشر من شهر أبريل/نيسان عام 2008، قال: "أريد أن أقابل المسيح عند أبواب الجنة والدماء تسيل من يدي وركبتي والرمح بيدي وأقول له: انظر! أنا جئت من المعركة، أنا كنت أقاتل من أجلك.."، ثم هتف الجنرال على مسامع الحضور قائلا: "أيها السيدات والسادة! خذوا دروعكم وخوضوا غمار الحرب".

وذات يوم وقف في كنيسة بولاية أوريغن وهو يرتدي الزي العسكري وقال: "نحن في جيش الرب وبيت الرب ومملكة الرب ترعرعنا لمثل هذه المرحلة، العدو ليس قادة الإرهاب فقط، بل العدو هو الديانة نفسها"، وفي مناسبة أخرى قال بالحرف الواحد إن إلهه أقوى من إله المسلمين.

لم تكن العلاقة الوطيدة بين الصليب والسلاح من ميزات فترة حكم الجمهوريين، بل في ظل إدارة الرئيس أوباما وفي الأسابيع الأولى من العام الجاري 2010 كشفت قناتا "سي أن أن" و"أي بي سي" الأميركيتين أن شركة تريجيكان التي تعتبر من الشركات الأساسية لتزويد الجيش الأميركي بالسلاح والعتاد، تصنع أسلحة سماها البعض ببندقية المسيح، حيث طبعت عليها إشارات من آيات الإنجيل. وعرضت القناتان صورة بندقية مكتوب عليها الآية رقم 12 من الإصحاح الثامن لإنجيل يوحنا التي تقول: "ثم كلمهم يسوع قائلا أنا نور العالم"، كما أنها عرضت منظارا للقوات الخاصة في أفغانستان طبعت عليه الآية السادسة من الإصحاح الرابع لرسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس والتي تقول: "لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح".

"
نائب وكيل وزارة الدفاع الأميركية اللواء وليام بويكن:
أريد أن أقابل المسيح عند أبواب الجنة والدماء تسيل من يدي وركبتي والرمح بيدي وأقول له: انظر! أنا جئت من المعركة، أنا كنت أقاتل من أجلك
"
وقبل هذا بسنتين عرضت الجزيرة وبعض القنوات الأميركية مشاهد لموعظة حماسية كان يلقيها رئيس أساقفة الجيش الأميركي في أفغانستان هينسلي وهو يخاطب الجنود في قاعدة بغرام الجوية قائلا: "إن القوات العسكرية الخاصة تصطاد الرجال، ونحن كمسيحيين نفعل الشيءَ نفسَه، نحن نصطاد الرجال للمسيح.. أجل، إننا نلاحقهم ونقتنصهم، نوجه إليهم سهام الهداية كي يقعوا في شباك مملكة المسيح، هذا ما سنفعله وهذه قضيتنا".

وفضيحة تورط الجنود الأميركيين في توزيع نسخ من الإنجيل باللغتين الفارسية والبشتونية على السكان المحليين في أفغانستان ربما تكون حاضرة في أذهان الكثيرين.

التنصير ولعبة الغميضة
نشاط التنصير في أفغانستان بدأ على يد قسيس إيراني المولد وأميركي الجنسية اسمه الدكتور وليام ويلسون حيث دخل أفغانستان سنة 1951 وطرد منها بعد 22 سنة. وقد قام هذا القسيس ببناء مستشفى النور للعيون ومؤسسة للمكفوفين، بالإضافة لتدريسه اللغة الإنجليزية لولي العهد الأفغاني آنذاك.

لقد أخبرني مندوب أفغانستان السابق في الأمم المتحدة الدكتور فرهادي أن رائدة الفضاء السوفياتية ترشكوفا قد زارت أفغانستان سنة 1969، ولكنها رفضت أن تدخل جناح مدرسة المكفوفين في معرض كابل الدولي، لأن تلك المدرسة في نظر السوفيات كانت لها علاقة بالمخططات السرية للولايات المتحدة الأميركية.

ففي مجتمع مغلق كالمجتمع الأفغاني -الذي يجد فيه المنصر الرسمي نفسه أمام أبواب مغلقة- فكرت الكنيسة في خطة تساعدها على الدخول عبر النوافذ والأبواب الخلفية، ومن ثم تبنت منهج "صناع الخيام" الذي ساعد المنصرين على إخفاء هوياتهم في أفغانستان.

والمصطلح مأخوذ من العهد الجديد (آية 3، إصحاح 18، سفر أعمال الرسل)، ويشير إلى حكاية من بولس الرسول الذي كان يدعو إلى المسيحية في مدينة كورنث اليونانية ويعيش من "صنع الخيام". ويقصد بهذا المصطلح اليوم المهنيون الذين يقومون بمهام تنصيرية إلى جانب عملهم الرسمي كالطب والهندسة والتعليم والتجارة وغيرها، ولا يتلقون أي دعم من المنظمات الكنسية.

بالإضافة إلى نشاط "صناع الخيام" الذين يتواجدون في أفغانستان منذ عشرات السنين، قام الاحتلال الأميركي بفتح أبواب ونوافذ كثيرة أمام المنصرين الرسميين وغير الرسميين الذين أتوا من كل حدب وصوب مثل بعثة المساعدة الدولية، والرؤية العالمية، ومجلس البعثة الدولية، ومجتمع كنيسة أنطاكية، والعلاج الدولي، والعناية الدولية، والمأوى العاجل، ومنظمة الخدمات، وإنجيل السلام، وأوكسام، وسماريتن، والمعمدانية الجنوبية لتكساس، وغيرها الكثير.

"
عجلة التنصير في أفغانستان اليوم تدور بتمويل غربي وعلى أيدي أناس شرقيين مثل النيباليين والباكستانيين والإيرانيين والهنود والكوريين والفلبينيين وأناس من طاجكستان وأوكرانيا ودول أخرى
"
إن عجلة التنصير في أفغانستان اليوم تدور بتمويل غربي وعلى أيدي أناس شرقيين مثل النيباليين والباكستانيين والإيرانيين والهنود والكوريين والفلبينيين وأناس من طاجكستان وأوكرانيا ودول أخرى.

أما المناطق التي يركز فيها المنصرون نشاطهم فهي الولايات المركزية التي يعاني سكانها من الفقر المدقع من جهة ومن الذكريات التاريخية الدامية للتفرقة العنصرية والمذهبية من جهة أخرى.

المنهج الذي يتبعه المنصر هو استخدام الأدب الديني المترسخ في عقلية الإنسان الأفغاني المسلم من جهة، والتركيز على سلوك الجماعات التي يظهرها الغرب كممثل للأمة الإسلامية، والتي تخلط بين تقاليد القبيلة وتعاليم الشريعة من جهة أخرى.

ولماذا تنصير الأفغان؟
الإسلام بالنسبة للإنسان الأفغاني ليس رابطة روحانية تنظم علاقة الفرد بربه فقط، بل هو انتماء يلازم الإنسان من مهده إلى لحده ويغطي جميع ميادين حياته الفردية والاجتماعية ويتبلور على مرآة ثقافته وتاريخه وعمارته وأخلاقه وأدبه الذي أخذ الحرف العربي وشعره الذي تبنى نظام العروض العربي. والحضارات التي قامت في بلخ وهرات وكابل وغزنة وطخارستان وبست كلها بنيت على أسس إسلامية.

وعندما دق الإسلام أبواب البلاد، انتعشت حركة الحضارة حيث ظهر ولأول مرة في تاريخ المنطقة مفكرون عمالقة على مستوى اليونان كابن سينا والبيروني والرومي وغيرهم.

ويعتبر الإسلام كذلك عنصرا من عناصر القوة الوطنية، إذ إن جميع حروب الاستقلال التي خاضها أهل البلاد ضد المغول والإنجليز والروس وغيرهم كانت لها منطلقات دينية، والأبطال الذين قادوا هذه الملاحم يعتبرون رموزا إسلامية مرموقة.

"
التنصير اليوم يخل بانسجام المجتمع الأفغاني ومنظومة قيمه التي تعتبر عنصر تماسك بين القبائل المتناحرة المتشاكسة التي لا يجمعها شيء غير أواصر الدين
"
الإسلام مقوم أساسي من مقومات المجتمع الأفغاني وبزعزعته تنهار أسس المجتمع وثوابته. إن التنصير اليوم يخل بانسجام المجتمع الأفغاني ومنظومة قيمه التي تعتبر عنصر تماسك بين القبائل المتناحرة المتشاكسة التي لا يجمعها شيء غير أواصر الدين الذي ساعدهم على الحياة في أحلك لحظات تاريخها.

إن محاولة تنصير الشعب الأفغاني ليست دعوة إلى ديانة جديدة فحسب، بل هي عملية استعمارية مدروسة لقطع جذوره الحضارية واجتثاث عوامل الوحدة والقوة في شخصية الإنسان الأفغاني وضرب حصون المناعة والمقاومة الراسخة في نفسه.

إنني هنا أدق جرس الإنذار على مسامع عالم الإسلام وأمته. اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد!.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك