خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري


التحول المفتوح
ما بعد أسطول الحرية

جدل الحسابات والعلاقة
البعد الأميركي

بعد عقود من الإيجابية ثمة أزمة متعددة الجوانب ومركبة الأبعاد تخيم بظلالها على العلاقات التركية الإسرائيلية, وهي أزمة مرشحة للتفاقم أكثر فأكثر نظرا لاتساع حجم الخلافات بين الجانبين وسط ظروف تسير في غير صالح هذه العلاقة.

بداية, ينبغي التذكير هنا بأن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل في عام 1949 من ثم انتهجت سياسة موالية للغرب وإسرائيل منذ أن انضمت إلى الحلف الأطلسي عام 1952 لتتطور بعد ذلك العلاقات بين الجانبين إلى أن وصلت في عام 1996 إلى مستوى التحالف الإستراتيجي, عندما وقعتا على اتفاقيات عسكرية وأمنية للتعاون الإستراتيجي بينهما.

اليوم, وتحديدا بعد الاعتداء الإسرائيلي على سفن أسطول الحرية وإراقة الدم التركي على متن سفينة مرمرة في عرض البحر المتوسط تبدو الأمور مختلفة, فالظروف تغيرت, والأولويات تبدلت, وبات كل طرف يحدد مصالحه وخياراته ودوره واحتياجاته الأمنية في ضوء هذه الظروف والمتغيرات, على شكل مراجعة شاملة لعلاقاتهما في دلالة قوية على أن الأزمة بينهما تتعدى التكتيكي إلى الإستراتيجي.

التحول المفتوح

"
شهد الخطاب التركي صعودا كبيرا في لهجته تجاه إسرائيل, تعبيرا عن نظرة تركية مغايرة لإسرائيل ورؤية جديدة للعلاقات معها وبالتالي طبيعة دورها في المنطقة, فيما إسرائيل باتت تخشى من السياسة التركية هذه وتحس في العمق بخسارة إستراتيجية غير مسبوقة
"
دون شك, وصول العلاقة الإسرائيلية التركية إلى هذه النقطة الحساسة من الصدام في عرض البحر الأبيض المتوسط لم يأت بين ليلة وضحاها, بل جاء نتيجة تراكمات كثيرة ومتغيرات سياسية داخلية وإقليمية ودولية, فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 تشهد تركيا تحولات سياسية على شكل إعادة النظر في أولويات هذه السياسة, كان من أبرز معالمها الحد من حضور البعد الأميركي الإسرائيلي في السياسة الخارجية التركية مقابل توجه هذه السياسة إلى إعادة الاعتبار لعلاقاتها مع الدول العربية ولا سيما سوريا وكذلك مجمل الجوار الجغرافي, وقد حظي هذا التحول بدعم شعبي قوي شكل زادا قويا لإستراتيجية حزب العدالة والتنمية في الحكم.

وعلى هذه الأرضية جاءت مواقف تركيا الإيجابية من القضايا العربية ولا سيما القضية الفلسطينية وتحديدا خلال الحرب الإسرائيلية على غزة والتي وضعت العلاقات التركية الإسرائيلية على المحك, إذ لا يخفى على أحد أن الخطاب التركي شهد صعودا كبيرا في لهجته تجاه إسرائيل, تعبيرا عن نظرة تركية مغايرة لإسرائيل ورؤية جديدة للعلاقات معها وبالتالي طبيعة دورها في المنطقة, فيما إسرائيل باتت تخشى من السياسة التركية هذه وتحس في العمق بخسارة إستراتيجية غير مسبوقة, ومخاوف مستقبلية من أن تذهب السياسة التركية إلى حد تشكيل عمق إسلامي يتكون من تركيا وإيران وسوريا ويمتد إلى دول أخرى لتشكل جدارا قويا في وجهها, وسط ترقب إسرائيلي لدور المهندس التاريخي -الولايات المتحدة- في العلاقة بين الجانبين.

ما بعد أسطول الحرية
ترك العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية جرحا عميقا في نفوس الأتراك وعلاقة بلادهم بإسرائيل, وما تصريحات الرئيس عبد الله غل بصعوبة إعادة العلاقات بين الجانبين إلى سابق عهدها, وكذلك خطاب أردوغان الذي وصف فيه إسرائيل بدولة الإرهاب والقتل, مقابل وصفه حركة حماس بالمقاومة التي تدافع عن أرضها وشعبها إلا ثورة حقيقية على العلاقة مع إسرائيل, خاصة وأن أنقرة تحس بأن الاعتداء الإسرائيلي كان موجها لها بالدرجة الأولى, حيث يشهد الشارع التركي موجة غضب غير مسبوقة تجاه السياسة الإسرائيلية إلى درجة أنه حتى الأوساط العسكرية والعلمانية المعارضة التي كانت على علاقة متينة بإسرائيل بدأت تنفر من هذه العلاقة وتطالب بمعاقبة إسرائيل على سياستها.

وعليه شهدت السياسة التركية عقب الاعتداء على أسطول الحرية سلسلة من الخطوات التي من شأنها إعادة النظر في العلاقات بين الجانبين بشكل جذري وتدريجي, ولعل أهمها:
1- استدعاء السفير التركي الجديد في تل أبيب واستدعاء السفير الإسرائيلي في أنقرة احتجاجا على ما جرى.

2- إعلان تركيا عن إلغاء مشاركة إسرائيل في ثلاثة مناورات مشتركة مقررة في وقت لاحق.

3- إعلان أنقرة عن الرغبة في إعادة النظر في العديد من الصفقات العسكرية الموقعة بين الجانبين, وهي صفقات تشمل طائرات دون طيار ودبابات متطورة, والتلويح بالتوجه إلى روسيا والصين كمصدر بديل عن إسرائيل, وهو أمر إن تم من شأنه إلحاق ضربة بالمجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي حيث تقدر قيمة الصفقات الموقعة بأكثر من مليار دولار.

4- ربط تركيا إعادة العلاقة مع إسرائيل إلى سابق عهدها برفع إسرائيل الحصار عن قطاع غزة.

5 – مظاهرات تركية متواصلة, وأجواء غير مسبوقة من التوتر والحرب الكلامية على شكل أزمة قابلة للتصعيد, خاصة في ظل السعي التركي إلى فتح معركة قضائية مع إسرائيل في المحافل القانونية والحقوقية لقتلها مواطنين أتراك كانوا في المياه الدولية.

"
تجنب القادة الإسرائيليون وبتوصية مباشرة من نتنياهو توجيه انتقادات علنية لتركيا أو الرد على انتقادات المسؤولين الأتراك, وكأن لسان حال إسرائيل يقول إن الأزمة طارئة وإن العلاقات ستعود إلى سابق عهدها
"
مقابل هذا التصعيد التركي إن جازت التسمية, ثمة حرص إسرائيلي على عدم الدخول في حرب كلامية مع أنقرة, وعليه يتجنب القادة الإسرائيليون وبتوصية مباشرة من نتنياهو توجيه انتقادات علنية لتركيا أو الرد على انتقادات المسؤولين الأتراك, وكأن لسان حال إسرائيل يقول إن الأزمة الجارية بين الجانبين هي أزمة طارئة وإن العلاقات بينهما ستعود إلى سابق عهدها, باعتبار أن المسألة هي مسألة وقت لا أكثر.

كما أن تل أبيب تعمل من خلال واشنطن وباقي العواصم الغربية للضغط على أنقرة من أجل تعديل مواقفها الأخيرة من إسرائيل والحد من التحولات الجارية في سياستها الإقليمية, وعلى المستوى الثنائي تشعرها بقيمة الخبرة العسكرية المتطورة التي تقدم لتركيا ولا سيما في مجال طائرات بلا طيار (هيرون) والتي تتيح لتركيا قدرات عسكرية هائلة في محاربة حزب العمال الكردستاني الذي أعلن قبل أيام انتهاء الهدنة المعلنة من جانب واحد والتهديد بعمليات نوعية في العمق التركي, حيث كان لافتا الاهتمام التركي بالهجوم الأخير للحزب على موقع عسكري في لواء إسكندرون إلى درجة أن العديد من الأوساط التركية ربطت بين هذه العملية والهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية.

جدل الحسابات والعلاقة
مع تحول تركيا إلى دولة إقليمية مركزية كبرى يبدو أنها لم تعد تخشى من التداعيات التي قد تؤثر عليها إذا انهارت علاقاتها مع إسرائيل خاصة بعد أن نجحت تركيا في تسوية خلافاتها مع معظم دول الجوار الجغرافي ورسخت من مسألة الديمقراطية في الداخل وحدّت من سلطة الجيش وتدخله في الحياة السياسية, ووصلت إلى مستوى دولة مصنعة للأسلحة والمعدات العسكرية, بما يعني ذلك الإحساس التركي بغياب المعادلة القديمة التي تقول بأن العلاقة الجيدة مع واشنطن تمر عبر تل أبيب ولوبيها القوي في الولايات المتحدة والغرب عموما.

مقابل ذلك باتت ترى فوائد كبيرة في تحركها الإيجابي تجاه الدائرة الحضارية العربية والإسلامية على شكل بروز دور تركي مؤثر في منطقة جغرافية تمتد من البحر الإدرياتيكي إلى سور الصين, أي الجغرافية التاريخية المعروفة بالعثمانية.

وحقيقة فإن تركيا التي تبحث عن دور قوي في الشرق الأوسط تسعى إلى صياغة جديدة لعلاقاتها مع إسرائيل, وهي هنا تستند إلى عاملين أساسيين. الأول: أن إسرائيل التي اتجهت في المرحلة السابقة على استغلال العلاقات مع الدول الإقليمية المؤثرة في المحيط العربي أي إيران وتركيا وإثيوبيا, تجد اليوم نفسها في أزمة, فإيران في عهد الثورة في الموقع المضاد, وإثيوبيا تقاتل الجوع, فيما تركيا تبحث عن دور ينافس إسرائيل على المنطقة, وتحس بأن لديها أوراقا قوية تجاه إسرائيل ليس أقلها حرمان طائرات الأخيرة الاستفادة من الأجواء التركية والتي تشكل حاجة أمنية ماسة لإسرائيل تجاه سوريا وإيران.

والثاني: أن ثمة قناعة لدى أنقرة بأن الإدارة الأميركية الحالية برئاسة باراك أوباما غير مرتاحة من السياسات المتطرفة لحكومة نتنياهو, وعليه تسعى إلى الاستفادة من هذا العامل الأميركي لإعادة صوغ العلاقة التركية الإسرائيلية بما يسمح كل ذلك بتحقيق تسوية مقبولة للصراع العربي الإسرائيلي خاصة بعد أن تهربت إسرائيل بشكل واضح من الوساطة التركية للسلام بين سوريا وإسرائيل, ولعل المواقف الأميركية المتوازنة من الدور التركي تؤكد صحة القناعة التركية هذه, والتي تنطلق من أن تحقيق تسوية سيؤدي إلى تعزيز النفوذ التركي في الشرق الأوسط حيث المشاريع الإقليمية المشتركة.

في الواقع، على الرغم من هذه المعطيات الجديدة التي تصب في صالح تركيا فإن ثمة مخاوف تركية إزاء الأدوار التي يمكن أن تقوم بها إسرائيل تجاه تركيا, منها ما يتعلق بدور اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة وقدرته على طرح قضية (الإبادة الأرمنية) المعروضة على جدول الكونغرس، ومنها ما يتعلق بدعم القضية الكردية حيث المخاوف التركية الدفينة من إمكانية قيام دولة كردية في المنطقة أو حتى تقديم الدعم لحزب العمال الكردستاني, ومنها ما يتعلق بخسارة الخبرة العسكرية والمعلومات الأمنية الثمينة وكذلك الخبرة الإسرائيلية في مجال الري والهندسة الوراثية التي تشكل أساس مشاريع الري الضخمة التي أقامتها تركيا في جنوبي شرقي البلاد, فضلا عن أن تركيا تشكل الوجهة الأولى للسياح الإسرائيليين.

من الواضح أن العلاقات الإستراتيجية التي نشأت بين تركيا وإسرائيل خلال العقود الماضية كانت نتاج مجموعة من الظروف الأمنية والسياسية لم تعد موجودة حاليا, ومع المتغيرات والتحولات الجارية من الواضح أن الجانبين لم يعد باستطاعتهما الاستمرار في هذه العلاقة كما كانت, خاصة بعد أن بدأت تفقد أهميتها وتتحول إلى شكل من أشكال الصدام, ولعل ما يساهم في انهيار هذه العلاقة أكثر فأكثر هو التراجع الكبير في نفوذ المؤسسة العسكرية التركية التي كانت تضع الإسلام في مرتبة العدو خلال الفترة الماضية لصالح حزب العدالة والتنمية صاحب الخطاب الإسلامي المعتدل والذي في ظله تشهد تركيا تحولات اجتماعية على شكل رأي عام إسلامي لم يعد يقبل بالاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وحصار قطاع غزة.

وعليه فإن أي حكومة تركية مقبلة لا بد أن تأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار وإلا فإنها ستخسر الانتخابات. ومن هنا يعتقد المراقبون أن العلاقات بين الجانبين ستأخذ منحى المزيد من التوتر.

البعد الأميركي

"
التحرك الأميركي لضبط الأزمة بين تركيا وإسرائيل جاء بهدف الحفاظ على العلاقة بينهما نظرا لأهميتها أميركيا, سواء على صعيد تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط أو على صعيد الملف النووي الإيراني
"
دون شك, توتر العلاقات التركية الإسرائيلية على هذا النحو من شأنه تصعيب مهمة السياسة الأميركية في المنطقة, فمن المعروف أن الدولتين تشكلان قطبي السياسة الأميركية في الشرق الأوسط على شكل دور وظيفي تجاه قضايا المنطقة مع اختلاف دور كل طرف وأسلوبه تبعا لخصوصيته وموقعه من السياسة الأميركية, وعليه جاء التدخل الأميركي سريعا على خط الأزمة التركية الإسرائيلية عندما تفجرت أزمة أسطول الحرية, حيث اتصل الرئيس باراك أوباما مع أردوغان في محاولة لضبط إيقاع التوتر بين الطرفين, لتشهد بعد ذلك السياسة الأميركية مجموعة من المواقف التي من شأنها إيجاد معطيات سياسية يمكن أن تهدئ الأزمة وتدفع بالأمور نحو الحلحلة, كإعلان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أن بلادها منفتحة على كافة الخيارات بما في ذلك مشاركة دولية في التحقيق في ما جرى والبحث عن مخرج لإدخال المواد إلى قطاع غزة عبر إخضاعها مسبقا للتفتيش في ميناء أسدود الإسرائيلي, وتهدف واشنطن من وراء هذه السياسة إلى الحفاظ على العلاقة بين تركيا وإسرائيل نظرا لأهميتها أميركيا, سواء على صعيد تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط أو على صعيد الملف النووي الإيراني.

إلا أنه من الواضح أن هذا المسعى بدأ يواجه صعوبات بالغة في ظل تفاقم الخلافات التركية الإسرائيلية واختلاف الأولويات, فتركيا دخلت في شراكة إستراتيجية مع سوريا وتطمح إلى أخرى مماثلة مع إيران وتقترب أكثر فأكثر من حماس والقضية الفلسطينية, وهو مسار ترى إسرائيل أنه حول تركيا من موقع الحليف إلى (العدو) خاصة في ظل بروز رأي عام تركي إسلامي يناهض سياسات إسرائيل.

في الواقع, على الرغم من أهمية العلاقات التركية الإسرائيلية تاريخيا وموقع هذه العلاقة في السياسة الأميركية فإنه لا شيء يمنع تصورها وكأنها أضحت على فراش الموت بعد أن فقدت معظم دوافعها الأمنية واختلفت الأولويات في ظل المتغيرات والتحولات والجارية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات