غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


أرادت إسرائيل عبر الهجوم الذي نفذته قوات الكوماندوس التابعة للجيش على أسطول الحرية صباح يوم الاثنين 31/5/2010، وفي عرض المياه الدولية، توجيه رسالة إلى العالم كله، تم توقيعها على أجساد إعلاميين وبرلمانيين ونقابيين ونساء وأطفال.

مفاد هذه الرسالة أن إسرائيل مستعدة للذهاب بعيدا جدا لمنع كسر حصار غزة، وأنها تتمسك بهذا الحصار باعتباره مكسبا وحقا تتيحه لها القوانين والقرارات الدولية، ولو عبر فرض الأمر الواقع، وبالتالي ليس من حق أحد أن يقرر عنها في هذا المجال، كما أنها ليست مستعدة للمجاملة في شأن "سيادي" ويخص أمنها بالدرجة الأولى، حتى لو كان نتيجة ذلك تعريض علاقات إسرائيل مع أكثر من أربعين دولة (التي يشارك رعاياها في أسطول الحرية) لخطر القطيعة.

"
ثمة أهداف مدروسة ومبرمجة تريد إسرائيل تحقيقها من وراء إصرارها على إدامة حالة الحصار المفروضة على قطاع غزة، حتى لو كان ثمن ذلك إحراجها دبلوماسيا في مواجهة دول العالم، وتشويه صورتها أمام الرأي العام العالمي
"
وليس ما سبق ذكره مجرد رأي شخصي، ولا حتى تحليل لخلفيات الحدث الذي فجرته إسرائيل، بل هو في أغلبه تصريحات لمسؤولي الدولة العبرية تبرعوا بنفثها لوسائل الإعلام في أركان الدنيا الأربعة. والسؤال الطبيعي الذي يتبادر إلى ذهن أي متابع للأحداث: ماذا لو أن إسرائيل تعاملت مع أسطول الحرية بشكل طبيعي، وسمحت بوصول المعونات إلى غزة، وخاصة وأن محتويات هذه المعونات معروفة وتمت مراقبتها وتعبئتها بإشراف أمني، والأهم أنها قادمة من منظمات ذات طابع دولي وجهات مسؤولة وموثوق بها؟ هل كانت ثمة ضرورة لاستعراض القوة ذلك والتورط في قتل الناشطين وإرهابهم؟ ولماذا أصرت إسرائيل على إظهار عدوانيتها ووحشيتها بذلك الشكل الفاقع وهي تدرك أنها تحت المجهر الإعلامي العالمي؟

لا شك أن ثمة أهدافا مدروسة ومبرمجة تريد إسرائيل تحقيقها من وراء إصرارها على إدامة حالة الحصار المفروضة على قطاع غزة، حتى لو كان ثمن ذلك إحراجها دبلوماسيا في مواجهة دول العالم، وتشويه صورتها أمام الرأي العام العالمي:

1- تدرك إسرائيل أن فك الحصار، وبهذه الطريقة، يشكل انتصارا لقوى التحرر، الأمر الذي يمكن أن يتحول مع الزمن إلى نموذج، يصار إلى تطبيقه على مختلف عناصر الموضوع الفلسطيني، من السجناء الذين يتجاوز عددهم العشرة آلاف، إلى قضية آلاف الحواجز التي تحيط بالضفة الغربية وتتغلغل فيها وتشل الحياة تماما في هذه البقعة، وصولا إلى الجدار العازل، وحتى المستوطنات بوصفها فعلا لا أخلاقيا يقوم على اقتلاع الفلسطيني من أرضه وحرمانه من أسباب الحياة.

ولا شك أن القضايا السابقة الذكر، وغيرها الكثير، هي قضايا إنسانية تحرك الضمير والرأي العالميين، كما أنها قضايا طالما طرحتها المنظمات الحقوقية العالمية، وهي أصلا موجودة على أجندة أعمالها بشكل دائم، وتنتظر الفرصة لتفعيلها، وتدرك إسرائيل ذلك جيدا، سواءً عبر التقارير التي تصلها عن طريق سفاراتها أو من خلال نشاطات تلك المنظمات، وبالتالي فإن أي اختراق يتم تحقيقه على أي صعيد في الموضوع الفلسطيني من شأنه أن يفتح الباب واسعا لطرْق مختلف المواضيع المشار إليها، والتي باتت تشكل وصمة عار على جبين المجتمع الدولي.

"
بقاء الأوضاع على ما هي عليه في غزة وباقي الأراضي المحتلة، يعطي إسرائيل هامشا أكبر من المناورة الدبلوماسية والعسكرية، كما يؤهلها بنظر صانعي القرار فيها إلى الحصول على أثمان مقابلة
"
2- بالنسبة لإسرائيل، فإن بقاء الأوضاع على ما هي عليه في غزة وباقي الأراضي المحتلة، يعطي إسرائيل هامشا أكبر من المناورة الدبلوماسية والعسكرية، كما يؤهلها بنظر صانعي القرار فيها إلى الحصول على أثمان مقابلة، سواء من الفلسطينيين أنفسهم أو من مساوماتها الدولية، وذلك في ظل التحرك الأميركي "الخجول" الذي تقوده إدارة أوباما، والضغوط الأوروبية "المترددة" المطالبة بإيجاد حل للموضوع الفلسطيني.

أمام هذا الواقع الدولي المتغير -وإن ببطء- تعمل إسرائيل على تجميع أوراقها وتوضيبها، وقد أعلن قادة إسرائيل أكثر من مرة أنهم غير مستعدين لتقديم تنازلات مؤلمة ثمنا للسلام مع الفلسطينيين، وخاصة في قضايا الحل النهائي (الأرض، والقدس، والحدود، واللاجئين)، وعليه فإن إسرائيل عملت على توليد قضايا "هموم" بديلة من شأنها أن تستثمرها مع الزمن، وتحولها إلى قضايا أساسية، وتدعي حين التفاوض عليها أنها تقدم تنازلات مؤلمة أو أنها تقوم بمساهمات ومبادرات إيجابية تجاه الطرف الفلسطيني الذي سيعمل على إعاقة السلام لعدم اكتفائه بتلك المبادرات!

3 – بالنسبة لإسرائيل أيضا، فإن استمرار حصار غزة من شأنه تعميق حالة الانقسام الفلسطيني وتكريسها بشكل نهائي، بحيث تصبح وحدة قطاع غزة والضفة الغربية أمرا من الماضي، وهو ما من شأنه أن ينهك المشروع الفلسطيني في إقامة الدولة العتيدة ويحيله أمرا مستحيلا، ويحيله كذلك إلى مجرد مطالبات اقتصادية واجتماعية ذات بعد محلي ضيق، وهو ما يتناسب مع طروحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في السلام الاقتصادي.

ولا يبدو هذا البعد أمرا مخفيا في الإستراتيجية الإسرائيلية، ذلك أن إسرائيل التي تحاول إشاعة وجود حالة من النمو الاقتصادي في الضفة الغربية (بحبوحة)، وتشدد الحصار على غزة، إنما تحاول تكريس نوع من التمايز داخل الأراضي المحتلة، يصار مع الزمن إلى تحويله إلى حاجز نفسي يصعب كسره أو تجاوزه.

4- ثمة هدف يتعلق بالداخل الإسرائيلي، فهذه الاستعانة الكبيرة بالقوة، التي قدمتها إسرائيل، في مواجهة نشطاء عزل، يراد منها تعزيز ثقة الجبهة الداخلية بالجيش. لاحظ أن الرواية الإسرائيلية تصف الناشطين بأنهم ينتمون إلى جماعات إرهابية، وبالتالي فإن استغلال هذا الحدث يهدف إلى أن يصير الجيش الإسرائيلي بطلا وقادرا على رصد الأخطار ومجابهتها حتى خارج الحدود الإقليمية.

وللصدفة، فقد تزامنت هذه الحادثة مع التدريبات الضخمة التي أجرتها إسرائيل مؤخرا والمسماة "نقطة تحول 4" التي كشفت وباعترافات عسكرية إسرائيلية مفاجأة عدم جاهزية الجبهة الداخلية، وذلك في ظل حالة العجز التي باتت تعيشها إسرائيل أمام تحديات إيران وحزب الله.

"
الهدف الأخير الذي أرادت إسرائيل تحقيقه من حادثة أسطول الحرية هو توجيه رسالة واضحة للأميركيين وللرئيس أوباما نفسه، بأن الأمن الإسرائيلي خط أحمر لا يمكن بأي حال من الأحوال مناقشته والمناورة بشأنه
"
5- ولعل الهدف الأخير الذي أرادت إسرائيل تحقيقه من هذه الحادثة هو توجيه رسالة واضحة للأميركيين، وللرئيس أوباما نفسه، بأن الأمن الإسرائيلي خط أحمر لا يمكن بأي حال من الأحوال مناقشته والمناورة بشأنه، كما أن إسرائيل تعرف أكثر من غيرها ما يهدد أمنها وتعرف صياغة المعالجات المناسبة لمثل هذه الحالات.

لا شك أن استعمال القوة المفرطة في مواجهة الناشطين العزل وقتلهم بدم بارد ليس مسألة اعتباطية، ولا يمكن الركون إلى الرواية الإسرائيلية التي تقول إن الناشطين كانوا مسلحين، وبالتالي فإن الأمر دبر في ليل بهدف توجيه صفعة لإدارة أوباما، وذلك إما عبر إلغاء زيارة نتنياهو إلى واشنطن أو قطعها في حال حصولها، وفي الحالتين يصار إلى إفهام الإدارة الأميركية أن أمن إسرائيل قضية مقدسة، وأن سلوك الإدراة وسياساتها تجاه إسرائيل من شأنه المساس بالأمن القومي الإسرائيلي.

هي رسالة، أو رسائل من فوق مياه المتوسط، أرادت إسرائيل توجيهها إلى أكثر من جهة، ولكن بحبر من دماء أحرار أبرياء.. لا نستطيع حتى اللحظة تقييم نتائج تلك الرسائل.. لكن لا أحد يختلف في أن ثمة رسالة واضحة وصلت إلى كل الدنيا، مفادها أن إسرائيل تفوقت على كل الأنظمة المجرمة التي عرفتها البشرية.. وبموازاة ذلك، فإن غزة تحولت إلى قبلة ومعيار لكل ضمير حر.

المصدر : الجزيرة