غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


مفهوم الدولة الفاشلة
مؤشرات قياس الدولة الفاشلة
إشكاليات التصنيف
البعد الوظيفي للظاهرة
إنه الاستعمار

درجت، جهات أميركية في السنوات الأخيرة على إصدار تقارير ودراسات ذات طابع بحثي، لارتكازها على قدر هائل من التقديرات والمقارنات الإحصائية، واستخدامها لترسانة من الإحصاءات والمؤشرات، أما الهدف المضمر لهذا النشاط البحثي فهو صك توصيف سياسي جديد يصار إلى إدراجه في الإطار المفاهيمي لدراسة النظم السياسية (مفهوم الدولة الفاشلة)، بأثقال وانحيازات سياسية، بغرض المساعدة على إعادة ترتيب البيئة الدولية في إطار مصفوفات جاهزة، بنتيجتها، يتحول جزء كبير من دول العالم إلى دول فاشلة، تهدد السلم والأمن الدوليين، وتصبح مشرعة للتدخل الخارجي تحت هذه الذريعة.

مفهوم الدولة الفاشلة

"
يعود نشوء مفهوم الدولة الفاشلة إلى سبعينيات القرن الماضي، غير أن انشغال العالم بالحرب الباردة، وحقيقة أن الحرب بين القوى العظمى هي الخطر الأكبر على العالم، قد أجلا انتشار هذا المفهوم عالميا، لتأتي سنوات التسعينيات له بزخم جديد

"

يعتبر المقياس السنوي للدول الفاشلة، الذي تصدره مجلة الشؤون الخارجية الأميركية، بالتعاون مع صندوق السلام، أن الدولة الفاشلة هي "الدولة غير القادرة على القيام بمسؤولياتها السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية".

ويعود تاريخ نشوء المفهوم إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، غير أن انشغال العالم في تلك المرحلة بالحرب الباردة، وحقيقة أن الحرب بين القوى العظمى هي التي تشكل الخطر الأكبر على العالم، قد أجلا انتشار هذا المفهوم وتعويمه عالميا، لتأتي سنوات التسعينيات بزخم جديد لهذا المفهوم، وذلك على خلفية التصدي الأميركي لقيادة العالم.

واللافت في هذا المجال، الانشغال الكبير للمؤسسات الأميركية وما لف لفها بهذه القضية، فبالإضافة إلى التقرير المشار إليه، أصدر البنك الدولي تصنيفا يحوي 30 دولة فاشلة تعد الأقل دخلا على المستوى العالمي، بينما حددت الإدارة البريطانية للتنمية الدولية 46 دولة ضعيفة، في حين أشارت وكالة المخابرات الأميركية إلى وجود 20 دولة فاشلة في العالم، وأصدرت مؤسسة بروكنغز تقريرا باسم "الدول الضعيفة" حيث يميز بين دول فاشلة، ودول ضعيفة، ودول ذات وضع قلق. كما تتنافس المؤسسات العلمية والأكاديمية وشبه الأكاديمية الأميركية حول استعراض ترسانتها من الإحصاءات والمؤشرات.

مؤشرات قياس الدولة الفاشلة
يستند المقياس السنوي، المشار إليه، في تقييمه للدول، على بعض المؤشرات المختلفة التي تتراوح بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وذلك بهدف تقديم إطار شامل للمعايير التي تقيس درجة الاستقرار داخل الدول. وهذه المؤشرات هي:

* المؤشرات الاجتماعية:
1- تصاعد الضغوط الديمغرافية (زيادة السكان، وسوء توزيعهم، والتوزيع العمري، والنزاعات المجتمعية الداخلية... إلخ).

2- الحركة السلبية والعشوائية للاجئين أو الحركة غير النظامية للأفراد التي تخلق معها حالة طوارئ معقدة (تنتج عنها الأمراض، ونقص الغذاء والمياه الصالحة، والتنافس على الأرض ومشكلات أمنية للدولة...).

3- الميراث العدائي الشديد الذي يجعل الجماعات المظلومة تنتظر الثأر (عدم العدالة، والاستثناء السياسي والمؤسسي، وسيطرة أقلية على الأغلبية...).

4- الفرار الدائم والعشوائي للناس (هجرة العقول، وهجرة الطبقات المنتجة من الدولة، والاغتراب داخل المجتمع).

* المؤشرات الاقتصادية:
1- غياب التنمية الاقتصادية لدى الجماعات المتباينة (عدم المساواة في التعليم والوظائف والدخل، وارتفاع مستويات الفقر، وتزايد النزعات الإثنية لهذه الأسباب...).

2- الانحطاط الاقتصادي الحاد (الدخل القومي، وسعر الصرف، والميزان التجاري، ومعدلات الاستثمار، وتقييم العملة الوطنية، ومعدل النمو، والتوزيع، والشفافية والفساد، والتزامات الدولة المالية...).

"
من المؤشرات السياسية لقياس درجة استقرار الدولة فقدان شرعية الدولة والمقصود بذلك فساد النخبة الحاكمة، وغياب الشفافية والمحاسبة السياسية، وضعف الثقة في المؤسسات ومقاطعة الانتخابات وانتشار التظاهرات والعصيان المدني
"
* المؤشرات السياسية:
1- فقدان شرعية الدولة "إجرام الدولة" (فساد النخبة الحاكمة، وغياب الشفافية والمحاسبة السياسية، وضعف الثقة في المؤسسات وفي العملية السياسية مما يكثر مقاطعة الانتخابات وانتشار التظاهرات والعصيان المدني... وذيوع جرائم ترتبط بالنخب الحاكمة...).

2- التدهور الحاد في تقديم الخدمات العامة (ألا تؤدي الدولة وظائفها الجوهرية مثل حماية الناس، والصحة والتعليم والتوظيف، وتمركز الموارد بالدولة في مؤسسات الرئاسة وقوات الأمن والبنك المركزي والعمل الدبلوماسي...).

3- الحرمان من التطبيق العادل لحكم القانون وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان (الحكم العسكري، وقوانين الطوارئ، والاعتقال السياسي، والعنف المدني، وغياب القانون، وتقييد الصحافة، وخوف الناس من السياسة...).

4- تشتت الأمن قد يخلق دولة داخل الدولة (ظهور نخبة عسكرية داخل الجيش، وهيمنة النخبة العسكرية، وظهور النزاعات المسلحة، وظهور قوة أمنية توازي الأمن النظامي للدولة...).

5- تنامي الانشقاقات داخل النخب بالدولة (الانقسام بين النخب الحاكمة ومؤسسات الدولة، واستخدام النخبة الحاكمة لنغمة سياسية قومية تذكر بتجارب وحدوية قومية مثل صربيا الكبرى أو التطهير الإثني...).

6- تدخل دول أخرى أو فاعلين سياسيين خارجيين (التدخل العسكري أو شبه العسكري داخليا في الدولة أو جيشها أو جماعات فرعية بها، وتدخل قوات حفظ السلام والقوات الدولية...).

إشكاليات التصنيف
يتميز هذا النمط من التصنيف بالقصدية والانحياز، على عكس ظاهره العلمي، حيث يمكن ملاحظة الإشكاليات التي يثيرها على الشكل الآتي:

1- شموله طيفا واسعا من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، بحيث يضمن عدم إفلات أي دولة من تهمة الفشل، والدليل أن آخر تصنيف تضمن 177 دولة حسب درجة إخفاقها في أداء وظائفها.

2- إغفال القياس للظروف الموضوعية التي أدت إلى فشل الدول، وخاصة تراث النظم الاستعمارية التي استمرت لفترة كافية لتدمير البنى الاجتماعية التقليدية، وفرض الهياكل الدستورية الغربية، وكذلك فرض عمليات التحديث الهجينة والسطحية، التي لم تقابلها عمليات بناء أمة قادرة على وضع الدولة على أساس متين.

3- إغفال القياس لحقيقة أن ثمة دولا كالسودان والصومال والعراق، لم تكن فاشلة كما هي الآن، قبل التدخل الخارجي في شؤونها، وهز أسس دستورها وتشريعاتها وقوانينها وإبطال مفاعيلها.

4- تشكل نتائج التصنيف، تجريدات رقمية، وليست معرفة دقيقة بالسياق التاريخي لواقع الدول والمجتمعات وتطورهما.

البعد الوظيفي للظاهرة
تزامنت إعادة إحياء مفهوم الدولة الفاشلة، مع بروز الولايات المتحدة الأميركية قوة عالمية عظمى ووحيدة، سعت إلى إعادة ترتيب العالم بما يتناسب ومصالحها الجيوإستراتيجية، وقد وجدت الجهات المختصة فيها، ضرورة تنشيط مفهوم الدولة الفاشلة، ليبرر ويخدم أغراضا استعمارية بالانطلاق من القول إن ثمة مجتمعات لا تستطيع حكم نفسها.

ويظهر التصنيف الذي تعتمده الجهات الأميركية مرونة كبيرة في حركية انتقال الدول من مرحلة إلى أخرى، أي من دولة في مرحلة القلق إلى الخطر إلى الفشل الأمر الذي لا يحتاج معه إلى شيء سوى تثقيل مؤشرات الفشل بحيث تصبح كافية في مرحلة معينة، وعند منعطف ما، ليطلق عليها حكم الفشل النهائي. ومن ثم توضع في دائرة الاستهداف بوصفها دولة تمثل خطرا على الأمن والسلم الدوليين.

وعلى سبيل المثال تم تصنيف مصر في أحد التقارير بدرجة متقدمة عن كمبوديا، علما بأن الأخيرة شهدت مقتل ثلث سكانها على يد نظام حكم الخمير الحمر، وشهدت تدخلات متعددة من قبل دول الجوار، مما يعني أن هذه التقارير تتعامل بشكل انتقائي ومنحاز مع الحالات، كما تشكل سيفا مسلطا على رقاب الدول، ذلك أنه في حال حدوث أي متغير سياسي أو اجتماعي في مصر، فإن الأمر لن يتطلب حينها سوى تثقيل بعض المؤشرات لتتحول مصر إلى دولة فاشلة مطلقا.

"
التصنيف الذي تعتمده الجهات الأميركية يظهر مرونة كبيرة في حركية انتقال الدول من مرحلة إلى أخرى، أي من دولة في مرحلة القلق إلى الخطر إلى الفشل الأمر الذي لا يحتاج معه إلى شيء سوى تثقيل مؤشرات الفشل بحيث تصبح كافية في مرحلة معينة
"
والغريب أنه حسب المؤشرات الأميركية فإن خطورة الفشل لا تنبع من انهيار دولة ما، كالصومال أو زيمبابوي أو الكونغو أو ساحل العاج، وإنما تكمن الخطورة في التداعيات الإستراتيجية التي يخلفها انهيار دولة مثل العراق على المصالح الجيوإستراتيجية الأميركية.

والملاحظة الأخرى على التصنيف الأميركي للدول الفاشلة، هي أنه يضم جميع الدول التي ظهرت فيها في السنوات الأخيرة ثروات مهمة، كالنفط، والمعادن، واليورانيوم. كما يشمل دولا تتميز بمواقعها الإستراتيجية المهمة، كدول آسيا الوسطى والغربية التي لها روابط أرضية مع القوى الناشئة في المنطقة، أو بها معابر وممرات إستراتيجية مهمة لهذه القوى، أو هي خواصر لينة لها، ويؤكد على هذه الحقيقة مقالة ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، في النيوزويك، التي يشدد فيها على أن التحدي المركزي للكون سيأتي من الدول الضعيفة مثل: باكستان وأفغانستان في آسيا، واليمن في الخليج العربي، والصومال والكونغو في أفريقيا، وهايتي والمكسيك في أميركا اللاتينية.

إنه الاستعمار
تصنيف الدول الفاشلة، هو واحد من عشرات تقارير سنوية، تصدرها مراكز بحوث ومؤسسات أميركية، تهدف إلى تشريح الدول وإعادة اكتشافها من نقاط ضعفها، ومن باب السلبيات الكامنة فيها، ومما يلفت الانتباه إلى هذه الظاهرة، الانشغال الكبير من قبل تلك الجهات، حيث تمتلك ترسانة ضخمة من المؤشرات والإحصاءات الخاصة بهذه الدول، وكأنها محاولة لإعادة إنتاج مرحلة ما سمي بالكشوف الجغرافية، وبداية الدراسات الإنثروبولوجية والاستشراقية، التي عملت على تفكيك المجتمعات الآسيوية والأفريقية، وكان لها دور في تأسيس الحالة الاستعمارية ونهب ثروات الشعوب.

تلك الحالة التي كانت وليدة حاجة الثورة الصناعية الأوروبية للموارد والأسواق وطرق المواصلات، وتم تشريعها آنذاك باختراع منطق "مهمة الرجل الأبيض" في تحضير الشعوب المتخلفة، وفي مرحلة لاحقة تم "انتداب" مجموعة دول أوروبية للإشراف على تحديث وتطوير مجتمعات بعينها.

وهكذا فإن الرجل الأبيض في هذه المرحلة يعيد سيرة مهامه ووظائفه، عبر استعمار الدول التي تشهد اختلالا في وظائفها الأساسية، حماية مواطنيها، وتمثيلهم إزاء المجتمع الخارجي، فهو لن يعمل سوى حفظ الاستقرار الداخلي للدول كما فعل في العراق! أو حماية المجتمع الدولي من خطر الدولة الفاشلة كما فعل إزاء الصومال! إنها باختصار مهمة الرجل الأبيض، لكن هذه المرة يتصدى لها الأبيض الأميركي وحده.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك