عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي


لا احتجاجات بدون تنظيمات جماعية
التحام المطالب الفئوية والسياسية
رفع تكلفة قمع الاحتجاجات

تتصاعد ثقافة الاحتجاج في مصر مع انكسار عقدة الخوف التي تراكمت عبر عقود. فهل احتجاجات المصريين مقدمةً لتغيير شامل في مصر؟ وكيف يمكن لهذه التحركات أن تنجح في إحداث التغيير المنشود؟

تجب الإشارة، بدايةً، إلى أن التغيير الشامل الذي تحتاجه مصر هو التغيير السياسي السلمي الذي ينقلها من حكومة الفرد والحزب الواحد بواجهات ديمقراطية شكلية إلى حكومة منتخبة من الشعب ومسؤولة أمامه، حكومة تسلك الطريق المعروف لإنشاء دولة القانون والمؤسسات وتتفرغ لتحقيق مصالح دولة بها من الثروات البشرية والمادية ما يكفي لحل كل المشكلات في بضع سنين.

وإجابتي عن سؤال المقال: نعم هذه الاحتجاجات مقدمة لتغيير شامل، إذا ما أحسن تطويرها إلى هدف التغيير الشامل المنشود.

"
لتجنب الثورة والفوضى العارمة في مصر لا بديل عن الاهتمام بتطوير الاحتجاجات عبر معادلة مختلفة بمكونات ثلاثة: وجود تنظيمات جماعية فعّالة، وبلورة مطالب عامة محددة، وتبني إستراتيجية تعمل على رفع تكلفة بقاء الأوضاع على ما هي عليه
"
فأمام هذا النوع من الاحتجاجات ثلاثة مسارات، أولها نجاح الحكومة في قمعها والالتفاف على مطالب المحتجين وإعادتهم، بالتفاوض أو بالقوة، إلى حالة الصمت، وثانيها انفجار الأوضاع وانضمام سكان العشوائيات والضواحي والمقابر المحرومين من أبسط سبل الحياة إلى الاحتجاجات وتطورها إلى ثورة عارمة عنيفة لا يعلم مداها إلا الله، مع العلم أن عدد العشوائيات يقدر بأكثر من 1000 منطقة منها نحو 86 في القاهرة، ويعيش فيها ما بين 8-12 مليونا حسب أفضل التقديرات.

أما البديل الثالث فهو استمرار هذه الاحتجاجات ونجاحها في إحداث تغيير سياسي حقيقي عبر تطوير سبل الاحتجاج المدني وظهور كوادر مجتمعية وسياسية قادرة على قيادة التحركات نحو أهداف محددة.

في اعتقادي أن البديل الأول غير محتمل ولا يمكن تصور أن الحكومة ستتمكن من الالتفاف حول مطالب كل المحتجين، فهذه الاحتجاجات تغير ثقافة المصريين وتزرع فيهم يومًا بعد يوم ثقافة سياسية إيجابية بعد سنوات من تنحية الناس عن الشأن العام. ومثل هذا النوع من التغيير غير قابل للعودة إلى الوراء.

ثم إن امتداد هذه الاحتجاجات إلى كل قطاعات المجتمع تقريبًا من عمال وفلاحين وعمالة غير منتظمة وموظفي الدولة والطلاب والمهنيين والمثقفين، وانتشارها خارج المدن الكبرى، وتنوع أشكالها من اعتصامات وإضرابات ووقفات احتجاجية وتظاهرات والامتناع عن العمل وغير ذلك، يجعل من الصعوبة مواجهة كل هذه الفئات. وحسب بعض التقديرات، وصل عدد الاحتجاجات منذ 2004 إلى أكثر من 1600، وخلال النصف الأول من أبريل/ نيسان الماضي وصل عدد الاحتجاجات إلى 46 احتجاجًا بمعدل ثلاثة احتجاجات في اليوم.

كما لا يمكن وصف هذه التحركات بالعمالة للخارج أو العمل لأجندات معينة، فجذورها ترتد إلى تضامن الشعب المصري مع قضايا عربية عادلة كالانتفاضة الثانية وحصار غزة واحتلال العراق. هذا بجانب أن هذه الاحتجاجات تتسم بالاستمرارية والإصرار على الوصول إلى أهدافها مما مكنها من انتزاع بعض المكاسب من الحكومة، ومن الحصول على شرعية من قطاعات كبيرة من الجماهير.

ولتجنب الثورة والفوضى العارمة لا بديل عن الاهتمام بتطوير هذه الاحتجاجات عبر معادلة مختلفة بمكونات ثلاثة: وجود تنظيمات جماعية فعّالة، وبلورة مطالب عامة محددة، وتبني إستراتيجية تعمل على رفع تكلفة بقاء الأوضاع على ما هي عليه. هذه المكونات هي عوامل قوة وضغط ناعمة مكّنت تحركات مماثلة من الصمود والنجاح أمام أعتى النظم الشمولية والتسلطية والعنصرية.

لا احتجاجات بدون تنظيمات جماعية
إنّ سوء الأوضاع الاقتصادية وتعسف الجهات الإدارية وتصفية بعض الشركات كلها أمور مهمة لنشأة هذه الحركات الاحتجاجية، أما استمرارها وارتفاع قدراتها على التعبئة والضغط فأمور تحتاج إلى ظهور تنظيمات مستقلة عن الاتحاد العام لنقابات مصر ونقابات بديلة ومستقلة عن سيطرة الدولة، ثم ظهور لجنة عليا للتنسيق ونظم اتصال فعّالة بين كل الأطراف.

هذا بجانب ضرورة وجود موارد مالية وأشخاص متطوعين للعمل العام. فكم من الشعوب في أفريقيا وغيرها تعاني من شظف العيش إلا أنها ما انتفضت يوما وما فكرت في الاحتجاج ضد أسيادها لغياب مثل هذه العناصر.

وقد ظهرت بذور هذه التنظيمات مع الإعلان عن ظهور أول نقابة مستقلة لموظفي الضرائب العقارية، ومحاولة تنظيم نوادي أعضاء هيئات تدريس بديلة ونقابة لأصحاب المعاشات وتشكيل لجان نقابية مستقلة داخل بعض المصانع.

"
عدم ارتباط التحركات الاحتجاجية بأي من القوى السياسية التقليدية وقت نشأتها أدى إلى حمايتها (حتى اليوم على الأقل) من القمع المنهجي الذي تتعرض له القوى السياسية، وربما يمكنها مستقبلا من تشكيل كوادر وطنية مجتمعية
"
وسيكون على هذه التنظيمات العمل على تجميع المطالب الفئوية في مطالب جامعة، مثل إعادة تشكيل مجالس الإدارات بشكل ديمقراطي يعتمد على الانتخابات الحرة البعيدة عن سيطرة الحكومة، وتشكيل لجان للمتابعة مع الحكومة والمشرعين.

والأهم إقرار حقوق التظاهر والإضراب والاجتماع وإصدار المطبوعات وإلغاء القيود التعسفية على ممارسة الإضراب ولاسيما وجوب موافقة النقابة العامة على الإضراب، وإنشاء نقابات مستقلة ماليا وإداريا دون ترخيص مسبق، والانضمام الطوعي للنقابة أو الانسحاب منها، وإلغاء القيود على الترشيح والانتخاب، ومطالبة الدولة بوضع السياسات الكفيلة بتحقيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وقد أدى عدم ارتباط هذه التحركات الاحتجاجية بأي من القوى السياسية التقليدية وقت نشأتها إلى حمايتها (حتى اليوم على الأقل) من القمع المنهجي الذي تتعرض له القوى السياسية، وربما يمكنها مستقبلا من تشكيل كوادر وطنية مجتمعية بعيدة عن أمراض النخبة التقليدية وانقساماتها المزمنة.

التحام المطالب الفئوية والسياسية
للتحركات الاحتجاجية الحالية مطالب فئوية متنوعة مثل تثبيت العمال المؤقتين، أو رفع الأجور، أو الرجوع عن قرارات إدارية تعسفية، وهذا نضال مشروع ومطلوب. إلا أن هذه الأهداف الآنية لن تُصلح أحوال الناس بشكل جذري، كما أنه لا ضمانة لاستمرارها في ظل هذا النوع من الحكومات. فمعظم المظالم الحالية هي، في الأساس، حصاد ما زرعته الحكومات عبر عقود، فحكم الفرد والاستبداد وقمع الحريات تنتج جميعها مرتبات متدنية وفقرا وتمييزا بين الناس وضياع الأخلاقيات وإفساد الناس والتعصب للرأي والجهل.

ولهذا، من الضروري ألا تقف الاحتجاجات عند المطالب الفئوية فقط وإنما لابد أن تتطور وتلتحم مع مطالب سياسية جامعة لتغيير طبيعة النظام السياسي المسؤول عن تلك المظالم.

وهذه المطالب السياسية الجامعة هي وضع نظام سياسي جديد يفرز حكومة منتخبة ومسؤولة وتعمل استنادا إلى القانون ويمكن مراقبتها ومحاسبتها وبدون حكم الطوارئ أو محاباة لفئات معينة. هذا النوع من الحكومات هو وحده القادر على توفير الخبز والماء وتوفير فرص عمل ومكافحة الفقر ومحاربة الفساد وتحسين الأوضاع الصحية والتعليمية وحماية حرية التعبير وقيم المجتمع وأخلاقياته، وهو وحده القادر على رسم سياسة خارجية مؤثرة تعيد لمصر موقعها في العالم. لأجل هذه الأمور كلها لابد أن يحتج المصريون.

"
القوى السياسية المعارضة غير قادرة على تبني مطالب الحركات الاحتجاجية ودمجها في مطالب سياسية موحدة. لكن من الممكن أن يتم الالتحام عندما يرتفع وعي المحتجين ويصلون إلى وقت لا ينظرون فيه تحت أقدامهم
"
بالطبع هذه المعادلة لن تظهر في يوم وليلة، فلاشك أن القوى السياسية المعارضة غير قادرة على (أو غير راغبة في المخاطرة بـ) تبني مطالب هذه الحركات ودمجها في مطالب سياسية موحدة.

لكن من الممكن أن يتم الالتحام عندما يرتفع وعي المحتجين ويصلون إلى وقت لا ينظرون فيه تحت أقدامهم، أي عندما يدركون أن سيطرة الدولة على التنظيمات العمالية والنقابية أو غياب هذه التنظيمات (كما في حالات فرض الحراسة على النقابات المهنية) هي السبب الحقيقي وراء استخفاف الدولة بالعمال والموظفين والمهنيين وعدم الالتفاف إلى مطالبهم، وأن سيطرة الدولة جاءت بفضل حالة الطوارئ وتزوير الانتخابات والإتيان بمجالس تشريعية مزورة تشرع كل ما من شأنه إبقاء الأوضاع على ما هي عليه وحماية الفئات المستفيدة من الحكومة على حساب الضعفاء والمهمشين. أي بسبب غياب الديمقراطية ودولة المؤسسات.

إنّ الوصول إلى الديمقراطية ودولة المؤسسات سيمكّن العمال والفلاحين والموظفين والمهنيين والأدباء والمثقفين من المشاركة في صنع القوانين المتعلقة بهم عن طريق قنوات شرعية من أحزاب ونقابات واتحادات، كما ستُنهي الخصومة بين الشعب والأمن ويصبح الأمن الذي يُستخدم الآن لحصار المحتجين أداةً لحماية الناس وأمنهم.

رفع تكلفة قمع الاحتجاجات
اليوم يتعجب المحتجون والمعتصمون ويشتكون من عدم استجابة الحكومة وعدم اكتراثها لمطالبهم المشروعة، غير أنهم لا يدركون أن السبب هو أنه -حتى اليوم- لا تشعر الحكومة بأن لهذه الاحتجاجات تكلفة. بمعنى آخر لا يوجد ما يدفع الحكومة إلى الاستجابة. وفي مطلع أبريل/ نيسان الماضي لخّص وزير الاستثمار هذا بقوله إن الاحتجاجات العمالية تتركز حول الأجور وعقود العمل في شركات محددة وبالتالي لا تشكل خطرًا على الاستثمار المحلي أو الأجنبي. هكذا يفكرون؟ فما البديل؟

قد يرى البعض أن البديل هو تكبيد الحكومة الثمن من خلال إستراتيجية للتحرك الجماعي المنظم، تستخدم فيها كل وسائل المقاومة المدنية السلمية والتضامن العمالي والمهني. والتكلفة التي أتحدث عنها متعددة الأوجه، فكلما استمرت الاحتجاجات استمرت الحكومة في إنفاق ملايين الجنيهات سنويًا على أفراد قوات الأمن وذلك بدلا من توجيه هذه الملايين إلى قطاعات أخرى وتوجيه أفراد الأمن المركزي أنفسهم إلى قطاعات منتجة. كما أن استمرار الاحتجاجات والاعتصامات يهدر الملايين من ساعات العمل سنويا.

وهناك شواهد على اتجاه الاحتجاجات إلى التصعيد والتنسيق. ففي أبريل/ نيسان الماضي اندلعت احتجاجات مشتركة نظمها ائتلاف من بضع جماعات نقابية (بينهم عمال وإداريون وموظفون) طالبت برفع الحد الأدنى للأجور. كما سمعنا عن تعاهدات بين جماعات مختلفة على التعاضد واستمرار احتجاجات الكل حتى لو حُلت مشكلات البعض.

وهذا أمر يُمهد الطريق أمام تنسيق أوسع لن يؤثر فقط على الاستثمار وإنما على السياحة. وللعلم فقد أنفق السياح خلال 2006/2007 ما يقرب من 8.2 مليارات دولار، أي 23% من النقد الأجنبي لمصر، و41.5% من إجمالي صادرات الخدمات، والمبلغ يسهم بحوالي 11.3% من إجمالي الناتج المحلي وذلك حسب تصريحات لوزير السياحة عام 2008.

"
إستراتيجية رفع تكلفة قمع الاحتجاجات تحتاج إلى نية صالحة وإرادة قوية وإصرار دائم من عقول مدبرة وكوادر مجتمعية ونخب وطنية، ترتفع إلى حجم المسؤولية وتعمل من أجل الخلاص
"
وهناك أمور استخدمها آخرون لرفع التكلفة، كرفع قضايا أمام المحاكم لتحسين أوضاع العمال والفلاحين والمهنيين، وقضايا تعويض للمعتقلين السياسيين والمتضررين من الحكومة، ومخاطبة الهيئات الدولية المسؤولة عن مراقبة مدى التزام الحكومة باحترام وحماية حقوق العمال والموظفين والوفاء بالتزاماتها الدولية ذات الصلة، ورفع شكاوى وقضايا دولية أمام هذه الهيئات، والقيام بحملات إعلامية مكثفة.

وهناك تكلفة أخرى اجتماعية ستدفع الناس إلى مزيد من الاحتجاج وستزيد الأمور صعوبة أمام الحكومة، مصدرها عمليات الفصل والتشريد لأعداد من العمال، ومصرع بعض العمال نتيجة غياب وسائل الأمن الصناعي، وانتحار البعض الآخر نتيجة عجزهم عن توفير الحد الأدنى لمعيشة أسرهم.

من سيوقف طابور الغاضبين إذا غضبوا؟ وخاصة أن هناك ثورات شعبية اندلعت من جرّاء مقتل شخص هنا أو هناك.

بالطبع تحتاج هذه الإستراتيجية إلى نية صالحة وإرادة قوية وإصرار دائم من عقول مدبرة وكوادر مجتمعية ونخب وطنية، ترتفع إلى حجم المسؤولية وتعمل من أجل الخلاص.

إنّ سكوت هذه العقول والكوادر والنخب هي وصفة سحرية لاستمرار الأوضاع السيئة أو اندلاع الفوضى العارمة. ولمارتن لوثر كينج قول مفاده "المصيبة ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار".

المصدر : الجزيرة

التعليقات