قاسم عز الدين

قاسم عز الدين


لم يتوقع أحد في "الشارع العربي" أن تجترح قمة سرت المعجزات في دعم القضية الفلسطينية أو في حل أي أزمة عربية. ولم يتوقع أحد أن يغير القادة العرب أو يبدّلوا في سياساتهم تبديلا. لكن قمة سرت انعقدت في ظروف وصفها القادة أنفسهم بعبارات تركت انطباعاً ينم عن شكوك تراود الزعماء والقادة في مراهنتهم على نجاح "مفاوضات السلام".

فقد أصرَت إسرائيل على استكمال حربي النكبة والنكسة في عامي 48 و67، بوضوح سافر. ونشب ما يشبه الأزمة بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والحكومة الإسرائيلية بسبب الإعلان عن تهويد القدس ورفضها مجرد القول بتجميد المستوطنات في تصريح عابر.

"
ترسخت ثقافة الفراغ السياسي منذ أن أعلن الرئيس أنور السادات مقولته الشهيرة بعد "حرب العبور"، أن"99% من أوراق الحل في الشرق الأوسط هي في يد أميركا
"
وفي هذه الظروف "الاستثنائية" لاح أمام القادة العرب في قمة سرت إمكانية التهديد بسحب المبادرة العربية من التداول، لدعم الرئيس الأميركي في مفاوضاته الودية مع الحكومة الإسرائيلية. ولاح أمامهم التراجع عن تغطية "المفاوضات غير المباشرة" بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. ولاح أمامهم اتخاذ أي بادرة تدل على امتعاضهم أو تخوّفهم من تداعيات تهويد القدس واستكمال حربي النكبة والنكسة على خلط الأوراق في المنطقة الفائضة بأسباب الانفجار.

لكن القمة برهنت مرة أخرى أن الفراغ السياسي بلغ مبلغا يستحيل التراجع عنه، وأن ثقافة الفراغ ترسخت خلال عقود طويلة حتى عادت سياسة رسمية تحول من أي حراك رسمي ولو في بادرة تهويل حبر على ورق.

والحال، ترسخت ثقافة الفراغ السياسي منذ أن أعلن الرئيس أنور السادات مقولته الشهيرة بعد "حرب العبور"، أن"99% من أوراق الحل في الشرق الأوسط هي في يد أميركا". وقد يكون قوله قابلاً للبحث والتدقيق، لكنه إن صح (وهو غير صحيح فالأوراق كلها بيد العرب وفي قدرتهم على تغيير الوقائع)، فإن ذلك يتطلّب من السلطات العربية أن تأخذ أمورها بيدها في اتجاه تغيير موازين القوى مع الإدارة الأميركية على وجه الخصوص. لأن العلاقات بين الدول تُبنى على وقائع تحددها موازين القوى في الدفاع عن مصالحها الوطنية والقومية.

وبخلاف هذه القاعدة البديهية في قوانين السياسة الدولية، نحت السلطات العربية منحى بناء "علاقات طيبة" مع الإدارات الأميركية المتعاقبة دون استناد إلى وقائع في القدرة على حفظ المصالح العربية. وما لبثت هذه العلاقة أن أصبحت أيديولوجيا يحددها "المجتمع الدولي" تباعاً في حماية "أمن إسرائيل" على شكل أدائي في أخلاقيات "السلام" أو ما يسمى "طاولة المفاوضات".

وفي قمة سرت كاد الزعماء والقادة يعترفون جهاراً أن الحركة لم تعد بمتناول يدهم منذ زمن بعيد حتى إن أرادوا، أو أراد بعضهم ذلك. أو على الأصح فإن كلفتها عالية جداً ليس أقلها "الانشقاق على المجتمع الدولي".

وقد يتراءى "للشارع العربي" وللكثير من المثقفين والصحفيين والمحللين أن أموراً "بسيطة" مثل إصلاح البيت العربي المشترك في الجامعة العربية، أو الامتناع عن تغطية ما يسمى مفاوضات السلام، إلى غير ذلك من " العمل الملموس" هي أمور "هيّنة ليّنة" ما إن تدبّ الحمية في الرؤوس.

ويقول قائلهم -على ما هو شائع- "نحن لا نطالبهم بخوض الحرب لكننا نطالب بدعم المقاومة على الأقل" أو يقول "بوقف التطبيع مع إسرائيل وسحب مبادرة السلام العربية". لكن ما يتراءى من أمور "هيّنة ليّنة" هي في واقع الأمر حلقات في مسار سياسي يتناقض تناقض الضد للضد مع مسار الفراغ السياسي الذي بات يتحكم في منظومة تبعية السلطات العربية "للمجتمع الدولي"، وتالياً لإسرائيل بالمعيّة. وهي منظومة تبعية المصالح القومية والوطنية لكل بلد عربي في الأسس الإستراتيجية الأمنية والسياسية والاقتصادية الاجتماعية والسياسة الخارجية، وفي السيادة الغذائية وتبادل المنتوجات المصنّعة، وسياسات التعليم والمياه والشراكة المتكافئة والاستثمار الإنتاجي، وعدم الخضوع إلى حرية السوق من طرف واحد، وعدم خضوع كل بلد عربي منفرداً للسوق الدولية.

وقد بات الفراغ السياسي العربي في هذه الأسس يجرّ السلطات العربية جراّ إلى منطوقه في إجراءات تلقائية حتى إذا رغب القادة والزعماء، أو بعضهم، أحياناً التعبير بشكل أو آخر عما يضيق ذرعاً بالضغوط "الدولية" لتغطية الجرائم الإسرائيلية في استكمال حربي 48 و67 وفي إبادة الشعب الفلسطيني.

"
ما تراهن عليه السلطات العربية من اختلاف مصالح بين إسرائيل و"المجتمع الدولي" من جهة وتقارب مصالح بين العرب و"المجتمع الدولي" من جهة أخرى، هو بيت القصيد في أسس الفراغ السياسي العربي "
والحال، إن ما تراهن عليه السلطات العربية من اختلاف مصالح بين إسرائيل و"المجتمع الدولي" من جهة وتقارب مصالح بين العرب و"المجتمع الدولي" من جهة أخرى، هو بيت القصيد في أسس الفراغ السياسي العربي ويعكس في الوقت نفسه مقاربة السلطات العربية ونُخبها ما يخدم مصالحها الضيقة في "لغة المصالح".

ففي قمة سرت ذكر الأمين العام للجامعة العربية بعض ما أنجزته هذه السلطات في "العمل العربي المشترك" من ربط شبكات الكهرباء والغاز وربط الطرق و"السوق العربية المشتركة" التي دخلت حيز التنفيذ عام 2005.

لكن الأمين العام أغفل أن هذه المشاريع "المشتركة" هي نتيجة لاتفاقيات الشراكة الجائرة مع الاتحاد الأوروبي، ونتيجة حرية السوق من طرف واحد في الجانب العربي، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الإستراتيجية الحيوية المضمونة الربح المادي، في سياق حفظ الأمن الذي تتعهده إسرائيل.

ويمكننا أن نضيف إلى ما ذكره السيد عمرو موسى "السياسة المائية الجديدة" التي يشربها ملايين المصريين مياه ملوّثة سامة، وكذلك مشروع ربط البحر الميت بالبحرين الأبيض والمتوسط، وكل سياسات "الانفتاح الاقتصادي" والاتفاقيات الأمنية والسياسية. لكننا لا نعثر في بحث أي ملف من هذه الملفات مصلحة وطنية لأي بلد عربي أو مصلحة قومية مشتركة، بل نجد في كل منها مصالح مشتركة لدول "المجتمع الدولي" وشركاتها العملاقة، ومصالح إسرائيل الاقتصادية والأمنية والسياسية، ومصالح مالية وتجارية ضيقة لفئات قليلة من نُخب السلطة.

فالسوق التجارية العربية على سبيل المثال أدّت خلال عقد واحد من التمهيد والتنفيذ إلى مضاربة قاتلة بين المزارعين العرب في إغراق الأسواق العربية بمنتجات أحادية، ثم أدّت سريعاً إلى سيطرة شركات البذور والأسمدة الكيمياوية متعددة الجنسية على النمط الزراعي المعدّ للتصدير على الرغم من إقفال الأسواق الأوروبية خلافاً لاتفاقيات الشراكة، وأدت كذلك إلى إغراق الأسواق العربية بمنتجات أوروبية مصنّعة وحبوب مستوردة.

ثم أدّت إلى استكمال القضاء على الزراعة العائلية الصغيرة ونزوح ملايين المزارعين من الأرياف نحو أحزمة البؤس، ثم إلى منح "مستثمرين" غير معرفي الهوية حق الاستثمار في مشاريع "استصلاح الأراضي" تكفلت لها الدولة بهبة الأرض وبتقديم نفقات البنية التحتية وجر المياه من "مساعدات الدول المانحة" على شكل ديون.

أما في المشاريع الأخرى التي ذكرها الأمين العام فإن مصالح دول وشركات "المجتمع الدولي" وإسرائيل أدهى وأمر على حساب المصالح الوطنية والقومية. ولم يكن هذا النوع من المصالح بين العرب و"المجتمع الدولي" أن يخطر في بال السلطات العربية أو في بال "المجتمع الدولي" لولا انهيار الدول العربية بعد "إستراتيجية السلام " عام 76. ولولا التهديد الإسرائيلي اليومي بقدرته على احتلال العواصم العربية.

فإسرائيل هي التي أمنت للدول الصناعية هذا النوع من المصالح في العالم العربي محل مصالح وطنية وقومية شبه متكافئة يمكن أن تعبر عن ثقل هذه المنطقة التاريخي والحضاري والبشري والجيو سياسي وأثرها في الطاقة العالمية.

"
"المجتمع الدولي" لم يخلق إسرائيل أثناء إزالة الاستعمار في العالم مصادفة, إنما خلقها في فلسطين لضمان مصالحه الحيوية والإستراتيجية بعد الاستقلال السياسي للدول العربية، فدفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً
"
والحقيقة أن "المجتمع الدولي" لم يخلق إسرائيل أثناء إزالة الاستعمار في العالم مصادفة. إنما خلقها في فلسطين لضمان مصالحه الحيوية والإستراتيجية بعد الاستقلال السياسي للدول العربية، فدفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً في هذا الاستقلال دون اعتراف بفضل.

ومن أجل هذه المصالح تخلى أحفاد ديكارت في العالم الصناعي عن الحد الأدنى من العقلانية التاريخية وعادوا ثلاثة آلاف سنة إلى الأساطير الدينية في نشأة الدول، بل تخلوا عن جوهر الدولة العقلانية الحديثة في ضمان أمن مواطنيها من الأحقاد العرقية والعنصرية.

وبسبب حيوية مصالحهم الإستراتيجية في الشرق الأوسط اعتبروا أن دولتهم الديمقراطية العلمانية لا يمكنها أن تحمي مواطنيها اليهود من العداء للسامية حاضراً ومستقبلاًً ما لم يتجمع يهود العالم في "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". وقد أخذت إسرائيل، وما زالت تأخذ، حصتها من نشاطها في تأمين المصالح الإستراتيجية الحيوية لدول "المجتمع الدولي" في الشرق الأوسط بل أبعد من ذلك.

وبفضل قدرة إسرائيل على الحرب والتهديد باحتلال البلدان العربية، لم يصمد الاستقلال السياسي للدول العربية أكثر من عقدين. وعادت مصالح دول "المجتمع الدولي" إلى البلدان العربية أكثر توسعاً وعمقاً مما كانت عليه أثناء الاستعمار المباشر.

وسرعان ما تراجعت السلطات العربية عن بعض مقومات الدولة الوطنية التي تمت عرجاء مشوّهة خلال العقدين من الاستقلال السياسي. وأهمها تأميم استغلال الثروة الوطنية والطاقة والإصلاح الزراعي وخدمات القطاع العام والتعليم والصحة. وفي هذا السياق فقدت الدولة قدرتها على الاستقلال في السياسة الاقتصادية الاجتماعية، والسياسة الخارجية، والسياسة الدفاعية أيضاً.

ولم يعد بمقدور السلطة السياسية تقرير غير خدمة المسار العام في تبعية الدولة إلى مصالح دول "المجتمع الدولي" وشركاتها ومصالح إسرائيل بالمعيّة. وقد تجسدت هذه التبعية في ثلاثة محاور:
أ- تبعية كل بلد عربي منفرداً إلى السوق الدولية التي تحدد طبيعة إنتاج الثروة العامة وطبيعة توزيعها، وتحدد ما يسمى الشراكة مع "المجتمع الدولي" وكذلك طبيعة التبادل بين البلدان العربية أو المضاربة على الأصح.

 ب- إستراتيجية السلام في تخلي الدولة عن أول مبرر وجودها في القدرة على الدفاع والردع. وهي إستراتيجية تؤدي في أي دولة في العالم إلى شرعنة اعتداء الدول الأخرى وحقها بالوصاية.

ج- حل النزاعات على طاولة المفاوضات وهي لا تخصّ ما يسمى "النزاع الإسرائيلي الفلسطيني" بل تخص السلطات العربية في المشاركة بحل هذا "النزاع". ولا تهدف هذه المشاركة إلى أي شكل من إزالة الاستعمار عن فلسطين أو إلغاء أي امتياز إسرائيلي في حق الاستثناء، بل تهدف إلى التزام السلطات العربية في العمل الجاد بتدجين الفلسطينيين في أمن إسرائيل واستقرار الستاتيكو.

ويعني ذلك، بين ما يعني، أن ما يسمى مفاوضات سلام تهدف إلى مساعدة إسرائيل و"المجتمع الدولي" على تحقيق السلام الإسرائيلي على الرغم من الاختلاف في تأويل نقطة هنا وفاصلة هناك. وقد أدى هذا الشيء الذي يسمى مفاوضات إلى إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وبين نصف دول العالم بعد أوسلو، وأدى إلى توسع إسرائيلي غير مسبوق في أفريقيا وأميركا الجنوبية والهند ناهيك عن البلدان العربية، وأدى كذلك إلى دخول إسرائيل شريكاً مضارباً في الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الرسمية الأوروبية والدولية.

فليس صحيحاً ما يشاع عن عزلة إسرائيل الدولية بل الصحيح أن "المجتمع الدولي" لم يكن يوماً داعماً لإسرائيل كما هو اليوم، وأن المناهضة العالمية للجرائم الإسرائيلية هي مناهضة تضامن شعبي في مواجهة حكومات ومؤسسات ما يسمى "المجتمع الدولي".

ليس الفراغ السياسي العربي نتيجة عجز السلطات العربية عن اتخاذ إجراءات في دعم القدس وسحب المبادرة العربية أو وقف التطبيع وغيرها، بل نتيجة الأسس التي تؤدي إلى هذا العجز والشلل في قراءة لغة المصالح الوطنية والقومية، وفي إستراتيجية السلام، وفي المراهنة على ما يسمى "المجتمع الدولي". وهو فراغ تحتله اليوم دول "المجتمع الدولي" وإسرائيل بالمعية.

"
ليس الفراغ السياسي العربي نتيجة عجز السلطات العربية عن اتخاذ إجراءات في دعم القدس وسحب المبادرة العربية أو وقف التطبيع وغيرها، بل نتيجة الأسس التي تؤدي إلى هذا العجز والشلل في قراءة لغة المصالح الوطنية والقومية
"
لكنه فراغ يجذب بطبيعة الحال الدول الأخرى التي تبحث عن توسع نفوذها ومصالحها الوطنية، ولهذا السبب تحديداً تصطدم إيران وتركيا بإسرائيل وبدول "المجتمع الدولي" بشكل أو آخر بينما تدور القمم العربية في الحلقة المفرغة.

وقد حاولت قمة سرت الهروب إلى الأمام فيما أسماه الأمين العام دعوة لإنشاء "رابطة الجوار العربي" لكنه نسي أن المحرّك الإقليمي هو في إيران وتركيا وليس في البلدان العربية وأن قوة دفع هذا المحرّك هي في التناقض مع من يحتل كل الفراغ العربي بمباركة السلطات العربية.

وعليه قررت القمة استكمال الدوران في الحلقة المفرغة في قمة استثنائية تعقد في سبتمبر/أيلول المقبل، وللمصادفة تحتفل الجماهيرية العظمى في هذا الوقت من كل عام بعيد الفاتح من سبتمبر العظيم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك