ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


من جديد استعادت إيران وحلفاؤها من القوى الشيعية زمام السيطرة على الشأن العراقي، وذلك بعد مرحلة محدودة من الارتباك تبدت إثر ظهور نتائج الانتخابات وتقدم قائمة العراقية بزعامة إياد علاوي بفارق مقعدين لا أكثر على ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي.

ما لم تنجح إيران في إنجازه قبل الانتخابات ممثلا في دمج القائمتين الشيعيتين الكبيرتين (دولة القانون، الائتلاف العراقي) في قائمة واحدة، ها هي تنجح في إنجازه بعد ظهور النتائج، ما أفرز قائمة واحدة تملك 49 % من مقاعد البرلمان، مع العلم أن ثمة قائمة ثالثة صغيرة (لها خمسة مقاعد) يمكنها توفير النسبة المتبقية لتجاوز حاجز النصف (قائمة جواد البولاني).

"
من غير المستبعد أن تفضل إيران شخصية أخرى على رأس الحكومة العراقية أقل قابلية للتمرد عليها من المالكي الذي تضخمت الأنا عنده على نحو كبير خلال السنوات الماضية، بخاصة إثر تصدره انتخابات المحليات، وإن أصيب بخيبة أمل بعد تفوق (العراقية) عليه في الانتخابات النيابية
"
هكذا تغدو الحكومة بكل بساطة من حق الائتلاف الجديد (بحسب منطقه في أقل تقدير)، والذي يتداول قادته في شخص رئيس الوزراء. وفيما كان المالكي مرفوضا بقوة من قبل التيار الصدري الذي يشكل الثقل الأكبر في قائمة الائتلاف العراقي التي يتزعمها عمار الحكيم (تعرض لهجوم شرس ومباشر من السيد مقتدى)، فإن نفوذ طهران لدى التيار قد يغير الموقف، بل لعله غيره بالفعل، مع أن من غير المستبعد أن تفضل إيران شخصية أخرى أقل قابلية للتمرد عليها من المالكي الذي تضخمت الأنا عنده على نحو كبير خلال السنوات الماضية، بخاصة إثر تصدره انتخابات المحليات، وإن أصيب بخيبة أمل بعد تفوق (العراقية) عليه في الانتخابات النيابية.

ما جرى هو ذاته ما توقعناه في سياق نقاشنا مع الذين عولوا كثيرا على إحداث تغيير مهم في الساحة العراقية من خلال قائمة علاوي، فلا إيران ولا القوى الشيعية التي تحكمت بالوضع بعد الاحتلال ستقبل التنازل عن نفوذها بسهولة، بل إننا نقول إنه حتى لو كان لإيران موقف آخر أكثر مرونة، لكان من الصعوبة بمكان فرضه على تلك القوى التي لا تبدو في مزاج يسمح لها بالإصغاء لمن ينصحها بالتنازل، ولو عن جزء من مكاسبها التاريخية في عراق ما بعد الاحتلال، لاسيما بعض الرموز الكبار الذي خرجوا من مجاهل التاريخ إلى سدة السلطة والثروة على نحو لم يراودهم حتى في الأحلام.

ثم إن الخطاب الطائفي لم يتراجع سوى بنسبة محدودة خلال السنوات الأخيرة، سواء تم ذلك لأن الحشد الطائفي هو جزء لا يتجزأ من اللعبة السياسية بالنسبة لرموز تلك القوى، حيث يسمح لهم باستمرار تجييش الناس لصالح برنامجهم، أم بسبب وجود من يذكّر الشيعة بالتناقض الطائفي، أعني خطاب القاعدة، فضلا عن بعض عملياتها التي تستهدف مواقع شيعية، وهو ما ينسحب بقدر أقل على خطاب بعض القوى العربية السنية (من بينها بعض قوى المقاومة أيضا)، والتي لا تتوقف عن الحشد في هذا الاتجاه، حتى لو غلفته بالحديث عن النفوذ الإيراني، وما يزيد الوضع سوءًا هو شيوع الحشد الطائفي في عموم المنطقة وليس في العراق وحده، الأمر الذي يعكسه الجدل المحتدم في مواقع الإنترنت وبعض الفضائيات، وصولا إلى المساجد والحسينيات.

الآن يجد العرب السنة أنفسهم في مواجهة المأزق من جديد، ولسان حالهم يقول "يا فرحة ما تمت"، إذ أن تقدم القائمة التي صوتوا لها على نحو كاسح، لن يمنحها القدرة على تشكيل الحكومة، حتى لو كلفت بذلك مبدئيا، إذ يكفي أن تستنكف القوى الشيعية عن المشاركة حتى تفشل المحاولة، مع أن موافقة القائمتين الشيعيتين على ترؤس علاوي للحكومة (وهو احتمال ضئيل) سيكون بثمن باهظ عنوانه منحه الزعامة بهامش محدود من القدرة على التحكم بالوضع العام، وبالطبع عبر تقييده بتركيبة سياسية لا تسمح له بتغيير أي من المعادلات التي استقرت خلال الأعوام الأخيرة، بخاصة تلك التي تتعلق بالمؤسسة العسكرية والأمنية.

"
تقدم القائمة التي صوّت لها العرب السنة على نحو كاسح، لن يمنحها القدرة على تشكيل الحكومة، حتى لو كلفت بذلك مبدئيا، إذ يكفي أن تستنكف القوى الشيعية عن المشاركة حتى تفشل المحاولة
"
إنها لغة الأرقام والقوانين الانتخابية التي أقرت في ظل سيطرة القوى الشيعية، مشفوعة بالحشد الطائفي، والتي تعني تحكم تلك القوى بمفاصل الوضع برمته، في حين يجد الأميركان أنفسهم في حالة عجز عن التأثير بسبب خوفهم من إغضاب الكتلة الأكبر من السكان (لم ينظم إحصاء حقيقي محايد خلال السنوات الأخيرة)، وما يمكن أن ينطوي عليه ذلك من تأثير على قواتهم، وعلى برنامج سحبها من العراق.

وهذه المعادلة الأخيرة لا يلتفت إليها كثير من العرب السنة وقواهم السياسية، إذ أن واشنطن ليست في وارد الدخول في معركة مع حلفاء إيران في الساحة العراقية، ليس لأنها ترتاح إليهم، بل لأنها تدرك ما بوسعهم أن يفعلوه، سواء قرروا رفع السلاح، أم قرروا تصعيد النضال الشعبي، وصولا إلى العصيان المدني الذي لا يحتاج إلى أكثر من توافق بين عدد من الرموز السياسية والدينية.

رغم هذا الوضع الذي قد يراه البعض مفاجئا، ونراه طبيعيا ومتوقعا، يبقى من المستبعد انسحاب كتلة علاوي من العملية السياسية كما يهدد بعض رموزها، لاسيما أن أكثرهم ليس من النوع الزاهد أو المبدئي، والأرجح أن تكون لهم مشاركتهم التي تشبه مشاركة جبهة التوافق في حكومة المالكي، ربما بشروط أفضل قليلا، من دون أن يصل وضعها حد التأثير في تشكيل المؤسسة العسكرية والأمنية الذي استقر لصالح سيطرة شبه مطلقة للقوى الشيعية، ما يعني التحكم بالبلد ومقدراته كما تقول معادلات الحكم في الدولة الحديثة.

ولعل من الأهمية بمكان الحديث هنا عن احتمالات تفكك القائمة العراقية في ضوء التباين الكبير بين مكوناتها، الأمر الذي يعول عليه الطرف الشيعي، من دون استبعاد مسار التفكك بالنسبة للكيانات الأخرى، وعلى رأسها الكيانان الشيعان الكبيران، الأمر الذي لا يعني بالضرورة تفكك الكتلة الشيعية، أقله في المرحلة الراهنة، وفي ظل الإصرار الإيراني على بقائها موحدة بقدر ما.

والحق أن انتقادنا للسلوك الطائفي لإيران في الساحة العراقية، لا ينبغي أن يلفت الانتباه عن النقد الأكثر ضرورة للغياب العربي عن تلك الساحة، والذي حاول الاستدراك في اللحظات الأخيرة ضمن السياق الأميركي، مع أننا إزاء بؤس يتكرر منذ حوالي سبع سنوات بسبب تراجع الدور المصري الذي ينبغي أن يشكل الرافعة لعموم الحالة العربية.

"
من دون تفاهم إيراني عربي تركي يجعل من العراق نموذجا لتعايش الأعراق والطوائف في المنطقة، معطوفا على بعض التواضع من قبل القوى الشيعية، فإن الاستقرار سيبقى بعيد المنال في هذا البلد المنذور للموت والدمار منذ عقود
"
هكذا يبدو الاستقرار بعيد المنال، فالقاعدة لا تزال هنا، وهي ستجد في خيبة أمل العرب السنة من مسار الانتخابات والعملية السياسية فرصة جديدة لحشد الدعم والتأييد (يضاف إلى ذلك البؤس الذي وصلت إليه تجربة الصحوات).

أما الأميركان فيستبعد أن ينسحبوا تماما على نحو يترك البلد لإيران، إذ يتوقع أن يحتفظوا بقواعد عسكرية تتيح لهم قدرا من التحكم والتأثير، بينما سيجد العرب السنة أنفسهم أمام سؤال المستقبل الصعب، ومعهم قواهم المقاومة، والنتيجة هي ما قلناه مرارا ممثلا في أنه من دون تفاهم إيراني عربي تركي يجعل من العراق نموذجا لتعايش الأعراق والطوائف في المنطقة، معطوفا على بعض التواضع من قبل القوى الشيعية، فإن الاستقرار سيبقى بعيد المنال في هذا البلد المنذور للموت والدمار منذ عقود.

ولما كان الوضع العربي بقيادة الشقيقة الكبرى يعيش مستوىً غير مسبوق من البؤس كما أسلفنا، فإن التفاهم المذكور سيكون بعيد المنال، ومعه الاستقرار، اللهم إلا إذا تعب فرقاء الساحة العراقية تماما من الاقتتال وقرروا العمل على إقرار نظام سياسي يعتمد لغة المواطنة واحترام المكونات الثلاثة للبلد، لا لغة الطائفية والإقصاء، الأمر الذي لا يبدو متوقعا في المدى القريب، بل ولا حتى المتوسط أيضا، وندعو الله أن نكون مخطئين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك