زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


 
لاشك أن استمرار التراخي الدلع والمائع في حملة القوى المقاومِة للاستمرار في مقاطعة العدو سيؤدي لا محالة إلى تلاشي جدوى خيار المقاومة والتصدي للمشروع الصهيوني في بلادنا، والذي يستهدف كل شبر ولا يستثني أي دولة عربية.

فالمشروع الصهيوني في فلسطين ما هو إلا جزء من مشروع إمبريالي أكبر بكثير، هدفه ليس فقط فرض "إسرائيل" على العرب ماديًا ومعنويًا، وإنما أيضًا إلحاق هزيمة تاريخية بالإسلام الذي انتزع "الأراضي المقدسة" من أوروبا المسيحية، أي بيزنطة وروما.

"
المشروع الصهيوني في فلسطين ما هو إلا جزء من مشروع إمبريالي أكبر بكثير، هدفه ليس فقط فرض "إسرائيل" على العرب ماديًا ومعنويًا، وإنما أيضًا إلحاق هزيمة تاريخية بالإسلام الذي انتزع "الأراضي المقدسة" من أوروبا المسيحية
"

وقد شهدنا أخيرًا تزايدًا في حركة قوى محددة لفرض التطبيع مع العدو تحت مسميات مختلفة. فعلى سبيل المثال، نشرت دار النشر الألمانية "كَمِل" أي: الجمل/ البعير ومقرها في مدينة فرايبِرغ، ولكنها تنشط أيضًا في بيروت وبغداد، ترجمة عربية لرواية الكاتب الصهيوني بامتياز أموس أوز.

وقد حاولت بعض الأقلام إيهام القارئ العربي بجدوى الترجمة والنشر وأسهبت في مديح الكاتب وروايته مع علمهم بصهيونيته، علمًا بأنه يعرف نفسه بأنه إسرائيلي- يساري، الذي هو بدوره تيار صهيوني هدفه الوحيد تحسين ظروف اضطهاد الفلسطينيين وتلميع صورة الكيان العنصري.

ومع أنه صدرت مواقف معارضة عديدة ضد هذه الخطوة التطبيعية، إلا أنها لم تكن بالحزم المطلوب واقتصرت على أصوات مبعثرة مع أن بعض من عارض ذلك بداية عاد أخيرًا ليمجد ذلك العمل التطبيعي الخطير.

وهنا لابد من الإعراب عن عميق دهشتنا وغضبنا لغياب موقف حازم وصارم لقوى سياسية تصدت في الماضي للسياسات التطبيعية. فعلى سبيل المثال، وقفت قوى وطنية لبنانية كثيرة وفي مقدمتها قناة "المنار" اللبنانية التابعة لحزب الله ضد مشاركة المغربي "اليهودي" المتصهين جاد المالح في "مهرجانات بيت الدين" عام 2009 ما منعه من التفكير بدخول الأراضي اللبنانية، وأجبرته على الانسحاب.

ولكننا لا نرى الآن أي موقف منها مشابه أو حتى قريب منه تجاه نشر رواية الصهيوني آنفة الذكر. إن هذا الصمت غير المفهوم وغير المسوغ سيفسح المجال أمام قوى مغرضة الادعاء بأن الحملة ضد دعوة جاد المالح كان القصد الرئيس منها الغمز من قناة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي كان يقف وقتها موقفًا معارضًا للمقاومة، علمًا بأن زوجه السيدة نورا الشرباتي-جنبلاط هي رئيسة "مهرجانات بيت الدين".

وهذا ما يقودنا إلى مسألة أخرى سبق وأن تناولناها بالبحث بتاريخ 30/06/2007 على صفحات "الجزيرة نت" عندما عرضنا كتابا صدر بالإنجليزية عنوانه "بين المستقيمين".

الموضوع باختصار شديد: عنوان ذلك الكتاب مأخوذ من كتب التفسير التلمودية للاهوت اليهودي- الإشكنازي، والمقصود بهم (الأفراد "من غير اليهود" الذين قبلوا تعاليم نوح)، حيث كلفت لجنة أسسها كيان العدو في عام 1963 بمنح لقب (مستقيم بين الأمم) لأي شخص "غير يهودي" ثبت أنه خاطر بحياته وبممتلكاته لإنقاذ يهود من المحرقة من دون أن يرتبط ذلك بمزايا مالية.

هذا "التشريف" يؤهل صاحبه لأن يحفر اسمه في "قائمة الشرف" في نصب (ياد فشيم) الذي أقامه الصهاينة في فلسطين المحتلة لذكرى يهود قضوا في المحرقة النازية.

عندما سمعنا بالكتاب أرسلنا للمؤلف –من منطلق حسن النية- ربرت ستلوف طالبين منه تزويدنا بنسخة منه للمراجعة، وقد استجاب للأمر مشكورًا. وقد تبين لنا خطأ "حسن النوايا" تجاه المؤلف حيث عرفنا فيما بعد أنه يرأس "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى/ WINEP" والذي عادة ما يوصف – مثلاً "نيويورك رفيو أُف بُكس/ New York Review of books" - بأنه "محافظ جديد – نيو كونس" وصاحب أفكار "صقورية متطرفة" تجاه العرب وقضيته فلسطين.

وللعلم فإنه الوحيد غير العربي الذي يقدم برامج في قناة "الحرة" الفضائية (داخل واشنطن) التي أسستها الإدارة الأميركية لمحاولة التأثير في الرأي العام العربي لصالح سياساتها الصهيونية، ومعتمد لدى منظمة "AIPAC" الصهيونية التي بدورها أسست "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى". وقد أرسلنا له مراجعتنا ولكنه لم يكلف نفسه شكرنا عليها.

ولتفادي الاستطالة في هذا الموضوع ونظرًا لمحدودية المساحة المتاحة لمقالنا هذا يمكن للراغبين في الاستزادة قراءة مقالة "العاصفة حول اللوبي الإسرائيلي" الصادرة في مجلة "نيويورك رفيو أُف بُكس" بتاريخ 8 يونيه/ حزيران 2006، وزيارة موقعي المؤسستين لمعرفة أسماء المؤسسين وسياساتهم المعادية لنا ولطموحات أمتنا العربية في التحرر والتقدم، وأيضًا للاطلاع على "المطبعين" الجدد من العرب الذين يتخفون وراء العمل الأكاديمي في محاولة لنيل رضا العدو بعدما أخفقوا في بلادهم!!.

مناسبة عودتنا إلى هذا الموضوع هو ما نشرته بعض الصحف عن قيام مؤلف ذلك الكتاب التلفيقي، بعمل فيلم "شندلر العربي" ضمن حملة مثابرة لإقناع الكيان الصهيوني بمنح لقب "رجل مستقيم" لشخص تونسي متوفى اسمه خالد عبد الوهاب.

المشكلة الآن هي أن المطلوب اعتراف العدو بنا وبأهلية بعضنا لنيل هذا "الشرف" المزعوم.

من الضروري لفت انتباه ورثة السيد خالد عبد الوهاب إلى خطورة الأمر ذلك أن هذا "التأهيل"، الذي يورث إلى الأبناء والأقارب من الفئة الأولى، يمنح صاحبه، ضمن أمور كثيرة، مزايا عديدة، منها، على سبيل المثال، ضمانة مالية مدى الحياة والحصول على معاش شهري وامتيازات مالية أخرى تتعهد بها الدولة الصهيونية، واليهود في خارجها، إضافة إلى حق حامل اللقب الإقامة في الدولة الصهيونية.

"
الصهاينة وفي محاولة منهم لطمس "الخطيئة الأولى" أي، اغتصاب فلسطين، إضافة إلى محاولة التغطية على جرائمهم اليومية بحق الشعب الفلسطيني، وفي لبنان، يستدعون "المحرقة" وتهمة "معادة السامية" لإخراس أي صوت معاد لممارستهم تلك
"
وللتذكير يقول الكاتب إن هدف تأليف الكتاب جعل "المحرقة" جزءًا من التاريخ العربي بما يسوغ في نهاية المطاف اغتصاب اليهود-الصهاينة فلسطين وتأسيس دولتهم "اليهودية" العنصرية بعد طرد أهلها الذين احتضنتهم أرضها عشرات القرون.

نود لفت انتباه ورثة السيد خالد عبد الوهاب أن الصهاينة يستخدمون المحرقة لتسويغ كل جرائمهم في فلسطين، وانطلاقًا منها. الهدف إخراس أي صوت ينتقد إسرائيل وممارساتها اليومية بحق الشعب الفلسطيني منذ ما قبل تأسيسها كيانًا إلى يومنا هذا.

إن الصهاينة وفي محاولة منهم لطمس "الخطيئة الأولى" أي، اغتصاب فلسطين، إضافة إلى محاولة التغطية على جرائمهم اليومية بحق الشعب الفلسطيني، وفي لبنان، يستدعون "المحرقة" وتهمة "معادة السامية" لإخراس أي صوت معاد لممارستهم تلك.

إن قبول ورثة السيد خالد ذلك "التأهيل" غير المشرف إطلاقًا يعني ضرورة احتفال العرب والمسلمين باغتصاب الصهاينة فلسطين وتهنئتهم على تلك الجريمة، واعتبار نكبة العرب والفلسطينيين خاصة علامة مضيئة في تاريخ الإنسانية. فهل على الفلسطينيين المحرومين من وطنهم والذين طردوا منه في (1947-1949) بقوة السلاح كما أثبت كل الشواهد التاريخية والحالية تهنئة المستوطنين الصهاينة الذين احتلوا بيوتهم وقراهم ومزارعهم.

بالتأكيد إنه من الأمور المشرفة للعرب، مسلمين ومسيحيين، ضمن هذا السياق، أن يذكرهم التاريخ من ضمن الأفراد والجماعات الذين ساهموا في إنقاذ أرواح بريئة من براثن النازية والفاشية المجرمة، معرضة نفسها وممتلكاتها وعائلاتها للخطر، لكن ليس من القتلة والمجرمين الصهاينة.

وعلى كل شخص، عربي كان أو غير عربي، يقبل بوضع اسمه في قائمة نصب (ياد فاشيم) تذكُّر أنه مقام في كيان أقيم على أنقاض الوطن الفلسطيني، وعلى جثث شعبه، أطفالاً ورجالاً ونساء.

وعلى كل شخص، عربيا كان أو غير عربي، يقبل "التمتع" بالامتيازات المرتبطة بالذكر في تلك القائمة مسألة يجب ألا تسعد أيًا كان لأنها ممزوجة بدماء ودموع شعب طرده الصهاينة، بمعونة قوى استعمارية غربية بقوة السلاح، من وطنه الذي عاش فيه، بكل طوائفه المسلمة والمسيحية واليهودية، قرونًا طويلة، بسلام وأمان.

وعلى كل شخص عربي يقبل تكريم الصهيونية له معرفة أن ذلك يشكل طعنة غادرة في قلب شعب يعاني الاضطهاد والطرد والتشريد منذ أكثر من قرن على يدها، وأنه سيكون تصرفًا صفيقًا ووقحًا ربما لا ينافسه فيها سوى قبول السياسي المتأسرل، ثم الكاتب، الشيوعي الإسرائيلي من أصل عربي، إميل حبيبي/ سعيد أبي نحس المتشائل، ومؤسس مجلة "مشارف" التي أسسها بالتعاون مع قيادة سلطة رام الله لتكون منبرًا رئيسًا للتطبيع مع العدو، قبل تكريم مغتصب بلاده له وتسلم "جائزة إسرائيل للأدب" – بصفته كاتبًا إسرائيليًا - من يد إسحق شامير رئيس وزراء الكيان الذي اغتصب بلاده وطرد شعبه في يوم ذكرى اغتصاب فلسطين تحديدًا، إمعانًا في النكاية بالقوى الوطنية والقومية التي نذر حياته لمحاربتها.

"
صلافة المطبعين من "المحافظين الجدد" من العرب ووقاحتهم التي وصلت إلى تخوم جديدة، تستدعي من القوى الوطنية العربية تحركًا مبرمجًا ممأسسًا في كل بلادنا لفضح تلك الممارسات ولتوضيح أخطارها
"

إن صلافة المطبعين من "المحافظين الجدد" من العرب ووقاحتهم التي وصلت إلى تخوم جديدة، الذين لا همّ لهم سوى تلميع صورة الصهيونية وكيانها العنصري العدواني تستدعي من القوى الوطنية العربية تحركًا مبرمجًا ممأسسًا في كل بلادنا لفضح تلك الممارسات ولتوضيح أخطارها على أمتنا وثقافتنا حاضرًا ومستقبلاً. والمطلوب أيضًا كشف المطبعين أيًا كان اسمهم وموقعهم، وتحت أي غطاء كان.

إن القوى العربية الداعمة للمشروع الصهيوني تحتل مواقع بارزة في منابر إعلام التكفيريين، وها هم قد بدؤوا يتمركزون في مشاريع "ثقافية" مغفلة الجهة الداعمة لها، في خطوة للانقضاض مجددًا على المشروع العربي القومي التحرري بعد الانتكاسة، بل الهزيمة المدوية التي لحقت بهم منذ عدوان عام 2006 على يد المقاومة الوطنية –الإسلامية بقيادة حزب الله. ولذا، فمن الضروري التحرك المبرمج لمأسسة مقاطعة العدو ومحبيه ومريديه من عرب المحافظين الجدد ومشروع "الشرق الأوسط الكبير". ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر : الجزيرة