عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.


أولاً: بين الإقليمي والأيديولوجي
ثانياً: ثلاثة عقود من النكد
ثالثاً: كيف نصوغ المستقبل؟

ما هو المنظور الخليجي للعلاقة مع العراق؟ هل يستند إلى بُعد قومي، أم إلى مقاربة إقليمية؟ وماذا عن إطاره الأيديولوجي؟

بداية، يجب الإشارة إلى أن مصطلح "المنظور الخليجي"، الذي نستعمله هنا هو مصطلح إشكالي، ذو طبيعية افتراضية تحليلية بالدرجة الأولى. إذ ليس هناك من رؤية خليجية موحدة للعراق، بل سياسات متفاوتة، تنبع بالنسبة للبعض من حسابات محلية، وبالنسبة للبعض الآخر من مقتضيات التوازن الإقليمي، أو بالأصح صراع النفوذ في الخليج.

وعلى الرغم من ذلك، يبقى مشروعاً، بالمعيار المنهجي، الحديث عما يُمكن وصفه "بمنظور خليجي" للعراق. ونعني به خلاصة المواقف والسياسات الخليجية، أو لنقل نسقها الجامع.

أولاً: بين الإقليمي والأيديولوجي
منذ العام 1958، والمنطقة تشهد ما يُمكن وصفه "بحرب الرايات"، ذات الألوان والمشارب الأيديولوجية المختلفة.

كان للرئيس عبد الكريم قاسم، الذي أسس العراق الجمهوري، حلة أيديولوجية جرى تفصيلها على قياسه الخاص، فجمعت بين مزايدته على الناصرية والبعث من جهة، وتحالفه مع الحزب الشيوعي من جهة أخرى.

وعلى خط موازٍ لهذا الاستثناء الأيديولوجي، أو في سياقه، رفع الرئيس قاسم شعار "البوابة الشرقية" للوطن العربي، التي يُمثلها العراق. والتي عنيت بها إيران تحديداً.

كيف نظرت دول الخليج إلى العراق القاسمي؟ في واقع الأمر، كانت غالبية دول الخليج حينها لا تزال تحت ما عرف بعهد "الحماية" البريطانية. وقد نالت الكويت استقلالها في العام 1961، في حين استقلت الإمارات وقطر والبحرين في العام 1971. ولم تشهد السعودية وعُمان عهد انتداب أو حماية بالمعنى القانوني للمصطلح.

وكما هو معروف، فقد دخل قاسم في نزاع مع الكويت فور استقلالها. لكن ذلك لم يكن الأصل في مقاربته الخليجية. كانت هذه المقاربة تستند بالدرجة الأولى إلى صراع النفوذ مع شاه إيران، بتحالفاته الأنغلوسكسونية.

"
لم يسعَ قاسم لاستقطاب الداخل الخليجي، لأنه كان يرى فيه امتداداً لتحالفات طهران الدولية ذاتها, والداخل الخليجي بدوره لم ينظر إلى العراق القاسمي باعتباره عمقاً قومياً أو سنداً إقليمياً، ولم ينظر إلى بغداد على أنها أكثر قرباً إليه من طهران
"
وفي هذا الصراع، لم يسعَ قاسم لاستقطاب الداخل الخليجي، لأنه كان يرى فيه امتداداً لتحالفات طهران الدولية ذاتها.

الداخل الخليجي بدوره لم ينظر إلى العراق القاسمي باعتباره عمقاً أو امتداداً قومياً، لأن الشعار القومي كان في الأصل محظوراً في هذه المنطقة. كذلك، لم ينظر هذا الداخل إلى العراق باعتباره سنداً إقليمياً، ولم ينظر إلى بغداد على أنها أكثر قرباً إليه من طهران.

أما على الصعيد الإيديولوجي، فقد نجح خصوم قاسم، في طهران ودمشق والقاهرة، على حد سواء، في تصويره حليفاً للشيوعية الأممية. وهنا، ازدادت العواصم الخليجية بُعداً عن جارها العراقي.

في فبراير/شباط 1963، سقط حكم الرئيس قاسم في بغداد. ليتولى السلطة في العراق، لأول مرة، حزب البعث العربي الاشتراكي. وبعد شهر على ذلك، عاد الحزب مجدداً إلى السلطة في سوريا. وهنا، نشأ مناخ جديد في المنطقة، كان الخليج في طليعة المعنيين به.

ارتابت عواصم الداخل الخليجي من بعث العراق، بقدر ارتيابها من سلطة عفلق والبيطار في دمشق.

ومن جهتها، نظرت بغداد إلى الخليج باعتباره بحيرة للنفوذ الأنغلوسكسوني. وطالبت على نحو متعجل بربط أمنه بالأمن القومي العربي وواجهت، في الوقت نفسه، سياسات الشاه في المنطقة.

لم تتقبل عواصم الخليج دعوات العراق. ونظرت إلى السلطة فيه باعتبارها نافذة جديدة لبث الأفكار الراديكالية في المنطقة. وظلت، كما كانت، أقرب إلى طهران منها إلى بغداد.

ومرة أخرى، لا منظور قومياً ولا إقليمياً ظلل على نحو إيجابي علاقات الداخل الخليجي بعراق البعث، في عهده الأول.

في الثامن عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1963، أسقط عبد السلام عارف حكومة البعث، محاولاً استنساخ التجربة الناصرية في العراق.

كان نظام عارف أقل جموحاً في خطابه السياسي والأيديولوجي من البعث. وعلى الرغم من ذلك، لم يفلح حكم الأخوين عبد السلام وعبد الرحمن في النفاذ إلى الداخل الخليجي.

ثانياً: ثلاثة عقود من النكد
في السابع عشر من يوليو/تموز 1968، عاد حزب البعث العربي الاشتراكي ثانية إلى السلطة في العراق، ليبقى فيها حتى سقوط بغداد في التاسع من أبريل/نيسان 2003.

35 عاماً من النكد. هذه هي خلاصة العلاقات الخليجية العراقية بين عودة البعث الثانية وحتى سقوطه.

لم يُنظر إلى العراق باعتباره عمقاً قومياً لهذه المنطقة، ولم يسمح له بممارسة دور فيها. ونُظر إلى خياراته السياسية بكثير من الوجل والريبة.

في المقابل، لم تُحسن السلطة في العراق قراءة ما يدور حولها. ولم تكن ردود أفعالها محسوبة العواقب. وخاضت حربين عبثيتين، اعتقدت خطأ أنهما طريقاً للزعامة والنفوذ الإقليمي.

بشنها حرب السنوات الثماني على إيران، اعتقدت بغداد أنها تقترب من إثبات ذاتها طرفاً في معادلة الأمن والتعاون الإقليمي في الخليج، إلا أن ذلك لم يحدث.

وبغزوها الكويت، توهمت السلطة العراقية بأنها ستحصل على ما عجزت عن الحصول عليه عبر حرب السنوات الثماني. إلا أن نتيجة هذه الحماقة كانت تدمير العراق، وتجريده من سلاحه، وعزله إستراتيجياً.

"
35 عاماً من النكد, هذه هي خلاصة العلاقات الخليجية العراقية بين عودة البعث الثانية وحتى سقوطه, فلم يُنظر إلى العراق باعتباره عمقاً قومياً لهذه المنطقة، في المقابل، لم تُحسن السلطة في العراق قراءة ما يدور حولها
"
بطبيعة الحال، سوف يأتي اليوم الذي يُكتب فيه المزيد عن مسار العلاقات الخليجية العراقية في الفترة اللاحقة لتولي مجموعة السابع عشر-الثلاثين من تموز مقاليد السلطة في بغداد. وهناك الكثير الذي لم يُقل بعد، بل ولم يُهمس به إلى يومنا هذا. بيد أن السؤال الذي فرض نفسه على المحللين والباحثين هو: لماذا ظل العراق مستبعداً، ولم يُمنح دوراً في محيطه الخليجي، حتى إبان الهدوء النسبي في مناخ العلاقات الخليجية العراقية؟

لقد برزت عدة اتجاهات لتفسير هذا الأمر، وهي:
الاتجاه الأول، هو ما يُمكن أن نطلق عليه بالاتجاه الجيوسياسي. وقد رأى هذا الاتجاه أن دول الخليج تجنبت دمج العراق في مشروعها الإقليمي، خشية من هيمنته على هذا المشروع. وذلك بلحاظ ما يتمتع به من ثقل جيوبوليتيكي متقدم نسبياً.

الاتجاه الثاني، هو الاتجاه الأيديولوجي. وقد قال أصحاب هذا الاتجاه إن تباين الخيارات الأيديولوجية، سياسياً وفكرياً، أثار قدراً ملحوظاً من الهواجس، التي حالت في نهاية المطاف دون دمج العراق في منظومة العمل الإقليمي الخليجي.

الاتجاه الثالث، هو الاتجاه المذهبي. وقد رأى أصحابه أن التباين المذهبي بين العراق ودول الداخل الخليجي، قد مثل سبباً غير معلن، أو غير منطوق به، لاستبعاده.

وإضافة لهذه الاتجاهات، هناك من توقف، على وجه خاص، عند تباين الخيارات الخارجية بين بغداد ومحيطها الخليجي. وثمة من ذهب أبعد من ذلك، ليتحدث عن ضغوط من بعض الأطراف الواقعة خارج النظام الإقليمي الخليجي.

وأياً تكن الأسباب فالنتيجة بقيت واحدة، وهي عراق لا سبيل له للاندماج في فضائه الطبيعي.

وبين الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الثانية، كانت هناك محاولة عراقية لخلق بيئة تفاعلات بديلة عن الخليج. وقد تمثلت هذه المحاولة، بصفة أساسية، فيما عرف "بمجلس التعاون العربي"، الذي ضم العراق والأردن ومصر واليمن. بيد أن هذا المجلس قد ولد ميتاً في واقع الأمر، إذ كانت الأهداف الفعلية لتأسيسه متباينة على مستوى منظور كل دولة من دوله، كما أن تشخيص هذه الدول للتحديات الماثلة أمام المنطقة بدت أكثر تبايناً.

وبطبيعة الحال، فإن ظروف اليوم غدت على هذا الصعيد أكثر صعوبة مما كانت عليه بالأمس، فبنود اتفاقية وادي عربة جعلت من المستحيل بناء تحالف أردني عراقي، فضلاً عن استحالة إحياء الجبهة الشرقية.

أما مصر الراهنة، فقد ازدادت بُعداً عن المواقع التي كانت عليها بالأمس. وهذا أمر يدركه جميع العرب، ولا ريب في ذلك.

وما يُمكن قوله، على نحو مجمل، هو أن الخمسة والثلاثين عاماً، الممتدة بين 1968 و2003، كانت سنوات الفرص الضائعة في العلاقات الخليجية العراقية. أو بالأصح، كانت ثلاثة عقود من النكد.

ثالثاً: كيف نصوغ المستقبل؟
بعد سقوط حكومة الرئيس صدام حسين، ساد قدر كبير من الإرباك في المنطقة. وقد أدرك الجميع أنهم على أبواب مرحلة جديدة. إلا أن جوهر هذه المرحلة وماهيتها لم يكن واضحاً. أو لنقل لم تكن هناك حالة من اليقين حيال الحاضر أو المستقبل.

وعلى خلاف ما فعلت إيران، التي رمت بثقلها في العراق، بقي الخليجيون متفرجين. وظلت حساباتهم هي ذاتها، على نحو مجمل.

في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، كان سعدون حمادي يجول على عواصم الخليج، داعياً للاعتراف ببلاده كقوة ذات دور في محيطها الإقليمي والعربي. إلا أن حمادي، وزير الخارجية والمفكر القومي، لم يجد ما كان يصبوا إليه، مع قليل من الاستثناء.

هذا بالأمس، أما اليوم فقد رمت الولايات المتحدة بكل ثقلها، داعية الدول الخليجية لقبول العراق، ودمجه في هياكل العمل الإقليمي. بيد أن الأميركيين تفاجئوا بما لم يكن في الحسبان. وسرعان ما تحدثوا علناً عما وصفوه تارة "بالحواجز النفسية"، وأخرى "بالحواجز الثقافية". وهناك في صحف الولايات المتحدة الكثير من الكتابات التي تحكي قصة الدبلوماسية الأميركية في هذا الشأن.

بعد الانتخابات العامة الأخيرة التي شهدها العراق، تجدد الحديث في وسائل الإعلام عن دور خليجي، فعلي أو افتراضي، في الساحة العراقية.

وقال البعض، إن الخليجيين ذاهبون إلى العراق لموازنة الدور الإيراني. وبالطبع، هذا قول يحوي قدراً كبيراً من التسطيح والاستعجال. ولا يصح لأحد أن يخدع نفسه بغواية من هذا القبيل.

"
إذا لم يُقبل العراق كجزء أصيل من هذه المنطقة، وترفع من طريقه الحواجز المصطنعة، فإن الخليج سيبقى فاقداً لاستقراره وتوازنه, وسوف ندفع وحدنا نحن شعوب المنطقة ثمن ذلك، كما دفعناه بالأمس القريب
"
وعلى الرغم من ذلك، وبمنأى عن حسابات الآخرين، على الخليجيين أن يقرروا شكل العلاقة التي يجب أن ينسجوها مع العراق. وعليهم أن يدركوا أن تجربة التاريخ القريب كانت مرة ونكدة. وكانت خلاصتها مدمرة للأمن الإقليمي، وناسفة لفرص التعايش، في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

لا يجوز لأحد أن يختفي خلف شعارات مموهة، أو أن يلجأ إلى توصيف الأمور على نحو مشوش وملتبس. وإذا لم يُقبل العراق كجزء أصيل من هذه المنطقة، وترفع من طريقه الحواجز المصطنعة، فإن الخليج سيبقى فاقداً لاستقراره وتوازنه. وسوف ندفع وحدنا نحن شعوب المنطقة ثمن ذلك، كما دفعناه بالأمس القريب.

إن الأمن الإقليمي لا يُمكن تجزئته، بحال من الأحوال. ولا أفق للتعاون والتكامل في غياب الأمن، أو اهترائه على النحو الذي هو عليه اليوم. وعلينا أن نقرأ تجارب العالم، من أوروبا إلى آسيا، ففيها الكثير مما يُمكن استلهامه والاعتبار به.

لقد آن الوقت لأن تأخذ السياسة الواقعية طريقها إلى هذه المنطقة، بعيداً عن التأويل الملتبس، والحسابات الضيقة، الجامدة والمتكلسة، التي أثبتت عقمها وضررها.

إن مناخ ما بعد انتخابات السابع من مارس/آذار العراقية، يُمثل فرصة مناسبة لإطلاق دور جديد للسياسة الخليجية في العراق، على نحو يدفع باتجاه دمج بلاد الرافدين في مؤسسات وهياكل العمل الخليجي المشترك. وحينها ستبدأ دورة جديدة في تاريخ هذه المنطقة وشعوبها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك