حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


إيران وكسر العزلة الغربية
تركيا والحلم العثماني
إسرائيل ومجالها الحيوي
التحديات وآفاق المستقبل

لعل أهم ما يميز التدافع الدولي الجديد من أجل اكتساب الثروة والنفوذ في أفريقيا بعد نهاية الحرب الباردة، يتمثل في وجود أطراف وقوى دولية صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل. وفي الوقت الذي هيمنت فيه الاعتبارات الأمنية والاقتصادية على التوجه الأميركي الجديد تجاه أفريقيا -ولا سيما في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر/أيلول- فإن الولايات المتحدة ومعها الدول الغربية استبطنت في حركتها الأفريقية مقاومة نفوذ هذه القوى الدولية الصاعدة في أفريقيا.

ويبدو أن دول الجوار الإقليمي غير العربية، وبالأساس إيران وتركيا وإسرائيل، قد استغلت حالة الضعف الإستراتيجي التي تتسم بها المنطقة العربية وراحت تبحث عن أدوات جديدة لإحياء وتدعيم أدوارها الإقليمية. ويمثل التوجه جنوباً نحو أفريقيا أبرز الملامح المشتركة التي تجمع بين هذه الدول الثلاث التي تحلم باستعادة أمجادها الإمبراطورية القائمة على اعتبارات تاريخية أو أيدولوجية.

وقد يتساءل المواطن العربي مثلاً عن دوافع زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بداية العام الماضي لجزر القمر، وهي دولة عربية منسية لا توجد في عاصمتها سفارة عربية واحدة غير السفارة الليبية؟! وإذا كان الحكام وكبار المسؤولين العرب يولون دائماً وجوههم شطر العواصم الأوروبية والأميركية، فإن الوفود الرسمية الإيرانية والتركية والإسرائيلية لا تنقطع عن زيارة العواصم والمدن الأفريقية!، فما هي أهداف ودوافع هذه التحركات الجديدة تجاه أفريقيا؟ وما هو تأثيرها الإستراتيجي على المنطقة العربية؟.

إيران وكسر العزلة الغربية

"
 لم يعد البعد النووي خافياً في توجه إيران الأفريقي حيث تسعى إلى الحصول على اليورانيوم من الدول الأفريقية، وهو ما استهدفته زيارة نجاد هذا العام لكل من أوغندا وزيمبابوي
"
يلاحظ أن التوجه نحو أفريقيا خلال السنوات الأولى للثورة الإيرانية كان يختلف اختلافاً كبيراً عن التوجه الحالي الذي تتبناه حكومة الرئيس أحمدي نجاد. لقد كانت إيران الثورة تنظر إلى أفريقيا باعتبارها قارة المستضعفين، وأنها بحاجة إلى مد يد العون لها في مجالات الصحة والإعمار وغيرها من المساعدات الإنسانية.

وطوال فترة الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لنحو ثماني سنوات كانت إيران تنظر إلى أفريقيا من خلال منظور أيدولوجي مختلف. فأفريقيا تمثل ثلث مقاعد الأمم المتحدة وتشكل نصف مجموعة عدم الانحياز، وهو ما يعني أنها تمثل حليفاً محتملاً لإيران. كما أنها في ذات الوقت تمثل ساحة مناسبة لتبني أفكار الثورة الإيرانية.

وقد تم تجسيد هذا التوجه الإيراني الجديد تجاه أفريقيا في ظل حكم الرئيس هاشمي رافسنجاني، حيث قام في عام 1996 بزيارة لست دول أفريقية صحبه خلالها وفد رفيع المستوى مكون من محافظ البنك المركزي ووزراء المجموعة الاقتصادية. وطبيعي أن يستمر هذا التوجه الإيراني نحو دعم العلاقات الاقتصادية مع أفريقيا في ظل حكومة الرئيس محمد خاتمي الإصلاحية. إذ قام الرئيس خاتمي نفسه عام 2005 بزيارة سبع دول أفريقية.

وتشير بعض التقارير إلى أن تلك الهجمة الدبلوماسية الإيرانية الموجهة لأفريقيا قد تصاعدت بشكل واضح في ظل حكم الرئيس أحمدي نجاد. ففي عام 2009 وحده قام كبار المسؤولين الإيرانيين بنحو عشرين زيارة لأفريقيا. وتحاول الدبلوماسية الإيرانية كسر الحصار الغربي المفروض عليها من خلال اكتساب مناطق نفوذ جديدة في أفريقيا.

ففي العاصمة السنغالية داكار يوجد مصنع "خضرو" للسيارات الإيرانية. كما وعدت إيران الحكومة السنغالية ببناء مصفاة للنفط ومصنع للكيماويات وآخر للجرارات الزراعية. وتحتفظ إيران بعلاقات وثيقة مع كل من موريتانيا وغامبيا ونيجيريا.

كما تتمتع إيران بعلاقات قوية مع السودان، حيث تعد طهران أكبر مصدري السلاح للسودان. كما قامت في عام 2008 بتوقيع اتفاقية للتعاون العسكري بين البلدين. وأثناء زيارة الرئيس الإيراني لكينيا العام الماضي وافق على أن تصدر بلاده نحو أربعة ملايين طن من النفط الخام سنوياً لنيروبي, إضافة إلى تسيير خط طيران مباشر بين عاصمتي البلدين. وقدمت طهران كذلك منحاً دراسية للكينيين للسفر والتعلم في إيران.

ولا يخفى أن البعد النووي لم يكن خافياً في توجه إيران الأفريقي، حيث تسعى إيران إلى الحصول على اليورانيوم من الدول الأفريقية، وهو ما استهدفته زيارة أحمدي نجاد هذا العام لكل من أوغندا وزمبابوي. وإن كان المعلن عنه دائماً يتمثل في الترويج لمشروع إيران وحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

تركيا والحلم العثماني

"
جاءت عملية إعادة الاعتبار لأفريقيا في السياسة الخارجية التركية أواخر التسعينيات من العام الماضي. وهو يكاد يكون نفس التوقيت الذي أعادت فيه إيران تقويم سياستها الأفريقية
"
جاءت عملية إعادة الاعتبار لأفريقيا في السياسة الخارجية التركية أواخر التسعينيات من العام الماضي. وهو يكاد يكون نفس التوقيت الذي أعادت فيه إيران تقويم سياستها الأفريقية. بيد أن تجسيد هذا الاهتمام على أرض الواقع جاء متأخراً بعض الشيء في الحالة التركية.

ففي عام 2008 استضافت تركيا مؤتمر التعاون التركي الأفريقي بمشاركة ممثلين عن خمسين دولة أفريقية، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الدبلوماسية التركية. فما الذي أدى إلى هذا التحول في السلوك التركي الخارجي تجاه أفريقيا؟!.

من المعلوم أنه خلال فترة الدولة العثمانية خضعت بعض الدول الأفريقية كلياً أو جزئياً للحكم العثماني. بالإضافة إلى ذلك فقد امتد النفوذ العثماني حتى الجنوب الأفريقي. وعلى سبيل المثال أرسلت الدولة العثمانية الإمام أبو بكر أفندي إلى الجالية المسلمة في منطقة الكاب عام 1836 وذلك لتعليمهم أمور دينهم. على أن تأسيس الدولة التركية الحديثة في عام 1923 أدى إلى إهمال البعد الأفريقي للسياسة التركية.

ويبدو أن الحكومة التركية في نهاية التسعينيات أرادت أن تعيد أمجاد إمبراطوريتها العثمانية، وتبحث لها عن دور إقليمي فعال بعيداً عن سراب الانضمام للجماعة الأوروبية. ففي عام 1998 أصدرت تركيا وثيقة عن توجها الجديد تجاه أفريقيا أطلقت عليها اسم "السياسة الأفريقية". وتسعى هذه السياسة إلى تدعيم الروابط الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية التركية مع الدول الأفريقية.

وقد جعلت تركيا عام 2005 عاما لأفريقيا. فقد قام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في مارس/آذار 2005 بزيارة كل من إثيوبيا وجنوب أفريقيا، ليكون بذلك أول رئيس وزراء تركي يزور دولة جنوب خط الاستواء. وقد حصلت تركيا في نفس العام على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي. وفي أثناء القمة الأفريقية التي انعقدت في أديس أبابا عام 2008 تم الإعلان عن اعتبار تركيا شريكا إستراتيجياً لأفريقيا.

وقد استمر هذا التوجه التركي نحو أفريقيا وازداد قوة بعد القمة التركية الأفريقية عام 2008. ففي مارس/آذار من العام الحالي قام الرئيس التركي عبد الله غل بزيارة الكاميرون والكونغو، ولعل ذلك يعكس أهمية البعد الاقتصادي في التوجه التركي الجديد نحو أفريقيا. فالأتراك يصدرون السلع والمنتجات التركية لأفريقيا بدءاً من مساحيق الغسيل وحتى الملابس الجاهزة. كما أن شركات المقاولات التركية تساهم في بناء المطارات والمساكن والسدود في أفريقيا.

وتشير التقديرات إلى أن الصادرات التركية إلى أفريقيا قد قفزت من ( 1,5) مليار دولار عام 2001 لتصل إلى (10) مليارات دولار عام 2009. ويبدو أن الدبلوماسية التركية قد اعتمدت آلية مؤتمرات القمة لدعم التعاون مع أفريقيا، حيث تم الاتفاق على أن تنعقد قمة التعاون التركي الأفريقي مرة كل خمس سنوات، على أن تكون الدورة الثانية المقررة عام 2013 في عاصمة دولة أفريقية.

إسرائيل ومجالها الحيوي
مثلت أفريقيا منذ البداية أحد المحاور الأساسية لحركة إسرائيل الخارجية. ولعل فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تمثل العصر الذهبي للعلاقات الإسرائيلية الأفريقية. وقد كانت الدولة العبرية تحاول البحث عن شرعية وجودها من خلال علاقاتها الأفريقية من ناحية، ومحاصرة منظومة الأمن القومي العربي من خلال بوابة أفريقيا من ناحية أخرى. على أن حرب أكتوبر/تشرين الأول بين العرب وإسرائيل وانتفاضة القدس الأولى في أواخر الثمانينيات أدت إلى نوع من القطيعة في العلاقات الأفريقية الإسرائيلية.

"
إسرائيل تستخدم أدوات قوتها الناعمة المتعددة لكسب قلوب وعقول الأفارقة، ولاسيما في منطقة حوض النيل، وهو الأمر الذي يمكنها من استخدام ملف المياه للضغط على الإرادة المصرية, وهو ما ظهر مؤخرا
"
وعليه يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان لأفريقيا في سبتمبر/أيلول الماضي باعتبارها إحياء للدور الإسرائيلي التقليدي في المنطقة، وهو ما أعاد الروح مرة أخرى للعلاقات الإسرائيلية الأفريقية. فقد شملت هذه الجولة الأفريقية كلا من إثيوبيا وكينيا وأوغندا وغانا ونيجيريا.

وإذا كانت دوافع إسرائيل من تواجدها في أفريقيا قد انطلقت منذ البداية وفقاً لاعتبارات إستراتيجية واقتصادية وسياسية، فإنها اليوم تحاول مواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد في القارة، ومواجهة التيارات الإسلامية الجهادية في منطقة القرن الأفريقي.

لقد خاطب وزير الداخلية الكيني جورج سايتوتي كبار المسؤولين الإسرائيليين أثناء زيارته لإسرائيل في فبراير/شباط الماضي قائلاً: "إن الجهاديين يسيطرون على الصومال، وهم يهددون بالسيطرة على كينيا وسائر أنحاء أفريقيا. ولا أظن أنه يوجد من هو أكثر منكم خبرة في محاربة الإرهاب".

ويبدو أن إسرائيل تستعد لتكوين قوات مشتركة مع الكينيين لمراقبة حدود كينيا الشمالية الغربية مع الصومال. ولا شك أن هذا الحوار الإستراتيجي بين كينيا وإسرائيل يصب في مصلحة الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بمنطقة القرن الأفريقي.

فالدولة العبرية تسعى لتثبيت أقدمها في هذه المنطقة الحيوية بهدف مراقبة مداخل البحر الأحمر والتحكم فيها. ومن الواضح أن هذا الممر المائي يشكل نقطة ارتكاز أساسية للغواصات الإسرائيلية الحربية في حالة استهداف إيران إذا ما نشبت مواجهة عسكرية معها.

وعلى صعيد آخر فإن إسرائيل تستخدم أدوات قوتها الناعمة المتعددة لكسب قلوب وعقول الأفارقة، ولاسيما في منطقة حوض النيل، وهو الأمر الذي يمكنها من استخدام ملف المياه للضغط على الإرادة المصرية. وظهر ذلك بجلاء في الموقف العدائي غير المسبوق الذي تبنته دول أعالي النيل في مواجهة المصالح الإستراتيجية التاريخية لكل من مصر والسودان.

التحديات وآفاق المستقبل
يلاحظ أن المثلث الإيراني الإسرائيلي الأفريقي يواجه بتحديات خطيرة ربما يستفيد منها الأتراك في دعم وجودهم الإستراتيجي في أفريقيا. إننا أمام منافسة خفية محمومة بين إسرائيل وإيران على الساحة الأفريقية. فالدول الأفريقية التي يتبع معظم مسلميها المذهب السني تخشى من مسألة تصدير الثورة الإيرانية. ولا يزال التشيع هاجساً وعائقاً أمام تدعيم الوجود الإيراني في أفريقيا. كما أن الدول الأفريقية -التي لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة والغرب- لا ترغب في التضحية بمصالحها مع هذه الدول لصالح إيران.

"
التحديات التي تواجها كلا من إسرائيل وإيران في أفريقيا قد تفتح المجال واسعاً أمام الأتراك لإعادة تحقيق حلمهم العثماني على الأراضي الأفريقية, إذ إن نمط الإسلام التركي المعتدل الذي يتواءم مع تقاليد الديمقراطية الغربية ونمط اقتصاد السوق، يقدم نموذجاً يحتذى به لمسلمي أفريقيا
"
وفي المقابل فإن التعاطف الأفريقي مع القضية الفلسطينية قد يشكل تحدياً للوجود الإسرائيلي في أفريقيا. ففي أعقاب قطع العلاقات الدبلوماسية بين موريتانيا وإسرائيل العام الماضي جاءت إيران لتستغل هذه الفرصة السانحة حيث أعلنت أنها سوف تقوم بإدارة مستشفى السرطان العام في نواكشوط بدلاً من الإسرائيليين، حيث تعهدت طهران بتوفير الأطباء والمعدات اللازمة لتجهيز المستشفى.

ولا شك أن تلك التحديات التي تواجها كلا من إسرائيل وإيران في أفريقيا قد تفتح المجال واسعاً أمام الأتراك لإعادة تحقيق حلمهم العثماني على الأراضي الأفريقية. إذ إن نمط الإسلام التركي المعتدل الذي يتواءم مع تقاليد الديمقراطية الغربية ونمط اقتصاد السوق يقدم نموذجاً يحتذى به لمسلمي أفريقيا.

وعليه فإن كثيرا من المدارس والمساجد التي يقوم على إدارتها الأتراك في مختلف أنحاء أفريقيا لا تثير أي مخاوف كتلك التي يديرها الإيرانيون على سبيل المثال.

صفوة القول إذن، هي أن تدافع قوى الجوار الإقليمي غير العربية على أفريقيا في ظل حالة الضعف والوهن العربي الراهنة يشكل نيلا من المكانة الإستراتيجية للمنطقة العربية. كما أنه يؤدي في المدى المتوسط والبعيد إلى تهديد نظام الأمن القومي العربي في امتداده الأفريقي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك