توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


عنوان مقالتنا هذه أخذناه من تصريح لرئيس وزرائنا يتحدث فيه عن قانون الانتخاب المؤقت الذي تنوي الحكومة إصداره, والذي قال إنه وضع ليراعي"الخصوصية الأردنية". وهو قانون يناقش وتوضع صيغته ويقر في السر. وحتى كلمة "تناقش" تبدو غير ذات موضوع هنا, كون الجهة التي تفعل هذا إما أن تكون تناقش نفسها وتتفق مع نفسها بالإجماع.. أو أن تلك الجهة لا تناقش الجهة أو الجهات الأخرى التي تملي عليها المقاس والموديل وهي فقط تنفذ.

والشعب كله قلق من مخططات تستهدف الأردن لاح العديد منها في مشاريع تمهد لها قيل إنها محلية المنشأ. بعض أخطر هذه المشاريع أيضا لم يناقش علنا, بل ولم يعلن عن أي من تفاصيلها حتى بعد أن أعلن أنها وضعت قيد التنفيذ الفوري, كمشروع الأقاليم الذي تصدينا له قبل عام ونصف من على هذا المنبر, مما ألزم بكشف بعض ملامحه وانتهى بحشد شعبي أدى لإسقاطه.

ولكن دوائر الحكم المغلقة عادت لاستبداله "باللامركزية" الذي بدل أن يقسم البلد الصغير لثلاثة أقاليم, سيفتته لاثني عشر كيانا, كل بحجم محافظة بزعم أن لكل منها هوية و"خصوصية " تختلف عن جارتها التي يمكن الوصول إلى قلبها في أقل من نصف ساعة بالسيارة.. وفي تمهيد لهذا التقسيم جرت تزكية ومفاقمة النعرات العشائرية والعنصرية والفئوية بكل أشكالها التي تتفجر الآن بما يشبه القنابل العنقودية.

"
ما سُرّب عن قانون الانتخاب المؤقت الجديد لا يمثل أي إصلاح, بل هو يزيد الحال سوءا ليس فقط بالإبقاء على الصوت الواحد سيئ السمعة, بل بمزيد من تفتيت لدوائر أصغر يكون فيها مقعد واحد لكل دائرة
"

وما سُرّب عن قانون الانتخاب المؤقت الجديد لا يمثل أي إصلاح, بل هو يزيد الحال سوءا ليس فقط بالإبقاء على الصوت الواحد سيئ السمعة, بل بمزيد من تفتيت لدوائر أصغر يكون فيها مقعد واحد لكل دائرة.

وهذا لا علاقة له بالنظام البريطاني أو غيره, فالدائرة عندنا ستكون" افتراضية", في بدعة لم يعرفها العالم من قبل. ويتمثل افتراض الدائرة في تجميع المرشح لناخبيه من مختلف المناطق بعدد يؤهله ليصبح الناخبون دائرة بديلا عن المكان والسكان معا.

وهو ما يعني أن القادرين على شراء الأصوات تحديدا هم من يمكن أن يصلوا لمجلس النواب, كما يعني المزيد من التفتيت والتنافس والعداء بين قوى لم يعد هنالك ما يجمعها في ظل التسوق من هكذا مزاد, لا الحزب ولا البرنامج ولا العشيرة ولا حتى العائلة أو الحي الواحد.. وإذا كان مجلس النواب السابق الذي أنتج في ظل الصوت الواحد وتفتيت أقل للدوائر والولاءات, وشراء للأصوات أمكن قطع بعض الطريق عليه من بعض المرشحين المحترمين ذوي البرامج السياسية, قد جرى حله بعد انقضاء نصف مدته لسوئه البالغ .. فإن المجلس الذي سينتجه القانون "الافتراضي" ستلزم حتما "جلوته" عن البلد.

"الافتراضية" هذه هي ما يقلق كل الأردنيين وتعكسه كل الآراء والسجالات الجارية. الأردنيون من أصل فلسطيني اكتشفوا أن مواطنتهم وجنسيتهم الأردنية كانت افتراضية لا أكثر. والشرق أردنيون مذعورون من أن تكون دولتهم ذاتها حالة افتراضية بدأ يتكشف وجود مخططات أخرى بشأنها تستدعى إزالتها, كما تزال حاليا مجمعات الفقراء السكنية فيه خدمة لمشاريع المستثمرين الكبار. وبدأ البعض يوسّع ما ظن أنه موطن الشرخ بين مكوني الشعب الأردني في قسمة اعتمدت النهر الذي أخذ منه الأردن اسمه.

ولكن وفي أوج الحديث عن القسمة بين ضفتي النهر, وأثناء الإعداد للقسمة "الاثنى عشرية", صحا الكل على كم هائل من التفسخ والهدم والتدمير المعنوي والمادي للبلد في اقتتال بين عشائر وأسر البلدة الواحدة, وليس فقط المحافظة الواحدة. ولهذا لقي تقييما عاليا من قبل القراء مقال كان أول من دب الصوت معلنا الداء الأخطر بقوله "ماذا فعلتم بالأردنيين؟؟".

ويشخص الكاتب فهد الخيطان بأسى حال مجتمع بات "عالقا في الفراغ... خسر البنى القديمة العشائرية ولم يطل الجديد في صورة دولة مؤسسات وقانون, وبات الأردنيون يقتلون بعضهم البعض بسهولة ولأتفه الأسباب, وبات حرق المنازل والمحال الخاصة والممتلكات العامة وتهجير العائلات سلوكا ملازما لكل جريمة فردية لا تلبث أن تتخذ الطابع العشائري". والأدهى أن نخبا متعلمة باتت تشارك في هذا بحيث الذي أصبح يتجاوز أخذ هؤلاء القانون بيدهم.

وإضافة للاحتقان والإحباط الذي يسببه القمع والفقر والبطالة الناتجة عن استشراء الفساد, لاحظ الباحثون العلاقة القوية بين الاقتتال والتدمير الجاريين وبين الاستحقاقات الانتخابية التي لا تستطيع الحكومة تحاشيها بأكثر مما فعلت, فعادت لتفعل الولاءات الضيقة عبر ما تسربه عن قانون الانتخاب الجديد بما يضمن تدميرا ذاتيا للعملية الانتخابية, بات يطال ما هو أخطر منها.

"
أغلب حالات المشاجرات التي جرت في المدن والقرى الأردنية في السنة الأخيرة, يمكن بسهولة ملاحظة حضور عنصر الانتخابات فيها
"
وكما تقول مقالة مضيئة للكاتب أحمد أبو خليل, "أغلب حالات المشاجرات التي جرت في المدن والقرى الأردنية في السنة الأخيرة, يمكن بسهولة ملاحظة حضور عنصر الانتخابات فيها. ويقوم الزعماء الجدد أو الساعون إلى زعامة انتخابية بمهمة إدارة هذا البعد بغية تحقيق التفاف عشائري حولهم... من خلال الشحن الداخلي واتهام العناصر التي تميل إلى التهدئة بأنها معادية للعشيرة وصورتها... وكون أغلب الزعماء الجدد من المقتدرين ماليا يمكنهم من تجنيد عدد من الشباب لصالح مواقفهم ويتم دفع هؤلاء الشباب إلى التصدي للوجوه والزعامات المحترمة التي تبدي استعدادا للتهدئة". وهو ما لا يمكن أن يجري لولا أن الدولة ذاتها ظلت تمعن في تهميش القيادات العشائرية الحقيقة المعتبرة لصالح قيادات بديلة تنصّبها عليهم, منذ بدأ الزعماء الحقيقيون بالمطالبة بالديمقراطية وبدستور ينظم علاقتهم بالحكم عند قيام الإمارة.

وفي مقالة حديثة جدا لكاتب يعتبر ممثلا لأقصى اليمين الشرق أردني, نجده يشكو من كون النخب الأردنية عاجزة عن لعب أدوار مؤثرة لكونها "مصنّعة حكوميا" ويتم اختيارها بغض النظر عن كل جدارة, ما أورث الأردنيين حالة فراغ وتوتر.

أما اصطناع نشطاء شبابيين, وبخاصة في صفوف الشباب الجامعي, فللأجهزة الرسمية دور تاريخي فيه. والسيد زيد الرفاعي, رئيس الوزراء الأسبق ووالد الرئيس الحالي, ممن يجهرون باتهام أجهزة أمنية رئيسة بأنها ساهمت في تحريك مظاهرات طلابية في الجامعة الأردنية ضده شخصيا في انتفاضة نيسان عام 89. وبغض النظر عن دقة هذا الاتهام فإن قوله هذا يؤكد تدخلا سابقا لجهات رسمية باستقطاب طلبة للعمل معها أو بوحيها.

والتعامل مع الشباب الجامعي لا يخرج عن فقه الدولة في رفض الديمقراطية, فقد جرى منع تاريخي لاتحادات الطلبة ومجالسهم المنتخبة مواز لإعلان الأحكام العرفية عام 57. وبعد أن اضطرت الدولة لإعادة الحياة النيابية عام 89, عاد مسلسل تصنيع وتنصيب ممثلي الشعب يتطور من مجلس لآخر.. ومثله تصنيع وتنصيب ممثلي الطلبة في مجالسهم. وما جرى اشتراطه مؤخرا للترشح لانتخابات "الجامعة الهاشمية " مما يتيح لمنظمي الانتخاب استثناء من شاؤوا من الترشح, يمثل في الحقيقة امتدادا لما أضيف من شروط غير دستورية لقانون الانتخاب المؤقت لمنع قيادات بعينها من الترشح ابتداء.

"
تفتيت الوطن إلى ولاءات ضيقة وسيطرة التنمّر السياسي المالي الذي همش منظومة الحقوق والواجبات وسيادة القانون, أدى لتضخم الأنا عند الشباب من أتباع المتنمرين
"
تفتيت الوطن إلى ولاءات ضيقة وسيطرة التنمّر السياسي المالي الذي همش منظومة الحقوق والواجبات وسيادة القانون, أدى لتضخم الأنا عند الشباب من أتباع المتنمرين. وزاد من خطورة هذا سهولة وشيوع حمل السلاح وبخاصة بين الشباب العشائري. بل إن مشروع الأقاليم كان ينص على أن ترخيص استيراد وبيع وحمل السلاح في الأقاليم من صلاحيات مفوض الإقليم وليس الدولة المركزية. وهو ما يجب أن يذكّرنا بالأنا المتضخمة مع توفر السلاح لبعض شباب التنظيمات الفدائية في الفترة ما قبل أحداث أيلول عام 70.

فهو مما "مهد" (وهي غير"أدى") لتلك الأحداث التي كادت أن تتحول لحرب أهلية, لولا وساطة الرئيس عبد الناصر. فحال مماثل أدى فعلا لحرب أهلية في لبنان, مهدت لاحتلال إسرائيل لبيروت ذاتها وزرعها لفتنة لم يتمكن -أو لم يشأ- النظام العربي الذي غاب عنه قائده من استئصاله ليومنا هذا. وعلى من يقول إننا مستهدفون بمخططات إسرائيلية أن يتوقف عند الوسائل الإسرائيلية.

وقد سبق وأشرنا في مقالات سابقة لأهم وسيلة تتبعها إسرائيل للتأسيس للوطن البديل, وهي إفراغ الأردن من أي معنى للدولة, بدءا بالمؤسسية بكل تفاصيلها السيادية. وإنهاء سيادة أية دولة يبدأ بإنهاء سيادة شعبها على قراراتها وثرواتها. ويأتي في مقدمة مؤسسات الدولة السيادية برلمان وحكومة منتخبتان, وقضاء مستقل نزيه يعمل تحت سقف دستور يضمن حقوق المواطنة ومساواة المواطنين أمام القانون. ولكن ليُمكن لإسرائيل القول إن هذه الأرض المسماة الأردن ليست دولة بل هي الأرض التي بلا شعب (بعد أن سقطت مقولة أن فلسطين أرض بلا شعب) التي يمكن توطين الفلسطينيين الذين سيجري بحقهم "ترانسفير" من كامل فلسطين, فيها.. يتوجب أن يبدو الشعب الأردني ذاته وكأنه متواطئ مع الافتئات الجاري على مؤسسات الوطن وعلى حقوق المواطن الدستورية.

وأفضل ما تطمح له إسرائيل لنفي وجود دولة وشعب هنا, أن يبدو أن الأردن لا يقطنه سوى بعض القبائل المتفرقة المتنازعة, بل والمتنقلة التي يمكن أن تتابع تنقلها وترحالها جنوبا وشرقا.

ومن هنا خطورة (والأرجح عدم براءة) استحضار مفاهيم قبلية مثل "الجلوة" التي تجري المطالبة بها بعد كل جريمة يرتكبها سفهاء. وتدمير البيوت والمحال هو ضغط باتجاه الجلوة وجزء منها. فالجلوة هي جلاء عشيرة القاتل, حفاظا عليها من الانتقام, عن المنطقة التي تسكنها عشيرة القتيل. وهي كانت ممكنة في عهد القبائل البدوية الرحّل وضرورة قبل عهد الدولة وسيادة قوانينها. ولكنها غير ممكنة بتاتا في زمن الاستقرار الزراعي والحضري, والمطالبة المتكررة بها إيحاء بغياب المدنية, وأن السكان من القبائل ما زالوا بدوا لم يتوطنوا في مناطق سكن دائمة بما يقيم دولة. ومثلها المطالبة المتكررة بشطب مواطنة فئة من المواطنين بما يعني إجلاءهم السياسي, والذي يفتح على الإجلاء الفعلي.. أو ما هو أسوأ وهو خلق طبقة بدون حقوق أو بحقوق منقوصة.

ولا يسعف التعذر بأن إسرائيل تمارس الإجلاء وانتقاص حقوق العرب منذ قيامها, فإسرائيل كيان غير شرعي وهي تعرف هذا أفضل من غيرها. ولكنها لتؤسس لشرعيتها بزعم أنها شعب ودولة, تمارس في داخلها وفي تعاملها مع قومها اليهود غير ما نفعل, سواء بالديمقراطية أو بالتساهل في شروط مواطنتها بالعودة بنسب مواطنيها لآلاف السنين, أو بقبول ولائهم لها بدليل يهوديتهم.. بينما نحن, للأسف, لا نعود فقط لستين عاما لنرسّم القسمة, بل ونقفز عن حقيقة أن المملكة قامت على وحدة شعبين مختلطي الأصول ومكان تولد الجدود قبل هذا بقرون, لننبش فيمن صدف أنه كان في زيارة للضفة الغربية أو للشرقية عام 88 عندما جرى إلقاء خطاب سياسي, لا أكثر, محكوم بكل مصالح السياسة المتغيرة. وهو خطاب لا يخدم قائله ولا يعزز موقعه السياسي الشروع في نبش الأصول والمنابت ومن جاء من أين ومتى لإعادة تعريف وتوزيع الحقوق السياسية في الأردن.

"
الحل الأمني للاقتتال الجاري غير مجد ويفاقم المشكلة, فقد تدهورت علاقة وثقة الناس بالمؤسسات الأمنية, فتصدوا لها بما أدى إلى مزيد من تراجع هيبة أجهزة الأمن والدولة من ورائها
"
الحل الأمني للاقتتال الجاري غير مجد ويفاقم المشكلة, فقد تدهورت علاقة وثقة الناس بالمؤسسات الأمنية, فتصدوا لها بما أدى إلى مزيد من تراجع هيبة أجهزة الأمن والدولة من ورائها. والحكومة غير مؤهلة ومتوارية ويقال إنها استنجدت بالملك لأن كافة الأطراف, حتى تلك المتقاتلة, تجمع على إدانتها.. فكان لا بد من تحرك من يعنيهم الأمر مباشرة. ففتح سجال غير مسبوق لم يعد يقبل التوقف عند ما يقال إنها محرمات, وسيلته مقالات وبيانات وتعليقات القراء عليها. أبرز ما استجد فيها كان بيان المتقاعدين العسكريين ومقابلة رئيس الوزراء ومدير المخابرات الأسبق الأستاذ أحمد عبيدات في يومية "الغد" ثم مقالته على الجزيرة نت, وأخيرا بيانه الذي وقعه لحينه الآلاف. ومقابل أصوات رسمية المتن دعت لعقاب العسكريين لتدخلهم في الشأن السياسي(مع أنه كان يتم تاريخيا "تصنيع" انتقائي لنخب سياسية من بين متقاعديهم بات يجري زعم انتخابها مؤخرا), جرى ترحيب شعبي بأغلب ما جاء في بيانهم, وتحفظت أغلبية من كافة الأصول على جزء من البيان جانب الصواب والدستورية.

أما ما جاء في مقابلة ومقالة الأستاذ عبيدات, فقد حظي بالتفاف شعبي حوله يظهر أين تقف غالبية الشعب, متجاوزة اختلافاتها وخلافاتها القديمة والمستجدة, محاولة أن تجعل من الانتخابات القادمة وسيلة لـ"لم شمل" المجتمع الأردني -حسب تعبير رئيس تحرير العرب اليوم- "وانتشاله من حفرة الثقافات الجزئية والعصبوية والإقليمية والعشائرية التي أنتجتها الدوائر الضيقة والصوت الواحد". وكلاهما, وكل من يقرأ له إن كتب ويصغى إليه إن تكلم, يصرّ على ضرورة اعتماد القائمة النسبية لما لا يقل عن نصف مقاعد المجلس القادم.

فالنواة التي أنتجت المجتمع الأردني ليست تجميعية, بل هي نتيجة انصهار كتلة سكانية من مختلف المنابت والأصول. ومحاولة تفتيت النواة تحدث تفجيرا مدمرا.. وتلك هي "خصوصية " المجتمع الأردني الذي يجب أن تُراعى بحزم لم يعد يحتمل لا "رجعية" المحافظين, ولا "خفة " الديجتاليين الذين يظنون أن الأردن وشعبه مجرد لعبة "افتراضية" على شاشات حواسيبهم.

المصدر : الجزيرة