علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


عود على بدء
اللقاء وتعزيز الأدوار
موسكو والمصالحة الفلسطينية

شكل اللقاء الثلاثي الذي جمع كلاً من الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في دمشق أثناء الزيارة الأخيرة للرئيس الروسي لسوريا، واحدة من أهم المحطات الملفتة للانتباه في زيارة الرئيس ميدفيديف لدمشق، وواحدة من أهم العلامات الصارخة المؤشرة على بوصلة السياسة الروسية للمرحلة التالية بخصوص الشرق الأوسط، في ظل الجهود التي تبذلها موسكو لإعادة تكريس تموضعها السياسي في المنطقة، وتحديداً في قوس بلاد الشام التي كانت على الدوام ساحة وجود تاريخي للاتحاد السوفياتي في ظل العلاقات السوفياتية السورية في العقود الماضية. فما هي الرسالة أو الرسائل التي أطلقها اللقاء الثلاثي بدمشق؟

عود على بدء
لم تأت المفاجأة بعقد اللقاء الثلاثي الذي جمع الأسد وميدفيديف ومشعل من فراغ، فقد جاء اللقاء في سياقات مدروسة أرادت من خلالها قيادة الكرملين تحقيق جملة من الإجازات السياسية الخارجية، والانتقال من صفوف المتفرجين على الحدث إلى صف العاملين والمقررين بالشأن الدولي والقضايا الكبرى الساخنة في العالم بعد سنوات من التهميش والتجاهل الأميركي، والعبث الخارجي بأوضاعها الداخلية في مناطق جمهوريات الحكم الذاتي في منطقة القوقاز، والزنار المحيط بها عند تخوم جمهوريات آسيا السوفياتية السابقة (أذربيجان، قرغيزيا، تركمانستان، أوزبكستان، طاجكستان).

وسبق الخطوة الروسية الأخيرة التي تمت في دمشق، خطوات متتالية في مسار العلاقات الروسية مع حركة حماس، ابتدأت منذ إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية الفلسطينية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والتي جرت في يناير/كانون الثاني 2006، وهي الانتخابات التي كرست بنتائجها حضور حركة حماس كقوة أساسية في المعادلة الفلسطينية وحتى الإقليمية، ومن حينها فإن المعلومات والحراكات اليومية كانت تشير إلى انفتاح روسي على حركة حماس شبيه -إلى حد ما- بمسيرة الانفتاح السوفياتي التي ابتدأت مع منظمة التحرير الفلسطينية إبان فترات الصعود الأولى للمنظمة منذ بداية العام 1968.

"
من خلال اللقاء الثلاثي أرادت قيادة الكرملين تحقيق جملة من الإنجازات السياسية الخارجية، والانتقال من صفوف المتفرجين على الحدث إلى صف العاملين والمقررين في الشأن الدولي والقضايا الكبرى الساخنة في العالم بعد سنوات من التهميش
"
وانطلاقاً من المعطيات التي أفرزتها وقائع الحياة السياسية بعيد انتخابات 2006 داخل فلسطين، فإن اتصالات وعلاقات حركة حماس المتنامية مع روسيا جاءت تشير في جانب منها إلى التذكير بأن وقائع الحياة السياسية ومصالح المنظومات الدولية المختلفة تستوعب بالضرورة كل المتغيرات، خصوصاً أن المتغير الفلسطيني الذي فتح الأبواب أمام بناء العلاقات الروسية مع حماس تمثل في صعود وارتقاء الحركة بطريقة ديمقراطية شفافة ونظيفة، لا يمكن الطعن بها أو تكفيرها، فهي نتاج خيارات شعبية في ظل تراجع باقي القوى وتقوقعها وانعزالها.

ومن هنا بالضبط، وبعيد الانتخابات التشريعية لعام 2006 في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، بدأت قصة الاتصالات الروسية مع حركة حماس بوتائر كثيفة ويومية على مستويات مختلفة، كان أكثرها تواتراً لقاءات قيادة حماس مع وزير الخارجية ألكسندر لافروف في زياراته المتعددة للمنطقة، وفي زيارات المبعوث الروسي ألكسندر سلطانوف، وهو شخص دبلوماسي مرموق ورفيع المستوى منذ زمن الاتحاد السوفياتي، ومن الملمين والمتابعين لأوضاع المنطقة وللأوضاع الفلسطينية على وجه الخصوص، ويتكلم اللغة العربية بفصاحة عالية.

ولم تتأثر أو تنقطع تلك الاتصالات الحمساوية الروسية رغم العزلة السياسية التي أوجدتها وشكلتها الولايات المتحدة واللجنة والرباعية الدولية بحق حماس، علماً بأن روسيا من أقطاب الرباعية، لكنها فضلت تمييز مواقفها خارج إطار الرباعية الدولية بهذا الشأن. وقد أجاب الرئيس الروسي ميدفيديف بوضوح وصراحة في معرض رده على الأطراف التي تنتقد علاقات روسيا مع حماس بقوله "إن قطاعات هامة من الشعب الفلسطيني هي من اختارت حركة حماس وليست روسيا من قام بذلك".

وفي هذا المسار جاءت عملية ولوج خالد مشعل وقيادة حماس إلى الساحة الحمراء وقصر الكرملين في أربع زيارات علنية متتالية لموسكو، وصولاً إلى اللقاء الأخير مع الرئيس ميدفيديف وتحديداً في دمشق، حيث تشير العديد من المصادر المتابعة إلى أن موسكو -ومن منطلق تجربتها الفلسطينية- على قناعة شبه كاملة بأنها تتعاطى مع حماس كوزن سياسي على الأرض كما هو الحال مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكطرف سياسي محنك ومشبع بالروح البراغماتية العالية كما كان الأمر مع حركة فتح وقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات منذ العام 1969 حين رافق الأخير الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في زيارته الأولى إلى موسكو، مع فارق الظروف والمعطيات.

اللقاء وتعزيز الأدوار
ومن جانب آخر، جاء اللقاء الثلاثي الذي جمع الأسد وميدفيديف ومشعل في دمشق معززاً من محورية وأساسية الدور الإقليمي السوري من جهة، وتكريساً لحضور وفعل وتأثير حركة حماس في المعادلة الفلسطينية بشكل خاص، وفي معادلة العملية السياسية في الشرق الأوسط بشكل عام، وبالتالي الاعتراف الرسمي بها كحزب سياسي فلسطيني له مدلولاته السياسية في الوضع الفلسطيني، ويعبر عن وجهة نظر قطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني.

ومن هنا، فقد أكد ميدفيديف في لقائه مع مشعل أنه يلتقي مع حماس كحركة تحرر وطني لها مطالب مشروعة، داحضاً الموقف الأميركي وبعض المواقف الأوروبية التي وضعت الحركة وغيرها من القوى والفصائل الفلسطينية على لائحة المنظمات الإرهابية في العالم.

عدا ذلك، فإن الاجتماع الثلاثي أرسل صرخة تحدٍّ روسية عالية النبرة للمواقف الأميركية الإقصائية المنحازة وغير المتوازنة في إدارة عملية التسوية على مساراتها المختلفة. كما أرسل في الوقت نفسه رسالة لدول الاتحاد الأوروبي التي تجري حوارات سرية خلف الكواليس وتحت الطاولة مع حركة حماس، لدفعها نحو الانطلاق بشجاعة في تبني خيارات مغايرة لخيارات الإدارة الأميركية، والانتقال في الحوار مع الحركة من تحت الطاولة إلى فوقها، وتجاوز الأدوار المرسومة لها من الوجهة الأميركية كدول مانحة وممولة اقتصادياً لعمليات التسوية فقط.

"
اجتماع دمشق الثلاثي كان رسالة مفادها بأن سياسة حصار قطاع غزة وقوى المقاومة الفلسطينية وحتى السلطة الفلسطينية وممارسة الضغوط اليومية عليها من قبل الولايات المتحدة، وتجديد العقوبات على سوريا, سياسة خاطئة ومضللة لا تحظى بإجماع دولي
"
وفي هذا الإطار فإن كسر روسيا لشروط الرباعية الدولية القاضية بعدم اللقاء مع حماس إلا بعد استجابتها لشروطها المعروفة، يدلل بأن مواقف روسيا الحالية تشير إلى أنها تسير باتجاه تفكيك شروط الرباعية الرافضة للتعامل مع الحركة بمواقفها الراهنة، وهو أمر مفيد في كل الحالات للشعب الفلسطيني وللمواقف العربية في سياق الصراع مع المشروع التوسعي الاستيطاني الصهيوني على المديين المتوسط والبعيد وليس القريب، ويسهم في كسر حالة التفرد والأحادية والانحياز التي تمارسها الولايات المتحدة في سياق إدارتها ورعايتها لعملية التسوية المأزومة في المنطقة.

إن اجتماع دمشق الثلاثي كان أيضاً رسالة مفادها بأن سياسة حصار قطاع غزة وقوى المقاومة الفلسطينية وحتى السلطة الفلسطينية وممارسة الضغوط اليومية عليها من قبل الولايات المتحدة، وتجديد العقوبات على سوريا الذي أقِر مؤخراً، سياسة خاطئة ومضللة ولا تحظى بإجماع دولي، وبأن هناك أطرافاً ومنابر وعواصم دولية هامة -مثل موسكو- هي على الطرف الآخر من هذه السياسات.

وفي مقاربة بسيطة لواقع الحال، بدا هذا الاجتماع الثلاثي للعديد من المراقبين شبيهاً في الشكل والمضمون، وفي رسالته الصارخة، باللقاء الثلاثي الذي عقد في مارس/آذار الماضي، والذي جمع الرئيسين السوري بشار الأسد والإيراني محمود أحمدي نجاد وزعيم حزب الله اللبناني الشيخ حسن نصر الله. فقد كان الاجتماع المذكور بمثابة تعزيز لحضور وفاعلية سوريا وإيران والمقاومة اللبنانية في مسار البحث عن حلول سياسية في المنطقة.

موسكو والمصالحة الفلسطينية
ويلاحظ أن موسكو مهتمة بإصلاح الحال في البيت الفلسطيني والوصول إلى المصالحة الفلسطينية الداخلية، على النقيض من المواقف الأميركية التي تعمل في الواقع العملي على تكريس حالة التشرذم والانقسام الفلسطيني لهدف واضح بسيط يتمثل في إضعاف مجمل الحالة الفلسطينية، وبالتالي فرض المزيد من الإملاءات على السلطة الفلسطينية التي وجدت نفسها الآن ضعيفة حتى في المفاوضات غير المباشرة المسماة بمفاوضات التقريب.

ومن هنا فإن اللقاء الثلاثي بحث عدة نقاط خاصة بالوضع الفلسطيني، وبشكل رئيسي مسألة المصالحة الفلسطينية وأسباب تعثرها وكيفية تذليلها، مع التأكيد على تقديم العون لتذليل هذه الصعوبات، إضافة إلى بحث موضوع الحصار المفروض على غزة والتأكيد على ضرورة فكه.

فدخول روسيا على خط المصالحة الوطنية الفلسطينية سيؤثر بشكل مباشر على الأطراف المتحكمة والممسكة بالقضية الفلسطينية، خصوصاً الولايات المتحدة التي تعيق عملياً إتمام المصالحة.

وفي هذا السياق، فإن موسكو التي ارتبطت تاريخياً بعلاقات ممتازة مع منظمة التحرير الفلسطينية وكانت من أولى دول العالم غير العربية التي اعترفت بالمنظمة وبشرعيتها وشرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني، يمكنها أن تلعب دوراً إيجابياً هاماً ومؤثراً من أجل التوصل إلى إقرار المصالحة وجسر الهوة بين قطبي المعادلة الفلسطينية، وهو ما بان واضحاً في دعوة الرئيس ميدفيديف خالد مشعل إلى العمل من أجل تحقيق المصالحة بين حركتي فتح وحماس على أساس مبادئ الإجماع الوطني التي قامت عليها منظمة التحرير ومن أجل تعزيزها، مشدداً على أهمية الأخذ بمبادرات الوساطة في مسألة المصالحة الفلسطينية.

"
موسكو تقرع الأبواب بدقات قوية تذكر العالم بأنها ما زالت الشريك والراعي الدولي القوي في إطار اللجنة الرباعية.. الشريك القادر على فرملة اندفاعات السياسة الأميركية، وبأنها ما زالت تتمايز بحدود معقولة عن الموقف الابتلاعي لواشنطن
"
وفي هذا المقام، فإن مواصلة فتح النوافذ الدولية أمام حركة حماس يتطلب منها الانتقال من موقع البعيد عن الإطار التمثيلي الأوسع للشعب الفلسطيني وهو منظمة التحرير، لصالح الاندماج تحت مظلتها الائتلافية وبرنامجها الوطني باعتبارها المرجعية الشاملة لكل الفلسطينيين في الداخل والشتات، والطرف المسؤول عنه في نهاية المطاف وفقاً لما تم التوافق عليه في الحوارات الفلسطينية التي جرت بالقاهرة في مارس/آذار 2005.

فانضواء حماس داخل أطر ومؤسسات منظمة التحرير الواحدة الموحدة وتحت سقف برنامج الإجماع الوطني المنشود، سيعطيها دفقاً جديداً مؤثراً يغذي تجربتها في ظل ارتقائها مواقع المسؤولية، ويوفر لها سبل النجاح في إطار قاعدة "اللعبة الديمقراطية" التي توافق عليها الفلسطينيون في وثيقة عام 2005.

أخيراً، فإن لقاء ميدفيدف مع مشعل إشارة إضافية إلى أن يد إسرائيل والولايات المتحدة لن تكون اليد الطولى على طول الخط، وأن علائم المسار لا ترتسم دوماً داخل أروقة وغرف القوى المتحكمة بالسياسات الدولية الخارجية.

كما أن موسكو التي وجدت نفسها مهمشة على امتداد الفترة الطويلة الماضية، تخطو الخطى بجرعات التفاؤل لإعادة المجد الضائع، فهي وريثة الإمبراطورية السوفياتية ومن قبلها القيصرية، ومن هنا تعمل للولوج إلى دائرة الفعل بعد سنوات من الإقصاء والعزل الذي مورس بحقها من قبل الإدارة الأميركية، وتقرع الأبواب بدقات قوية تذكر العالم بأنها ما زالت الشريك والراعي الدولي القوي في إطار اللجنة الرباعية.. الشريك القادر على فرملة اندفاعات السياسة الأميركية، وبأنها ما زالت تتمايز بحدود معقولة عن الموقف الابتلاعي لواشنطن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك