خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري

جدل التعديل والإصلاح
سيناريوهات بينها الأسود

ضرورة الإصلاح

مع قبول المحكمة العليا في تركيا النظر في الطعن الذي تقدم به حزب الشعب الجمهوري المعارض في التعديلات الدستورية التي صوت عليها البرلمان مؤخرا، دخلت معركة التعديل الدستوري في البلاد مرحلة جديدة.. معركة تحولت إلى ما يشبه مباراة ملاكمة لا يعرف كيف ستنتهي.

وقد ارتكز قبول المحكمة للطعن على مسألتين: أولاهما تتعلق بالجسم القضائي وهيكلية المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، في حين تتعلق الثانية بالاستفتاء المقرر في سبتمبر/أيلول المقبل حيث طالبت المعارضة بوقفه إلى حين صدور قرار المحكمة الدستورية العليا.

"
معركة تعديل الدستور ليست مجرد تعديل في بعض المواد التي لم تعد صالحة للعمل بها, بل ينبغي النظر إليها كقضية مصيرية لطرفي الصراع, تتعلق بنظرتين مختلفتين في إدارة البلاد وخياراتها السياسية
"

جدل التعديل والإصلاح
رزمة التعديلات الدستورية التي نجح حزب العدالة والتنمية الحاكم في التصويت عليها من داخل البرلمان، شملت 29 مادة تتعلق معظمها بالجسم القضائي (أخفق في تمرير مادة واحدة تتعلق بحظر الأحزاب من داخل البرلمان بدلا من المحكمة الدستورية) جاءت بأغلبية تتراوح بين 331 و340 صوتا, وهي نسبة تسمح بالذهاب إلى استفتاء شعبي بعد مصادقة الرئيس عبد الله غل عليها.

ومع أن هذه المصادقة جاءت سريعة فإن المفاجأة الأولى في سياق المعركة القانونية الجارية جاءت من لجنة الانتخابات العليا التركية عندما حددت 12 سبتمبر/أيلول المقبل موعدا للاستفتاء، بعدما توقع حزب العدالة والتنمية أن يكون الموعد في يوليو/تموز المقبل.

وقد بررت اللجنة قرارها باعتمادها مدة 120 يوما بدلا من 60 يوما, وهي المهلة المقررة قانونيا بين التصديق الرئاسي والاستفتاء قبل تعديل المدة مؤخرا إلى شهرين, باعتبار أن التعديل القانوني لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد سنة من إقراره. لكن البعض يرى أن موعد 12 سبتمبر/أيلول لم يكن دون معنى, فهو يوافق الذكرى الثلاثين للانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال كنعان إيفرين ومن ثم قيام الجيش إثر ذلك بوضع الدستور الحالي المعمول به حاليا, والذي يلخص بمقولة "الجيش يحمي الدستور, والدستور يحمي الجيش".

وعليه فإن الموعد المذكور له رمزية محددة لدى القوى العلمانية المحسوبة على الجيش, حيث سبق أن هدد الجنرال إيفرين بالانتحار إذا سمحت التعديلات الدستورية بمحاكمة قادة الانقلاب العسكري, وهو ما صوت عليه البرلمان.

في الواقع, وبغض النظر عن هذا الجدل القانوني فإن معركة التعديل الدستوري فجرت جدلا متفاقما بين حزب العدالة المسيطر على البرلمان والحكومة من جهة، وبين القوى التقليدية المصنفة في خانة العلمانية والمؤلفة بشكل أساسي من مؤسسات الجيش والقضاء والتعليم العالي من جهة أخرى. ويأتي هذا التفجر تعبيرا عن أزمة بنيوية لها علاقة بطبيعة النظام وتركيبته وآلياته, وعليه ينبغي عدم النظر إلى معركة تعديل الدستور التي تمس قضايا حساسة على أنها مجرد تعديل في بعض المواد الدستورية التي لم تعد صالحة للعمل بها, بل ينبغي النظر إليها كقضية مصيرية لطرفي الصراع, إذ إنها تتعلق بنظرتين مختلفتين للدولة والمجتمع والدين وآلية إدارة البلاد وخياراتها السياسية.

ومن هنا تنبع أهمية المعركة المحتدمة بهذا الخصوص والتي تأخذ طابع الإصلاحات الدستورية والسياسية بنظر حزب العدالة وزعيمه رجب طيب أردوغان, في حين ترى الأوساط المعارضة لها أنها بمثابة انقلاب أبيض على آلية إدارة مؤسسات البلاد والتي تمثل الإرث السياسي للأتاتوركية.

"
القوى المعارضة للتعديلات ترى أن حزب العدالة يريد من ورائها وضع يده على مؤسسات القضاء وتحقيق انقلاب مدني ضد الجسم القضائي, تمهيدا لتحقيق المزيد من أسلمة الدولة والمجتمع
"
حزب العدالة -وعلى رأسه أردوغان- ينطلق في معركته للتعديل الدستوري من قضيتين: الأولى تعزيز فرص الانضمام إلى العضوية الأوروبية عبر تحقيق معايير كوبنهاغن, وعليه فإن التعديلات المذكورة تحظى بمباركة أوروبية غير معلنة.

والثانية, التطلع إلى ترتيب البيت الداخلي في إطار مسيرة إصلاح سياسي يسعى الحزب إليها منذ تسلمه السلطة عام 2002، والتي كانت من معالمها إعادة هيكلة مجلس الأمن القومي وتقليص سلطاته التنفيذية, بما أدى إلى الحد من الدور الكبير للجيش في الحياة السياسية لصالح الحكومة المدنية، بعدما كان طوال العقود الماضية هو من يعطي الأوامر للحكومة على شكل توصيات ملزمة التنفيذ عبر مجلس الأمن القومي. وعليه يرى أردوغان أن مسألة الإصلاح السياسي أصبحت أولوية سياسية لا رجعة عنها.

في المقابل, ترى القوى المعارضة للتعديلات الدستورية أن حزب العدالة والتنمية يريد من ورائها وضع يده على مؤسسات القضاء وتحقيق انقلاب مدني ضد الجسم القضائي تمهيدا لتحقيق المزيد من أسلمة الدولة والمجتمع. كما ترى أن عملية التعديل أعدت بطريقة بعيدة عن التوافق السياسي, وهو ما قد يقود إلى تداعيات خطيرة حسب دينيز بايكال الذي قدم مؤخرا استقالته من زعامة حزب الشعب الجمهوري إثر فضيحة جنسية. بل إن بايكال ذهب إلى حد التحذير من الاستمرار في مساعي التعديل, وهو تحذير قال البعض إنه يشكل دعوة صريحة إلى الجيش للقيام بانقلاب عسكري إذا أصر حزب العدالة على التعديلات الدستورية.

وعلى غرار حزب الشعب يرى حزب الحركة القومية المتطرفة أن التعديلات الدستورية ستؤدي إلى انفتاح الحريات الاجتماعية والشخصية بشكل كبير وبالتالي استفادة الحركة الكردية منها, بما يشكل ذلك خطرا على القومية التركية كما يرى الحزب المعروف بتطرفه القومي ونهجه الطوراني.

وعلى المستوى الكردي, جاء رفض حزب السلام والديمقراطي للتعديل الدستوري بعدما رفض حزب العدالة إدخال تعديلات قدمها الحزب لها علاقة بخفض النسبة المطلوبة لدخول الأحزاب إلى البرلمان من 10 إلى 3% في الانتخابات, وتعديل المواد المتعلقة باللغة الأم وحق تعلمها, وإلغاء عقوبة منع ممارسة العمل السياسي عن أي فرد, واعتماد تركيا وليس العرق التركي هوية لمسألة الانتماء.

"
السيناريو الأسود
لا يعني فقط أن المحكمة قد ترفض التعديلات الدستورية, وإنما أيضا حظر حزب العدالة ومنع قادته -وأولهم أردوغان- من ممارسة العمل السياسي، وإسقاط عضوية البرلمان عن نواب الحزب
"

سيناريوهات بينها الأسود
ثمة قناعة لدى حزب العدالة والتنمية بأن المحكمة الدستورية باتت الخصم والحكم معا بعدما تحولت إلى أهم قلعة من قلاع المعارضة العلمانية, فأردوغان نفسه قال إنها تحولت إلى محكمة للمعارضة وأصبحت تنفذ أوامرها.

ومن هذه القناعة بالذات ثمة حديث عن سيناريو أسود قاتم يذهب إلى أبعد من رفض المحكمة للتعديلات الدستورية, وهو أن المحكمة ستعتبر أن التعديلات تتعارض مع جوهر المواد الدستورية التي لا يمكن تعديلها تحت أي بند أو ظرف, باعتبارها تمثل العلمانية التي تشكل مبدأ الجمهورية التركية.

وعليه فإن المحكمة لن تكتفي ببطلان التعديلات بل ستتخذ قرارا بحظر حزب العدالة على أساس أن رزمة التعديلات سبب كاف لاعتبار الحزب مناهضا للعلمانية, على أن يرفع المدعي العام للجمهورية عبد الرحمن يالجينكايا خلال الفترة المنظورة دعوى لإغلاق الحزب, خاصة أنه سبق له أن رفع دعوى مماثلة عام 2008.

بل إن السيناريو لا يقف عند هذا الحد, فهناك من يرى أنه يتضمن منع قادة حزب العدالة -وعلى رأسهم أردوغان- من ممارسة العمل السياسي وإسقاط عضوية البرلمان عن نوابه, بل وحتى رئيس الجمهورية باعتباره وافق على التعديلات الدستورية المتصلة بمبدأ العلمانية, بما يعني كل ذلك إسقاط حكومة حزب العدالة دستورياً وتشكيل حكومة من الأحزاب المتبقية في البرلمان.

مقابل هذا السيناريو الأسود, ثمة من يرى في تجربة وصول عبد الله غل إلى رئاسة الجمهورية عام 2007 ما يشجع على تكرارها من قبل المحكمة الدستورية رغم الإنذار الشهير للجيش آنذاك في أبريل/نيسان.

وفضلا عن هذا، هناك من يرى أنه ليس لدى المحكمة أسباب كافية لإلغاء التعديلات لأن من شأن ذلك المخاطرة بمستقبل الديمقراطية في تركيا وعلاقاتها الخارجية، كما أنه ليس من اختصاص المحكمة الدستورية النظر في مضمون التعديلات بل في الشكل, بما يعني إمكانية قول المحكمة إن قضية المضمون خارجة عن نطاق صلاحياتها, وبالتالي نجاح السيناريو القانوني الأبيض.

في جميع الأحوال, ثمة قناعة بأن رفض المحكمة للتعديلات الدستورية يعني الذهاب إلى انتخابات مبكرة، في وقت يتوقع فيه الجميع أن يفوز حزب العدالة بأكبر نسبة من الأصوات بما يفوق فوزه في انتخابات 2007، خاصة أن الأحزاب المعارضة في تراجع مستمر. وإذا جرى هذا السيناريو فمن يضمن أن لا يحظى حزب العدالة بأغلبية مطلقة في البرلمان تؤهله إقرار تعديل الدستور من داخل البرلمان.

"
مع قناعة حزب العدالة بأن معركة التعديل الدستوري تأخذ مكانة خاصة في مسيرته السياسية وتطلعاته المستقبلية, فإنه سيعمل بكل ما لديه من أجل الانتصار في هذه المعركة 
"

ضرورة الإصلاح
مع قناعة حزب العدالة والتنمية بأن معركة التعديل الدستوري تأخذ مكانة خاصة في مسيرته السياسية وتطلعاته المستقبلية, فإنه سيعمل بكل ما لديه من أجل الانتصار في هذه المعركة، خاصة في ظل قناعته الدفينة بأن الدستور الحالي لا يتناسب وأداء السياسة التركية في الداخل والخارج.. داخليا: لما حققه الحزب من انجازات بحاجة إلى تعزيزها، وخارجيا: ثمة قناعة بأن الدستور الحالي لم يعد يتناسب وصعود النفوذ التركي إقليميا ودوليا, إذ يقول أردوغان "ليس خيالا أن يكون القرن الواحد والعشرون قرن تركيا, لكن هذا لا يتحقق إلا بتحديث تركيا من خلال التعديلات الدستورية التي تليق بها".

وهذه قناعة يضعها العديد من المتابعين في إطار تطلع أردوغان إلى نظام رئاسي على النمط الأميركي يكون هو على رأسه عام 2012.

في الواقع, ورغم الجدل الجاري إزاء قضية التعديل الدستوري والمواقف المتناقضة بين التأييد القوي والمعارضة الشديدة, وبغض النظر عن قرار المحكمة الدستورية والسيناريوهات المنتظرة, فأن مسألة تعديل الدستور وضعت حزب العدالة أمام مفترق الطرق: فإما أن ينجح في إنجاز ثورته الدستورية ويقود عملية الإصلاح والتغيير, وبالتالي يحتفظ بشعبية كبيرة تؤمن له البقاء في صدارة المشهد السياسي التركي, وإما أن تصبح تجربته كحزب حاكم مهددة بالتراجع أمام التحولات والمتغيرات التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة إذا ما تراجع -لهذا السبب أو لذاك- عن التعديل المنشود.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك