إبراهيم عجوة

إبراهيم عجوة

إبراهيم عجوة

 


الحركة الصهيونية والنموذج النازي
القدس هدف جيوبوليتيكي
تجليات الأبعاد الأربعة للمشروع الصهيوني في القدس
القدس معيار المستقبل

الحركة الصهيونية والنموذج النازي
بدأ المشروع الصهيوني في فلسطين مع نهايات القرن التاسع عشر بمستوطنة ما لبثت أن توسعت بالتدريج على حساب الأرض العربية، لتشكل بذلك أنموذجاً
تطبيقياً للمدرسة الجيوبوليتيكية الألمانية في مرحلة صعود الحزب النازي ما بين الحربين العالميتين، مع فارق أن ألمانيا انطلقت من دولة افترت على الجغرافيا وتشبعت بالأطماع، واستخدمت لذلك نظريات العالميْن الجغرافييْن هسهوفر وماكندر، فأحدثت كارثة وانتهت.

أما الحركة الصهيونية فتمثلت تلك الأفكار وتشبعت بها، وافترت على التاريخ والجغرافيا والواقع، وانطلقت بأيديولوجية نازية عنصرية ووظيفة إمبريالية، فأحدثت كوارث في منطقة الشرق الأوسط لا تزال مفتوحة على المجهول حتى يومنا هذا، وستبقى ما لم يتم تفكيك هذه الحركة ومنتجاتها السياسية.

فإذا كانت الجغرافيا السياسية تعني تحدد السلوك السياسي في حدود المعطيات الجغرافية للدولة، فإن الجيوبوليتيك تعني تحديد الجغرافيا في ضوء حاجات القرار والسلوك السياسي وفائض القوة القادر على تحقيقه.

وقد عبر القادة الصهاينة عن هذه المدرسة الجيوبوليتيكية بتطرف استثنائي لم يحدث له مثال في التاريخ. حيث رفض هؤلاء القادة ومنذ نشأة الكيان المسمى إسرائيل وحتى الآن وضع حدود له، بل اعتبروا أن حدوده تقف حيث يصل "بسطال" الجندي الصهيوني. وانطبقت عليهم النكتة الأوروبية التي انتشرت في أوروبا عن الاتحاد السوفياتي التي تقول إن "جيران الاتحاد السوفياتي هم مَن يرغب هذا الاتحاد في أن يصبحوا جيراناً له".

لقد سلحت القوى الإمبريالية الكيان الصهيوني الوليد بأحدث أنواع الأسلحة بما يتفوق على تسلح الدول العربية مجتمعة، مما جعل هذا الكيان يسعى باستمرار للمواءمة بين قدراته العسكرية وأفكاره الجيوبوليتيكية التي تعني في الجوهر أطماعاً في الجغرافيا والثروات المحيطة. وما مقولة أرض إسرائيل من الفرات إلى النيل إلا تعبيراً صارخاً عن هذه الرغبة في الموازنة بين حجم التسلح وما يجب أن يوازنه من أطماع، بصرف النظر عن تحقق هذه الأطماع في الواقع.



القدس هدف جيوبوليتيكي

"
ما يجري من توحش استيطاني في القدس يشكل استمراراً للمدرسة الجيوبوليتيكية الصهيونية التي تتوسع في الأرض والحدود ونهب الثروات وخلخلة الديمغرافيا بقدر ما تقرر من إستراتيجيات سياسية تفرضها من خلال فائض القوة
"
إن ما يجري من توحش استيطاني في القدس يشكل استمراراً لهذه المدرسة الجيوبوليتيكية التي تتوسع في الأرض والحدود ونهب الثروات وخلخلة الديمغرافيا بقدر ما تقرر من إستراتيجيات سياسية تفرضها من خلال فائض القوة.

فقضية القدس التي تم تأجيلها إلى مفاوضات الوضع النهائي في اتفاق أوسلو، إضافة إلى مجموعة قضايا هي لب الصراع العربي الصهيوني مثل المستوطنات واللاجئين، والحدود، والمياه، جميعها أجلت كي تعطي الكيان الصهيوني الفسحة الزمنية اللازمة لتوفير شروط عملية القضم الجيوبوليتيكي، وليَثبُت بعد ذلك أن التأجيل كان يعني في الحقيقة عدم قابلية هذه القضايا للتفاوض من وجهة النظر الصهيونية، وأن لعملية التأجيل وظيفتين: أولاهما حفظ ماء الوجه للمفاوض الفلسطيني حتى يستكمل تنازلاته، وثانيهما إعطاء المفاوض الصهيوني الوقت الكافي لخلق وقائع على الأرض تتيح له وضع الجميع أمام الأمر الواقع والتسليم له تالياً بعدم قابلية هذه القضايا للتفاوض.

تتبوأ القدس مكانة هامة في إطار القضية الفلسطينية ليس فقط لاحتوائها على واحد من أهم المقدسات الإسلامية، ولكن لما للإجراءات الصهيونية في القدس من دلالات خطيرة تؤشر على مآلات القضية الوطنية الفلسطينية، واتجاهات وآثار المشروع الصهيوني على كل المحيط العربي.



تجليات الأبعاد الأربعة للمشروع الصهيوني في القدس
1
- تزوير التاريخ والافتراء عليه، "بعد الأرض الموعودة" الذي يعتبر المبرر الأساس الذي استندت إليه الغزوة الصهيونية على فلسطين. والذي يرى في القدس عاصمة لدولة يهودية مزعومة على "أرض الميعاد"، كانت قائمة ويجري تجديدها.

 وقد عبر عن ذلك رئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو في خطابه أمام منظمة إيباك في الولايات المتحدة يوم 22 مارس/آذار عام 2010 حين قال إن "أجدادنا كانوا يبنون في القدس منذ ثلاثة آلاف عام ونحن نكمل بناء القدس اليوم، القدس ليست مستوطنة بل القدس عاصمة".

"
الهجوم على الأقصى في شكل منه يعبر عن عدوانية سياسية أيضاً يشهرها الكيان الصهيوني في وجه الأردن، باعتبار أن اتفاقية وادي عربة بين الكيان الصهيوني والأردن قد أعطت الأخير حق الإشراف على المقدسات الإسلامية في القدس
"
هكذا وبكل بساطة يحتاج الجيوبوليتيك تزوير التاريخ وصنع الأساطير كما يزور الحدود ويزور الخرائط. كما يتضمن بعد الأرض الموعودة وأساطيره المرافقة ومن أجل استكمال الاستيلاء على القدس لأهميتها الجيوبوليتيكية، كذبة الهيكل الواقع تحت المسجد الأقصى وبالتالي تبرير كل ما يجري تحته من حفريات ومحاولات حرق واقتحامات تؤدي لاحقاً إلى السيطرة عليه.

2- قضم الجغرافيا "وحدة أرض إسرائيل" والذي تبناه حزب الليكود، الذي يرى أن أرض فلسطين كاملة هي أراضي "دولة إسرائيل" من البحر إلى النهر.

ولو نظرنا إلى مدينة القدس باعتبارها الخاصرة الأضيق الموصلة بين الأراضي المحتلة عام 48 وبين نهر الأردن، فإن العمل جار على تمديدها استيطانياً حتى غور الأردن، وشمالاً حتى مدينة رام الله، وجنوباً حتى مدينة بيت لحم، ليُـلتهم ما يقرب من ثلث مساحة الضفة الغربية، ويُـنتج على أطرافها كانتونان من مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية جنوب القدس وشمالها يصلهما ممر ضيق مع مدينة أريحا نحو الأردن، كمعبر للهجرة الناعمة بعد التضييق المبرمج على السكان.

يقول رئيس القيادة القـُطرية للهاغاناه عام 1943 موشيه سنيه إن "الاستيطان ليس هدفاً في حد ذاته فحسب، بل أيضاً وسيلة للاستيلاء السياسي على فلسطين، ولذلك يجب أن نسعى في آن واحد لإقامة مستوطنات عبرية سواء وسط المراكز السياسية والاقتصادية للبلد (فلسطين) أو بالقرب منها أو حولها، أو في تلك النقاط التي يمكن استخدامها مواقع طبوغرافية مشرفة، أو مواقع رئيسية من ناحية السيطرة العسكرية على البلد والقدرة على الدفاع الفعال عنه، وإن كانت أهميتها الاقتصادية قليلة".  

هذا وقد ظل الاعتبار الجيوبوليتيكي الصهيوني دائماً هو الاعتبار الرئيسي وعلى قاعدة الوصل/الفصل، أي وصل المستوطنات وفصل التجمعات الفلسطينية. ولهذا فإن القدس ستعمل كفاصل طبيعي بين أكبر تجمعين فلسطينييْن في الشمال والجنوب، وكرابط بين الساحل الفلسطيني والجليل مع مستوطنات الأغوار على حدود الأردن.

3- خلخلة السكان: "وحدة العمل العبري" أو "نقاء الدولة الصهيونية" الذي تبناه حزب العمل، والذي يعني أن أرض إسرائيل يجب أن تكون خالية من السكان غير اليهود، وهذا ما يتم التعبير عنه من خلال الطرد المتواصل لسكان القدس والتضييق عليهم، مما يخلق شكلا من أشكال استحالة الحياة في القدس أولاً ثم في الكانتونين الشمالي والجنوبي، مما يدفع إلى شكل من أشكال الهجرة الناعمة، والعمل على خلخلة الكثافة السكانية، تحت شعار الحفاظ على الأمن، بتخفيفها عبر عدم السماح للمواطنين بإعادة ترميم وتوسيع وبناء بيوتهم وإجبارهم على الرحيل إلى مناطق أخرى.

4- تحريك الحدود: "لنهر الأردن ضفتان، الغربية لنا والشرقية لنا أيضاً"(right-sizing and right-peopling the state) وهذا ما يعني الإصرار على التوسعية الصهيونية وما يعرف في الجيوبوليتيك بـ"إزاحة الحدود"، ويتم التعبير عنه من خلال الإصرار على اعتبار نهر الأردن هو الحدود الآمنة للدولة الصهيونية، واعتبار الأردن هو الدولة الفلسطينية، وأن مشروع إقامة الفلسطينيين في الأردن يعد تنازلاً صهيونياً حيث هم يقيمون على أرض إسرائيل هناك أيضاً. والهجوم على الأقصى في شكل منه يعبر عن عدوانية سياسية أيضاً يشهرها الكيان الصهيوني في وجه الأردن باعتبار أن اتفاقية وادي عربة بين الكيان الصهيوني والأردن قد أعطت الأخير حق الإشراف على المقدسات الإسلامية في القدس.



القدس معيار المستقبل
إن مستقبل القدس في المشاريع و الخرائط الصهيونية هو أن تبقى العاصمة الأبدية الموحدة لـ"دولة إسرائيل"، وقابلة لإزاحة حدودها -دون توقف- إلى ما يعرف بـ"القدس الكبرى"، وهي كالدولة لا تعرف حدوداً. وحتى اليوم تشمل تسع عشرة مستوطنة في القدس الشرقية، إضافة إلى جميع المستوطنات الممتدة من رام الله في الشمال إلى بيت لحم في الجنوب. كما تتمدد حدود العاصمة شرقاً من خلال مستوطنة معاليه أدوميم حتى تتصل من خلال مستوطنات الغور بنهر الأردن والبحر الميت.

"
ليس من الحكمة إبقاء مستقبل مدينة القدس رهناً بالمفاوضات، بل يجب أن يرهن الموقف العربي من أي دولة في العالم بموقفها من موضوع القدس، ليس فقط باعتبار قدسيتها بل باعتبار دلالتها الجيوبوليتيكية وأخطار هذه الدلالة على مستقبل الجميع
"
من الواضح أن الهجمة الاستيطانية على القدس والتمسك بكونها عاصمة للكيان الصهيوني لا يعنيان على الإطلاق صلاحيتها الاستثنائية كعاصمة، فبحسب بعض الأساطير الصهيونية فإن سبسطية كانت عاصمة لدولة السامرة، فلماذا لا نشاهد هذه الشراسة الاستيطانية مثلاُ في سبسطية كما نشاهدها اليوم في القدس؟ الجواب الحقيقي يكمن في الفرق الإستراتيجي للموقعين.

فجغرافية القدس تحول دون أن تكون مركزاً اقتصادياً حضرياً كعاصمة بقدر أهميتها الجيوبوليتيكية كواصل وفاصل وكنقطة طبوغرافية مسيطرة على الساحل وعلى منطقة الغور حتى نهر الأردن. كما تشكل السيطرة على مصادر المياه الجوفية فيها هدفاً مركزياً للسياسة الصهيونية، حيث يشكل الماء المحور الأبرز للجيوبوليتيك الصهيوني في كل مراحل صراعه في المنطقة. والأطماع الإسرائيلية في المياه العربية بشكل عام والمياه الفلسطينية بشكل خاص، هي جزء من مفهوم إسرائيلي متكامل لسياسة السيطرة على الموارد.

تصل كمية المياه الباطنية في حوض القدس المائي الذي يتم الاستيلاء عليه من خلال توسيع حدود القدس إلى ما يقترب من نصف المياه الجوفية في الضفة الغربية.

موضوع الاستيطان في القدس بآثاره السياسية والجيوبوليتيكية يعتبر محل إجماع لكل مكونات الطيف السياسي الصهيوني. لذا فإن مستقبل القدس يشكل الصورة التي سيكون عليها مستقبل المنطقة برمتها. حيث إن نجاح الجيوبوليتيك الصهيوني في القدس يعني امتداده إلى كل فلسطين وخارجها، ولا يردع هذا الخيار إلا بما ردعت به ألمانيا المثال، وما ردعت به جميع القوى المعتدية.

يجب ألا يسمح لإسرائيل باستخدام فائض القوة من أجل فرض حقائق وإشباع أطماع، بل يجب تكسير أسنان هذه القوة، وإيجاد المعادل الردعي الذي يحول دون القدرة على استخدام هذا الفائض إن لم نكن قادرين على خلق توازن القوى.

ليس من الحكمة إبقاء مستقبل مدينة القدس رهناً بالمفاوضات، بل يجب أن يرهن الموقف العربي من أي دولة في العالم بموقفها من موضوع القدس، ليس فقط باعتبار قدسيتها بل باعتبار دلالتها الجيوبوليتيكية وأخطار هذه الدلالة على مستقبل الجميع.

ومن المفترض أن معركة القدس من المعارك الفاصلة التي على ضوئها يتحدد مستقبل المنطقة، ولا أحد يستطيع أن يعفي نفسه من هذه المهمة حكاماً وشعوباً وتنظيمات. بل يجب اشتقاق المعادلات الكافية لتشكيل قوة الردع والحصار التي من شأنها أن تضع حداً لهذا الجيوبوليتيك الصهيوني، وامتلاك أوراق الضغط والمواجهة الكافية لذلك.

الذي يجري في الحقيقة أن التعامل مع موضوع القدس يتم في إطار إما المعالجات العادية لأي مستوطنة أو تعدٍّ يجري هنا أو هناك، مع عدم التفريق بين التعدي ذي الطابع إستراتيجي والتعديات الأخرى باختلاف ميادينها، أو يتم النظر إليه من زاوية الاعتداء على المسجد الأقصى.

يدرك الصهاينة ما للأقصى من أهمية استثنائية وقدسية لدى العرب والمسلمين باعتباره ثالث الحرمين الشريف وأولى القبلتين، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا فهم يضعون المسجد الأقصى على حافة الهدم مما يركز كل الوجدان العربي نحوه لصرف النظر عن الانتفاخ المتواصل في حدود العاصمة المقدسة التي سيكون المساس بحدودها مساساً بأقدس أقداس اليهود والصهيونية. وسواء بني الهيكل على أنقاض الأقصى لا سمح الله أم لم يبن، فإن وظيفة بنائه ستكون إضفاء المزيد من القدسية على حدود القدس المنتفخة، فكما نعلم أن هذه الحركة الصهيونية العلمانية جوهراً لا يهمها من المقدس سوى وظيفته الجيوبوليتيكية.

القدس محرك جيوبوليتيكي في منتهى الخطورة، ويجب شل اليد الصهيونية التي تحمله، وعدم السماح لها بتوظيفه في مشروعها العدواني التوسعي.



المصدر : الجزيرة

شارك برأيك