طلعت مسلم

طلعت مسلم

لواء أركان حرب متقاعد


تلخيص للمؤتمرات السابقة ونتائجها
ملخص الموقف العربي
الخطة الأميركية
ملاحظات على المقترحات العربية والأميركية

إعادة تقييم الموقف

ينعقد بمقر الأمم المتحدة في نيويورك -لمدة شهر اعتبارا من الاثنين 3 مايو/أيار عام 2010- مؤتمر لمراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي، وفقا للمعاهدة التي نصت على عقد مؤتمر سنوي للمراجعة والتمديد بعد أن أصبحت المعاهدة نافذة المفعول، وأن يجري مؤتمر بعد خمس وعشرين سنة يتم فيه الاتفاق إما على إنهاء العمل بالمعاهدة وإما تمديدها تمديدا لا نهائيا.

تلخيص للمؤتمرات السابقة ونتائجها
وقد اتفق في مؤتمر المراجعة والتمديد الذي انعقد سنة 1995 -أي بعد مرور خمسة وعشرين عاما من التاريخ الذي أن أصبحت فيه المعاهدة نافذة المفعول عام 1970- على تمديد لا نهائي، على أن تعقد مؤتمرات للمراجعة كل خمس سنوات على نحو ما كان متبعا قبل ذلك، وقد عقد مؤتمران عامي 2000 و2005 وأصبح من المطلوب عقد المؤتمر الثالث عام 2010.

كانت الدول العربية قد وافقت على تمديد المعاهدة عام 1995 بعد أن تلقت وعدا من الولايات المتحدة بانعقاد مؤتمر دولي من أجل إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وكانت كل من مصر وإيران قد اقترحتا إنشاء هذه المنطقة عام 1974 وصدر قرار بذلك من الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم أصبح القرار متكررا سنويا في دورات الأمم المتحدة مع موافقة شبه جماعية من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باستثناء كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

"
انفض مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي عام 2005 دون إصدار بيان ختامي، بعدما أصرت الدول العربية وإيران على النص على المشروع الإسرائيلي النووي, وهو ما اعتبر نصرا للدول العربية وإيران
"

طبعا لم ينعقد المؤتمر الذي تعهدت به الولايات المتحدة منذ وعدها عام 1995، الأمر الذي دعا الدول العربية إلى المطالبة في مؤتمر المراجعة عام 2000 بالنص على ذكر المشروع النووي الإسرائيلي وضرورة خضوعه للتفتيش الدولي، الأمر الذي عارضته الولايات المتحدة الأميركية بشدة، وكانت قد طلبت من مصر أن تمتنع عن تحريض الدول على النص على ذكر المشروع الإسرائيلي وإخضاعه للرقابة الدولية، ونجحت الولايات المتحدة في ألا يذكر البيان الختامي الذي صدر عن ذلك المؤتمر اسم إسرائيل ومشروعها النووي على الإطلاق.

لذلك فقد سعت مصر مبكرا قبل مؤتمر عام 2005 للتنسيق مع الدول الأخرى وخاصة إيران، مما أدى إلى عدم موافقة الولايات المتحدة وإصرار أغلبية الدول على النص على المشروع الإسرائيلي، وهكذا انفض المؤتمر عام 2005 دون إصدار بيان ختامي، واعتبر ذلك نصرا للدول العربية ولإيران.

نتيجة لما سبق اهتمت الأطراف بالتحضير لمؤتمر المراجعة عام 2010 وانعكس ذلك على أن الدول العربية قد اجتمعت واتفقت على ورقة موحدة تتقدم بها إلى المؤتمر، وقرر الرئيس الإيراني أن يرأس وفد بلاده إلى المؤتمر، بينما هناك خطة أميركية تبدو ملامحها من خلال بعض التصريحات والتقارير.

ملخص الموقف العربي
تتلخص الورقة العربية التي اعتمدتها جامعة الدول العربية -ممثلة في مجلس وزراء الخارجية- في المطالبة بدعم المعاهدة وتعديل بعض موادها، والدعوة إلى عقد مؤتمر دولي حول جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، وعدم تعديل المادة العاشرة الخاصة بالانسحاب من المعاهدة، وعدم المساس بالمادة الرابعة الخاصة بتوفير تكنولوجيا الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، وعدم تعديل البروتوكول الإضافي وجعله إلزاميا بالنسبة للدول الأعضاء.

تشير التقارير إلى اقتراح مصري بالدعوة إلى نزع سلاح إسرائيل "بأسرع ما يمكن"، وأن يوضع البرنامج النووي الإسرائيلي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تعتبر بمثابة "كلب الحراسة" الخاص بالأمم المتحدة، كما تطالب الورقة المصرية الدول الأعضاء في معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية بأن يطلقوا ويكشفوا كل المعلومات المتيسرة لديهم عن طبيعة ونطاق المنشآت النووية الإسرائيلية وأوجه نشاطها في هذا المجال، بما فيها المعلومات المتصلة بنقل كل ما يتعلق بالطاقة النووية إلى إسرائيل.

الخطة الأميركية
تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تعد لعقد المؤتمر بالترويج لخطة تشتمل على توسيع سلطات واختصاصات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووضع قيود على حقوق الدول غير النووية في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، وخاصة ما يتعلق بالحق في تخصيب اليورانيوم، وكذا تقييد انسحاب الدول من المعاهدة وفقا للمادة العاشرة، بحيث تظل الدولة المنسحبة خاضعة لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية وللعقوبات.

ومن الواضح أن هذه المطالب قد صممت خصيصا لتدعيم موقف الولايات المتحدة وحلفائها ومطالبهم بالنسبة لمشروع وبرنامج إيران النووي. كذلك فإن الولايات المتحدة ترى أن البروتوكول الإضافي لا بد أن يكون ملزما لجميع الدول الموقعة على المعاهدة.

"
تريد الولايات المتحدة أن تضع قاعدة تؤكد أن الدولة التي تنسحب من المعاهدة لا تفلت من التفتيش والعقوبات، كما تريد مزيدا من القوة والسلطة لمفتشي الأمم المتحدة، ودعما أكثر للمنشآت المتعددة القوميات التي يمكن أن تساعد الدول على تطوير القوة النووية السلمية
"
وتشتمل الخطة الأميركية على جزء خاص بمواجهة ما ينتظر أن تطالب به إيران وربما بعض دول عدم الانحياز من إخضاع برنامج إسرائيل النووي للإشراف والتفتيش الدوليين، ويبدو أن الولايات المتحدة تركز في هذا الجانب على مصر حيث كان لها دور هام في المؤتمرين السابقين في توجيه المؤتمر ضد إسرائيل، إذ تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تتفاوض مع مصر في اقتراح بجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية وأنها ستستأنف التفاوض معها في نيويورك، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى منع إيران من أن تنحرف بمؤتمر الأمم المتحدة حول انتشار الأسلحة النووية، وتعتبر ذلك خطوة هامة في أن تؤكد للدول أن الولايات المتحدة التي عادة ما تنتقد من بعض هذه الدول لسكوتها عن الترسانة النووية الإسرائيلية ستقوم بالتصدي لانتشار الأسلحة النووية عبر المنطقة حيث تسعى إيران إلى نقل بؤرة اهتمام المؤتمر بعيدا عن برنامجها النووي.

وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة أعادت تأكيدها لإسرائيل أنها لن تنشئ منطقة خالية من الأسلحة في المنطقة -يتوقع أن تشتمل على إسرائيل والدول العربية وإيران وتركيا- قبل أن توافق الأطراف عليها، وأن يجري تقدم ملموس في سلام الشرق الأوسط.

وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة ستدعم انعقاد مؤتمر حول الموضوع في تاريخ تال، وتقول التقارير إن اقتراحات الولايات المتحدة لمصر تتجاوز ما كانت ترغب الولايات المتحدة في عمله سابقا. وقد عبر بعض المسؤولين الأميركيين عن أنهم لا يعتقدون أن هذا سيحدث قبل تحقيق مسبق لتقدم كبير في محادثات السلام في الصراع العربي الإسرائيلي.

يشير بعض خبراء نزع السلاح الذين لهم علاقة بالمحادثات إلى أنه يحتمل أن تقترح الولايات المتحدة تعيين مبعوث للأمم المتحدة خاص بمهمة الدعوة إلى مؤتمر لدول الشرق الأوسط للدفع قدما في اتجاه إنشاء منطقة خالية من السلاح النووي.

ويعتبر داريل كيمبل -وهو مدير تنفيذي لرابطة نزع السلاح، وهي مجموعة دفاعية- أن قبول الولايات المتحدة لإرسال مبعوث خاص يعتبر تغيرا متميزا، في حين رفض مسؤول أميركي أن يؤكد أو ينفي أن تعيين المبعوث -وهو الاقتراح الذي انطلق من روسيا- أصبح جزءا من العرض الأميركي.

وتريد الولايات المتحدة أن تضع قاعدة تؤكد أن الدولة التي تنسحب من المعاهدة لا تفلت من التفتيش والعقوبات، كما تريد مزيدا من القوة والسلطة لمفتشي الأمم المتحدة، ودعما أكثر للمنشآت المتعددة القوميات التي يمكن أن تساعد الدول على تطوير القوة النووية السلمية.

أما بالنسبة للمقترحات المصرية بنزع سلاح إسرائيل، فيقول المسؤولون في الولايات المتحدة أنها لن تكون مقبولة. وكذلك أشار مسؤولو الولايات المتحدة إلى أن المطالب المصرية بإطلاق المعلومات عن نشاط إسرائيل النووي لا يمكن أن تقدم إلى إسرائيل، في حين يقول المدير التنفيذي لمركز دراسات عدم الانتشار -وهو ناقد لمقاربات إدارة أوباما لموضوعات نزع السلاح- أن الإدارة تتمنى رشوة الاعتراضات المصرية.

ملاحظات على المقترحات العربية والأميركية
إذا كان اتفاق الدول العربية على ورقة موحدة يعتبر تقدما في العلاقات العربية الحديثة، فإن انخفاض سقف المطالب، والقبول بتقديم أوراق عربية بالإضافة إلى الورقة الموحدة، يشير إلى أن التقدم نحو الموقف العربي الموحد ما زال شكليا أكثر منه موضوعيا، وتبدو المطالب العربية تكرارا لمطلب عقد مؤتمر حول إنشاء منطقة خالية من السلاح النووي، ورفضا للمطالب الغربية والأميركية، أي أنه ليست للدول العربية مطالب جديدة من نظام منع الانتشار ومعاهدته، كما أن المطالب العربية تقف عند المطالبة بعقد المؤتمر وليس نزع سلاح إسرائيل النووي، وهو ما يمكن أن يستمر سنين أخرى قد تمتد إلى ما لا نهاية.

كذلك فإن مطالبة مصر بنزع سلاح إسرائيل النووي "بأسرع ما يمكن" مطاطة، وتعطي فرصة للامتداد إلى ما لا نهاية، أما مطلب إطلاق المعلومات عن نشاط إسرائيل النووي فهو كما يبدو لن يجد قبولا أميركيا، ولا يشتمل على حل في حال امتناع دولة أو أكثر عن تنفيذ الاقتراح، وهو ما ينبه إلى أن المجتمع الدولي لن يستجيب لمطالب عربية طالما أن الدول العربية لا تمارس ضغوطا، ولا تستخدم عناصر قوتها ومصالح الدول لديها.

أما الورقة الأميركية فهي تكتفي بالتلويح للعرب بالاستجابة لأحد مطالبهم، ولكنها تفرغه من مضمونه بتأجيل الاستجابة لحين إحراز تقدم في محادثات السلام، حيث تقل الحاجة إليه كثيرا، وتبقي التهديد النووي الإسرائيلي مسلطا على رقاب العرب طالما لم يخضعوا للهيمنة الصهيونية الأميركية.

وفي غير ذلك، فإن ورقة المقترحات الأميركية تسعى إلى تعميق الخلاف بين العرب، وبينهم وبين إيران، وتحقيق مكاسب ضد إيران وصرف النظر عن السلاح النووي الإسرائيلي وما يمثله من خطورة، وتحويل بؤرة الاهتمام إلى المشروع النووي الإيراني.

إعادة تقييم الموقف

"
إخلاء المنطقة من السلاح النووي وأسلحة التدمير الشامل ثبت أنه وهم، واستمرار الجري وراءه يمنع من البحث عن بدائل له، وأحرى بالدول والأوراق العربية أن تسعى إلى المطالبة بتحديد سقف زمني للنزع الشامل للسلاح النووي، وإلى عالم خال من الأسلحة النووية
"
كان من المفترض أن يعيد العرب تقييم موقفهم من نظام منع الانتشار النووي، واقتراح إنشاء منطقة خالية منه في الشرق الأوسط بعد أربعين عاما من نفاذ مفعول المعاهدة، وستة وثلاثين عاما على اقتراح إخلاء المنطقة من السلاح النووي، وعشرين عاما على مبادرة إخلاء المنطقة من أسلحة التدمير الشامل، فالنظام الذي قام على ثلاثة أعمدة: الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ومنع الانتشار النووي، والنزع الشامل للسلاح النووي، أدى إلى حرمان الدول غير النووية من الاستخدام السلمي لهذه الطاقة، وإلى تضاعف الدول المالكة للسلاح النووي وعدد الرؤوس الحربية النووية، وإلى استمرار التفرقة بين دول نووية وأخرى غير نووية، مما يثبت فشل النظام في تحقيق أهدافه، وأن تكرار المحاولة يشكل نوعا من خداع النفس.

كما أن إخلاء المنطقة من السلاح النووي وأسلحة التدمير الشامل ثبت أنه وهم، واستمرار الجري وراءه يمنع من البحث عن بدائل له، وكان أحرى بالدول والأوراق العربية أن تسعى إلى المطالبة بتحديد سقف زمني للنزع الشامل للسلاح النووي، وإلى عالم خال من الأسلحة النووية، والمطالبة بتعهد من الدول النووية بألا تكون البادئة بالتهديد أو باستخدام السلاح النووي، وأن تتعهد الدول النووية بحماية الدول غير النووية من تهديدها باستخدام السلاح النووي ضدها أو استخدامه فعلا إلى حين تحقيق النزع الشامل للسلاح النووي.

وتحتاج مثل هذه المقترحات إلى القدرة على استخدام مصادر القوة العربية لصالح أمن هذه الدول، وقد يكون مجرد الامتناع عن تأييد المقترحات الأميركية والتنسيق مع إيران والدول غير النووية الأخرى كافيا لتحقيق الأهداف المرجوة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك