عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.


جوهر العقيدة النووية
جديد العقيدة وقديمها
المسكوت عنه في العقيدة
الإرهاب النووي

كشف الرئيس الأميركي باراك أوباما، في مطلع شهر أبريل/نيسان 2010، عن تعديلات وتغييرات عديدة في العقيدة النووية للولايات المتحدة الأميركية، نتجت عن "المراجعة الشاملة" التي أجرتها إدارته لهذه العقيدة، وذلك في سياق إعادة النظر في السياسة النووية المتبعة خلال فترة حكم الرئيس السابق جورج دبليو بوش وصعود المحافظين الجدد.

وتحد العقيدة النووية الأميركية الجديدة كثيرًا من الحالات والظروف التي يمكن أن تلجأ فيها الولايات المتحدة إلى استخدام السلاح النووي، حيث تتعهد حسبما صرّح به الرئيس أوباما بأن لا تستخدم بلاده أبدًا السلاح النووي "ضد عدوّ لا يملك هذا السلاح، ويحترم قواعد معاهدة عدم الانتشار النووي"، لكنه استثنى خلال حديثه لصحيفة "نيويورك تايمز" ما سمّاه "الدول الخارجة على القانون مثل إيران وكوريا الشمالية"، وتعهد بمواصلة بلاده "تعزيز قدراتها الدفاعية التقليدية" للرد على الهجمات غير النووية.

وأعلن المسؤولون الأميركيون أن القيود الجديدة المعلنة ستطبق حتى في حالة تعرّض الولايات المتحدة الأميركية لاعتداء بأسلحة كيميائية أو جرثومية، لكن في حال تعرضها لخطر هجوم جرثومي مدمّر، فإنها ستحتفظ لنفسها بالحق في استخدام السلاح النووي، وعليه فإن إدارة أوباما أرادت وضع حد للغموض الذي كان يعتري شروط استخدام الولايات المتحدة لأسلحتها النووي.

جوهر العقيدة النووية

"
جوهر العقيدة النووية الأميركية ينهض على غاية تنحصر في تكريس القوة الأميركية، وتوفير السبيل المناسب لاتخاذ القرار باستخدام الأسلحة الفتاكة ضد أي بلد يخّل بالشرطين اللذين وضعتهما العقيدة، المتمثلين بمحاولة امتلاك سلاح نووي أو عدم التوقيع على معاهدة الانتشار النووي
"
يبدو أن العقلية العسكرية الأميركية باتت تميل أكثر إلى سياسة تقوية أسلحتها التقليدية المدمرة، وذلك بهدف التقليل من دور الأسلحة النووية في صدّ الهجمات غير النووية، وبما يجعل الهدف الوحيد من الأسلحة النووية يتمثل في "التصدي للهجمات بالسلاح النووي" التي يمكن أن تطال الولايات المتحدة وحلفاءها وشركاءها، الأمر الذي يركز العقيدة النووية الجديدة حول مسألة استخدام الأسلحة النووية فقط في الحالات القصوى لحماية مصالحها الإستراتيجية.

لكن ذلك لن يحوّل ساسة الولايات المتحدة الأميركية إلى حمائم سلام عالمي، بالرغم من الجهود الدولية الواسعة التي يقوم بها الرئيس الأميركي من أجل التخلي عن السلاح النووي، وتقديم حوافز للدول كي تتخلى عن طموحاتها النووية وعن مخزونها من المواد النووية، إضافة إلى محاولته فرض قيود على استخدام بلاده للأسلحة النووية، بما في ذلك حالة الدفاع عن النفس.

المحيّر في الأمر هو أن الرئيس باراك أوباما قدم رؤية، تنهض على العمل للوصول إلى عالم خال من الأسلحة النووية، وأكد أن بلاده "لن تنتج رؤوسا نووية جديدة"، لكنها ترى في الوقت نفسه ضرورة لتحديث ترسانتها النووية، أي تمكينها من امتلاك قدرة تدميرية كبرى، مع العلم بأن لدى بلاده، كما لدى روسيا، أسلحة نووية قادرة على تدمير كوكب الأرض مرات عديدة، الأمر الذي يطرح أسئلة حول رؤيته الجديدة.

ويعي الرئيس الأميركي تمامًا أن امتلاك السلاح النووي يشكل قوة ردعية، ولا تمتلكه أية دولة في العالم بهدف استخدامه المباشر، بل بهدف منع العدو وردعه من القيام بهجمات تقليدية أو غير تقليدية، لأنه يعرف تمامًا أنه سيتلقى ضربات نووية، تفضي إلى تدميره بشكل شامل، فالأمر يشكل رادعًا حتى عن التفكير في الاعتداء.

كما يعي أيضا أن جوهر عقيدة بلاده النووية ينهض على غاية تنحصر في تكريس القوة الأميركية، وتوفير السبيل المناسب لاتخاذ القرار باستخدام هذه الأسلحة الفتاكة ضد أي بلد يخلّ بالشرطين اللذين وضعتهما العقيدة، المتمثلين بمحاولة امتلاك سلاح نووي أو عدم التوقيع على معاهدة الانتشار النووي، واللذين ينطبقان حسب معايير العقيدة الأميركية الجديدة على إيران وكوريا الشمالية فقط في الوقت الحالي.

جديد العقيدة وقديمها
تعرضت العقيدة النووية الأميركية لعدة تعديلات وتغييرات خلال فترة الحرب الباردة، وخلال الفترة التي أعلنت انتهاءها بانهيار الاتحاد السوفياتي. وكانت تنهض بشكل رئيسي على إستراتيجية الردع النووي، خلال فترة الحرب الباردة.

أما في مرحلة ستينيات وسبعينيات القرن العشرين المنصرم، التي شهدت التوقيع على العديد من المعاهدات والاتفاقيات النووية الهامة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي السابق، فقد قدمت الولايات المتحدة الأميركية تعهدًا عام 1978 بعدم اللجوء إلى استخدام السلاح النووي ضد الدول التي لا تمتلكه, ثم التزمت الدول النووية الأخرى، وهي روسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، بذات التعهد، ووقعت مع الولايات المتحدة معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية عام 1994، لكن الأمر تغير بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ بدأت الولايات المتحدة الأميركية التملص من التزاماتها النووية، حيث تراجع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في مذكرة رئاسية عن التعهد الذي قطعته بلاده على نفسها عام 1978 بعدم استخدام السلاح النووي ضد بلاد لا تمتلكه.

ومع مجيء الرئيس جورج دبليو بوش وصعود نجم المحافظين الجدد، حصلت تغيرات جذرية في العقيدة النووية الأميركية، حيث جرى اعتماد سياسة نووية جديدة بناء على رؤية وأطروحات وزير الدفاع الأميركي في ذلك الوقت "دونالد رمسفيلد"، تمحورت حول عملية إعادة إطلاق للترسانة النووية الأميركية بصيغة إستراتيجية، وبشكل يتحول فيه السلاح النووي التكتيكي إلى سلاح ميداني، بحجة توفير السلاح اللازم لإجهاض أي هجوم بأسلحة الدمار الشامل قد تتعرض له الولايات المتحدة الأميركية، والحصول على أسلحة قوية جدًّا وقادرة على اختراق الأرض، أي تكون مُعدة لتدمير تحصينات تحت الأرض.

ولأول مرّة، ظهرت في مشروع رمسفيلد، الذي تقدم به عام 2002، قائمة بأسماء سبع دول يمكن للولايات المتحدة أن تستخدم السلاح النووي التكتيكي ضدها، وهي روسيا والصين والعراق وإيران وكوريا الشمالية وسوريا وليبيا، وأثار مشروعه القاضي بإعادة النظر في العقيدة النووية الأميركية خلافات في الأوساط السياسية والعسكرية الأميركية. لكن الموضوع تجدّد عام 2005، ويبدو أن ثمة برامج سريّة لا تتوقف، تنتج أسلحة نووية تقليدية، قادرة على تدمير أهداف تحت الأرض.

المسكوت عنه في العقيدة

"
واضعو العقيدة الأميركية الجديدة لا يقولون شيئًا عن ترسانة إسرائيل النووية، بصنفيها الإستراتيجي والتكتيكي، ولكن يرجح المختصون بالسلاح النووي امتلاكها لعدة مئات من الأسلحة النووية التكتيكية، إضافة إلى امتلاكها لسلاح نووي إستراتيجي
"
تحتفظ العقيدة العسكرية الأميركية بإمكانية استخدام ما يدعى "الأسلحة النووية التكتيكية"، أو "الذخائر النووية الصغيرة"، ذات القدرة التدميرية المحدودة، وهناك العديد من الخبراء العسكريين الذين يؤكدون أن الولايات المتحدة الأميركية استخدمتها في حروبها ضد العراق.

ويحصي معهد إستوكهولم الدولي لأبحاث السلام عدد وحدات الأسلحة النووية التكتيكية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية فيقول إنها تبلغ نحو 1670 وحدة، حيث تنشر مائة وثمانين وحدة في أراضي عدد من الدول الأوروبية، ضمن إطار ما يعرف بالمشاركة في تحمل الأعباء النووية في البلدان الأوروبية المتحالفة معها.

ولا يخفي معظم الساسة في الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ميلهم إلى إجازة استخدام السلاح النووي التكتيكي، بوصفه أحد أسلحة الحرب الاستباقية، متجاوزين بذلك الوظيفة الردعية لأي سلاح نووي، الأمر الذي يجعل إمكانية استخدام السلاح النووي قائمة، في إستراتيجيات الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها إسرائيل، خصوصًا في ظل غياب أية اتفاقية أو معاهدة دولية تحدّ من وجود كميات غير محددة من السلاح النووي التكتيكي، حيث لا رقابة على نوعيتها وتركيبتها، مع العلم بأن تصنيف هذه الأسلحة النووية الفتاكة على أنها تكتيكية مجرد تصنيف اصطلاحي، ويشمل العديد من الأسلحة النووية ذات النظم الصاروخية المنشورة برًّا، والتي تملك مديات تقل عن ثلاثة آلاف كيلو متر، إضافة إلى أنظمة صواريخ جوالة، وتحملها الغواصات، وقذائف مدفعية وقنابل ذرية، لذلك فإن وجود أنظمة من هذه الأسلحة يمثل خطرًا قائمًا ورئيسيًّا على جميع دول العالم.

وفي حالة إسرائيل، فإن واضعي العقيدة الأميركية الجديدة لا يقولون شيئًا عن ترسانتها النووية، بصنفيها الإستراتيجي والتكتيكي، إذ يرجح المختصون بالسلاح النووي امتلاكها لعدة مئات من الأسلحة النووية التكتيكية، إضافة إلى امتلاكها لسلاح نووي إستراتيجي.

وفي هذا السياق يتحدث المسؤولون الروس عن وجود سيناريو لتوجيه ضربة أميركية إسرائيلية لإيران بالأسلحة النووية التكتيكية وذلك للقضاء على البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي ستكون له عواقب كارثية على المنطقة يصعب تصورها وربما لا تفلت إسرائيل من ردّ محتمل في حال حدوث الضربة.

الإرهاب النووي
الجديد الذي حملته العقيدة النووية الأميركية، هذه المرّة، هو اعتبارها "الإرهاب النووي" الخطر الفوري الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها، وليس الدول التي تملك السلاح النووي، والسبب هو سعي تنظيم "القاعدة وحلفاؤه المتطرفون إلى التزود بالسلاح النووي"، وعليه فإنها المرة الأولى التي يكون فيها الهدف الأول للإستراتيجية النووية الأميركية هو منع انتشار الإرهاب النووي.

ويبدو أن مهمة التصدي للإرهاب النووي استدعت من إدارة أوباما مراجعة العقيدة النووية الأميركية، ثم توقيع اتفاقية "ستارت 2" مع روسيا الاتحادية، وبعدها عقد قمة "الأمن النووي" في واشنطن. وبالفعل، فقد وقّع، في الثامن شهر أبريل/نيسان الماضي، الرئيسان باراك أوباما وديمتري ميدفيديف في العاصمة التشيكية براغ اتفاقية "ستارت 2"، التي تنص على خفض الأسلحة النووية الإستراتيجية بمقدار الثلث تقريبًا لكل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية، ثم اجتمع زعماء سبعة وأربعين دولة في واشنطن في الثاني والثالث عشر من الشهر ذاته لوضع خطة لمنع انتشار الإرهاب النووي.

"
الخطوات التي قامت بها الإدارة الأميركية تؤكد أن السياسة الأميركية، بدأت تقّر وتعترف بوجود قوى كبرى أخرى في عالم اليوم، وفي مقدمتها روسيا والصين، ولا مفر من إشراكها في بناء عالم آمن، تقوده أميركا
"
وخرجت قمة الأمن النووي بجملة من التوصيات والآليات المشتركة بغية محاربة "الإرهاب النووي"، بوصفه التحدي الأكبر للأمن العالمي، الذي حددته القمة، من خلال منع وصول المواد النووية إلى مجموعات إرهابية، باتخاذ جملة من الإجراءات الأمنية النووية المشددة، لتفادي حصول الإرهابيين وأي طرف غير شرعي، على المواد النووية.

ويمكن القول إن الخطوات التي قامت بها الإدارة الأميركية الحالية، تؤكد أن السياسة الأميركية، بدأت تقّر وتعترف بوجود قوى كبرى أخرى في عالم اليوم، وفي مقدمتها روسيا والصين، ولا مفر من إشراكها في بناء عالم آمن، تقوده الولايات المتحدة الأميركية.

والهدف من كل هذه الخطوات هو حشد عدد أكبر من الدول في تحالف متين لمواجهة "الدول المارقة"، الطامحة إلى بناء قوة نووية، وخصوصًا إيران وكوريا الشمالية، ولا يمنع ذلك من فتح الطريق أمام تدشين نظام عالمي جديد، تقرّ فيه الولايات المتحدة الأميركية بأهمية إشراك القوى الرئيسية في العالم معها في قيادة العالم، بغية تحقيق مسعاها في منع انتشار السلاح النووي، ومنع وصوله إلى المنظمات الإرهابية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك