خالد الطراولي

خالد الطراولي

كاتب وأستاذ جامعي تونسي


استبداد واستبداد
من استبداد القصر إلى استبداد الكوخ

يسكن الاستبداد بلدنا وحارتنا ويسكن بيتنا، من أين نبدأ ومن أين ننطلق، المهمة عسيرة والمسؤولية تنوء بحملها الجبال، ثلاثية التشخيص للمرض وهي ثلاثية الإصلاح، ليس حديثنا جديدا، فمرض حضارتنا يبقى كما أثبته تاريخنا، الاستبداد ولا غير الاستبداد، مصطلح يكاد يرمز إلينا في كل نواحي حياتنا، ويكاد يضاهي عنوانا لنا في حراكنا وعيشنا فكلما تحدثت عن الاستبداد ظهر الشرق لافتته وإطاره، وكلما تحدثت عن نقيضه ظهرت عناوين من غير ضفتنا، هذا قدر أمسنا وحاضرنا ولعله لن يكون قدر مستقبلنا.

المناطق التي تحيط بفعلنا ونظرنا سوداء مظلمة، بلدنا كهوف، وحاراتنا دهاليز، وبيوتنا ظلمات من فوقها ومن تحتها، هذه هي حالنا ونحن نبحث عن مواطن الاستبداد في حياتنا. ولعل منحى الاستبداد ومنطقه يظل عالقا في محيلة الفرد العربي والمسلم بالسلطة وحواشيها، خيمة السلطان هي حلقة الاستبداد وأوتاده العريضة، ولعل العقل العربي محق في ذلك فهو وُلد في أحضان الاستبداد ورضع لبنه وعاش في كنفه منحني الظهر حتى مات...

"
"تذكروا يا أبنائي (هذا) واحفظوه: إن الحكومات المستبدة شر من الوحوش المفترسة" هذا ما قاله كونفوشيوس فيلسوف الصين القديمة، ولعل حاضرنا لا يزال يتخبط في هذه الأوحال التي تشده القهقرى، لتبقى هذه المقولة حاضرة
"
تاريخنا الرمادي كان كذلك في بعض ثناياه، وحاضرنا يسير على نفس الخطى وبنفس الوتيرة وإن كان المعيش أعظم! لكن استبداد السلطة أصبح يعيشه الفرد ويتعايش معه حتى نظّر بعضهم لأهميته في رفاهنا روحا ومادة، فجعلوا الحكم الغشوم خير من فتنة تدوم، وألحقت على ضفاف هذا التبرير أمثال ونصائح وقواعد وفتاوى، وعمل الحاكم المستبد على توطين هذه القابلية للاستبداد في عقلية الفرد الرعية في تاريخنا أولا، ثم الفرد المواطن في حاضرنا، ولعله نجح! ومن القابلية جاء القبول والتواطؤ والتعايش، وبقيت الرعية مغلوبة على أمرها، وضاعت المواطنة وقيمها بين دساتير واهية ومتغيرة حسب اتجاه قبلة مزورة، وبين انتخابات مغشوشة وتوريث عجيب للحكم.

"تذكروا يا أبنائي (هذا) واحفظوه: إن الحكومات المستبدة شر من الوحوش المفترسة" هذا ما قاله كونفوشيوس فيلسوف الصين القديمة، ولعل حاضرنا لا يزال يتخبط في هذه الأوحال التي تشده القهقرى، لتبقى هذه المقولة تصطحب يومنا وتقض مضاجعنا وتكبل نهوضنا وتأخر يقظتنا.

استبداد واستبداد
لكن الاستبداد حتى وإن تعلق في الفهم والإشارة بمناطق الحكم والوزارة، فإنه لم يبق أسيرا لهما، فقد ظل الاستبداد متمكنا في أطراف المجتمع وصال وجال عبر أزقته الضيقة ودهاليزه، فكان استبداد رب الأسرة، واستبداد صاحب العمل واستبداد السيد...

الرجل يستبد على زوجته، ولعل الزوجة تستبد على زوجها [ولو بشأن أقل، وإن كنا بدأنا نسمع في بلاد العرب بجمعيات تدافع عن الأزواج ضد عنف الزوجات!]، والوالد مستبد على أبنائه. يحاضر بعضهم عن حقوق الإنسان من حرية كلمة ورأي وهو في بيته يمنع الكلمة ولا يقبل رأيا من أحد "اسكت يا ولد فأنت لا تفهم"..

المسألة معقدة ولا شك ولكنها درجات ومستويات ويخيل إلينا أن جانب الاستبداد الرجالي هو الحالة الطاغية والمهيمنة.. استبد الرجل في بيته وجعل من ذكورته أداة وحجة في العلو والتكبر، وجعل من قوامته آلية لاستضعاف المرأة والحلول دون مشاركتها في أطر الاستخلاف التي نادى بها دينها، فكانت عقلية الراعي والرعية التي استعملها الحاكم سلبا لنزع ثوب المواطنة عن شعبه، متمثلة في البيت الأسري عبر رب نسي قيم المساكنة والمشاركة والنفس الواحدة، إلى فهم عقيم لمسؤولية الراعي تجاه رعيته، فتضخمت الأنا وهيمنت القوامة وأضحت الأسرة عرجاء لتعطي مجتمعا أعرجَ.

واستبد صاحب العمل وضاعت حقوق الناس ودخلت الرشى والمحسوبية وظلم الأجير وتقطرت جبينه عرقا دون الحصول على كامل مستحقاته. وانظروا إذا أردتم إلى أحوال عديد من الأجراء المهاجرين أو الخادمات العاملات في المنازل في بعض بلاد العرب فسوف ترون العجب وتنتبهون إلى أنكم وإياهم ترثون دينا وقيما تثمن العدل وتحرم الظلم، ولكنهم أودعوه المقابر ومنازل المنسيات والمرميات...

واستبد الأستاذ بتلاميذه، حتى إني قرأت -وهو من أعجب ما قرأت- أن محاضرا في إحدى الجامعات العربية، وهو المربي وحامل رسالة الوعي الثقافة والتحضر، لم يترك صنفا من البهائم إلا نادى به طلبته.

واستبد السيد بعبده ووجد مسندا فقهيا في تلازم الإسلام مع الاستعباد وهو منه براء فما خلا كتاب فقه من باب في علاقة العبد بسيده، وكأنه باب طبيعي ثابت ثبوت الحضانة والرضاعة والصلاة... وضاعت القيم والقوانين في ظل فتاوى مهزوزة وأفهام للدين وروحه قاصرة وغريبة...

"
من استبداد الكوخ ظهر استبداد القصر، ومن غلبة الفرد الزوج ظهر استبداد الفرد الحاكم، ومن ظلم المحكوم واستبداده تجاه محكوم آخر، ظهر ظلم الحاكم واستبداده على الجميع!
"
لكن سؤالا يبقى يتردد: هل المنطلق لهذا الاستبداد المتمكن في أوصالنا ونلمسه في كل حركة من ذواتنا، كان خيمة السلطان حقا التي أفاضت على من حولها بعد أن مُلئت استبدادا وجورا، فانطلقت هذه الثنائية القاتلة وراء الأسوار ودخلت البيوت والأسواق وأصبح الجميع مستبدا في بيته الصغير وفي إطاره الذي يحمله، أيا كان هذا الإطار... فالكل يريد اتباع خطوات السلطان حتى وإن كان يسكن كوخا من قصب ولا يحمل تحت سلطانه غير كائن مكسور الجناح... فظلم الأول رعيته، وشابهه الثاني فظلم أهله وأسرته، وعانده الثالث فظلم عامله أو عاملته، وظلم الآخر تلاميذه وطلبته.

أم أن المنطلق هي ذواتنا التي حملت "جينات" الاستبداد التي كسبناها بوعي منا لما قرأنا تاريخنا ومقدسنا قراءات مغشوشة بمقاربات مزيفة أو مسقطة، أو عبر نظارات ضبابية تحمل ألوان الغير أكثر من ألواننا؟ فكان الاستبداد قهوة الصباح والمساء، نعيشه في لحاف الليل و أطراف النهار، نحمله معنا في السوق، نصطحبه في الطريق، ندخل به المدرسة أو المصنع أو المزرعة ونجعله الرفيق والصاحب والدليل! وكما تكونوا يولى عليكم، ومن استبداد الكوخ ظهر استبداد القصر، ومن غلبة الفرد الزوج ظهر استبداد الفرد الحاكم، ومن ظلم المحكوم واستبداده تجاه محكوم آخر، ظهر ظلم الحاكم واستبداده على الجميع!

من استبداد القصر إلى استبداد الكوخ
أكاد أجزم بأنه قبل أن ندخل خيمة السلطان، فخيمتنا قائمة إلى جانبه، منها انطلقنا في هذا البحر اللجي لنرى ما حولنا وإليه نعود. في بيتنا استبداد، وفي بيتنا مستبد، والاستبداد ليس جينات تتوارث، فلم يظلم الله أحدا ولكنه عقلية تبنى وثقافة تشيد ثم تربى عليها أجيال وتُطعَمها وهي ما زالت في المهد. من هنا مر الاستبداد ومن هنا خيطت أثوابه.

إن ثقافة الاستبداد وتشكل عقليته تولد ولا شك مجتمع الاستبداد وحاكما مستبدا، فمن رحم هذه العقلية نشأ المستبد وترعرع وإن تدخلت على الخط أطراف جديدة داخلية وخارجية، نفسية وجماعية، ولا شك أن أسرة الشورى ومجتمع الديمقراطية يولدان ثقافة الشورى والمواطن الديمقراطي والحاكم العادل، ولكن مع وجود المؤسسة الحامية والقوانين المحددة التي تكبح الزيغ والانحراف مهما علت أصوات المغالين والمتزلفين.

لكن في المقابل فإن الحاكم المستبد وهو يتبختر في عليائه ويتجاوز دستوره إن وجد وقوانينه، ويركض في إطار مفرغ من أي التزام أو مطالب، يمثل نموذجا وقدوة سيئة لعقليات مستضعفة ومواطنة مغشوشة، و"إذا كان رب البيت للطبل ضاربا * فلا تلم الصبيان فيه على الرقص" فيقع المحظور وتنشأ أو تتجذر ثقافة وعقلية الاستبداد لدى الخاصة والعامة من الناس. ويزداد الطين بلة إذا تحصنت هذه الثقافة ولقيت دعمها من فقه مبتور وعلم مغشوش وحواشي كتب صفراء واهية ومن فقهاء الحاشية والولائم الخاصة.

إن القراءتين تتوازيان ولا شك، بين حاكم جائر وقد ولدته ثقافة قومه، وبين شعوب اغترفت من استبداد سلطانها واستبدت بغيرها، وحتى لا نبقى حيارى ونقع في لغز أسبقية البيضة على الدجاجة أم العكس ونقع في المحظور من زيف الكلام وترفه. فالاستبداد حالنا الذي نراه في كل همسة ولمسة سواء كانت أعاصيره تخرج من فوهة الكوخ أو نافذة القصر، والاستبداد مرض الشرق بلا منازع، منه انطلق السقوط الحضاري وعبر بوابته نالنا ما نالنا من تخلف واستعمار.

رغم أن المقدس الذي نحمله ثري ولا شك بهذه الدعوة والثقافة الملزمة للشورى داخل البيت وخارجه، للحاكم والمحكوم على السواء، حتى وإن تغافل البعض من فقهائنا فجعلوها شورى إخبارية وأنشؤوا لنا مصطلح المستبد العادل والزوج الحازم.

"
في بيتنا استبداد، وفي بيتنا مستبد، والاستبداد ليس جينات تتوارث، فلم يظلم الله أحدا ولكنه عقلية تبنى وثقافة تشيد ثم تربى عليها أجيال وتُطعَمها وهي ما زالت في المهد.. من هنا مر الاستبداد ومن هنا خيطت أثوابه
"
لقد كان البيت النبوي مدرسة في بناء عقلية الشورى والمراجعة والحوار بين الأزواج، فكم تحدثت عائشة رضي الله عنها عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يتعامل مع زوجاته الفاضلات أمهات المؤمنين بكل رقة ولين وملاطفة وحسن خلق في كل الأحوال... وكم روى الأصحاب الكرام رضوان الله عليهم كيف تعامل صلى الله عليه وسلم معهم في أصعب المواقف بكل لين وصفاء وصبر وحكمة وتفهم وإنصات، وهو الرسول والإمام والقائد، ولعل الموقف في صلح الحديبية يعتبر شاملا جامعا بين تدخل المرأة وآراء الأصحاب.

فقد مال أغلبهم إلى عدم وعي وفقه موقف الرسول الكريم في القبول بالشروط المجحفة التي طالب بها المشركون في صلح الحديبية فيقول عمر رضي الله عنه قولته المشهورة "أنقبل الدنية في ديننا" وتدخل أم سلمه رضي الله عنها على الخط وهي المرأة والزوجة والصحابية، وتنصحه بالتحلل من الإحرام وسيتبعه أصحابه وهو ما فعله صلى الله عليه وسلم وتبعه الجميع وكان صلح الحديبية فتحا للمسلمين.

لقد صدق أحمد أمين في قوله الشافي الذي يفتح الباب على مصراعيه "لتذوّق" حالنا ومآلنا "انظر إلى البلاد الشرقية تجد أن المرأة في رق الرجل والرجل في رق الحاكم، فهو ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه!!!" لكن من نشأ على الشورى داخل بيته وبين أقرانه لن يقبل بغير الشورى خارج أسوار بيته، ولن يحمل هذه القابلية العجيبة للتأقلم مع وضع الاستبداد ركونا وانسحابا أو مساندة وتبنيا.

ومن نشأ على الرد والمراجعة والمحاورة سيحمل ولا شك نفسا مقاوما وعقلية رفض وبناء سليم وواع، ولن يتورع عن نبذ الاستبداد ومقاومته سلميا والوقوف صلبا أمام تحديات الواقع إذا زاغ وانحرف نحو مواطن الطغيان والجور وهو ما لا يريده الاستبداد الظاهر ولا يسعى إلى توطينه حتى لا ينفضح بناؤه وينهار، فعلموا أبناءكم الشورى وهم في البيت صغار يعيشونها في المجتمع وهم كبار.

المصدر : الجزيرة