ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


الآن، وبعد اعتراف ما يعرف بدولة العراق الإسلامية بمقتل زعيميها (أبو عمر البغدادي) ووزير حربه (أبو حمزة المهاجر) أو (أبو أيوب المصري)، يمكن التوقف عند دلالات الحدث وتداعياته على القاعدة وعلى الوضع العراقي برمته.

لعله من العبث ابتداءً النظر إلى ما جرى بوصفه إنجازا عظيما حققته الأجهزة الأمنية العراقية ومن ورائها المؤسسة الأمنية والعسكرية الأميركية، والسبب هو أن بقاء الرجلين كل هذه السنوات على قيد الحياة (تسلم البغدادي القيادة بعد مقتل الزرقاوي منتصف عام 2006) رغم المطاردة المحمومة في مساحة تكاد تكون معلومة إلى حد كبير، يشير إلى فشل أمني ذريع، لا سيما أنهما لا يسيران على الماء ولا يطيران في الهواء ولا يملك أي منهما طاقية الإخفاء، بل يديران عملهما بشكل مباشر إلى حد كبير، ويصدران البيانات والتسجيلات الصوتية دون توقف.

"
بقاء البغدادي والمهاجر كل هذه السنوات على قيد الحياة رغم المطاردة المحمومة في مساحة تكاد تكون معلومة إلى حد كبير، يشير إلى فشل أمني ذريع، لا سيما أنهما لا يسيران على الماء ولا يطيران في الهواء
"
وسيكون الفشل أكثر وضوحا إذا تذكرنا الظروف الصعبة التي عاشها التنظيم خلال العامين الأخيرين، والتي سنشير إليها لاحقا، وحجم الضربات التي تعرض لها، سواء كانت اغتيالات أم اعتقالات يترتب عليها الحصول على الكثير من المعلومات حول حركة القيادة وطريقة عملها.

ولعل السؤال الأكبر الذي يستحق الإجابة عنه هو ذلك المتعلق بتأثير مقتل الرجلين على مسار تنظيم القاعدة في العراق، لا سيما أنها عملية لم يحتفل بها المالكي وحده، وإنما جوزيف بايدين نائب رئيس الولايات المتحدة الأميركية أيضا، فهل يعني ذلك أن التنظيم قد تلقى ضربة صاعقة وقاصمة أم أن الأمر لم يكن على هذا النحو الذي تصوره الدوائر الأميركية، وكذلك العراقية التابعة لها؟

ما ينبغي أن يقال ابتداءً هو أن التنظيمات السرية المسلحة لا تتراجع أو تنتهي بمقتل قائدها الأول أو عدد من قادتها، بل إن حدوث ذلك قد يمنحها في بعض الأحيان مزيدا من القوة والمدد إذا كانت الظروف الأخرى مواتية. نقول بعض الأحيان، وليس دائما بالطبع، لأن القيادات الكاريزمية لا تتوفر بسهولة، بل لعلها نادرة إلى حد كبير.

التنظيمات السرية المسلحة تتراجع وصولا إلى النهاية عندما تغيب الظروف الموضوعية التي أدت إلى ظهورها ونموها وصعودها، وهنا في حالة تنظيم القاعدة في العراق (أسسه أبو مصعب الزرقاوي تحت مسمى جماعة التوحيد والجهاد ثم انضم إلى القاعدة وبايع أسامة بن لادن وغيّر اسمه إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ثم أصبح دولة العراق الإسلامية)، هنا في هذه الحالة من الصعب القول إن الظروف الموضوعية التي أدت إلى ظهور التنظيم ونموه وصعوده منذ حوالي سبع سنوات لا تزال تتوفر بذات المستوى.

لقد نشأ التنظيم في العراق بمسماه الأول (التوحيد والجهاد) في ظل أجواء كان تنظيم القاعدة الأم في حالة صعود، ومعه المد السلفي الجهادي، بل وعموم فكر الجهاد والمقاومة، وذلك على خلفية هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، وقبلها وبعدها أجواء انتفاضة الأقصى التي نشرت الفكر الجهادي والاستشهادي في العالم العربي والإسلامي.

وعندما جاء الاحتلال الأميركي للعراق بكل ما انطوى عليه من غطرسة وإذلال للمسلمين، صارت الأجواء أكثر استقبالا لذلك الفكر وتجلياته العملية. كل ذلك وفر لقاعدة العراق الكثير من المدد الخارجي (من المال والرجال والسلاح)، بدليل أن قوافل "الاستشهاديين" خلال السنوات الأولى كانت في معظمها من شبان جاؤوا من خارج العراق، لكن العامل الأبرز في قوة التنظيم هو الحاضنة الشعبية المتميزة التي وفرتها له مناطق العرب السنة، ومعها تدفق الشباب على الانتساب إليه، سواء تم ذلك بروحية دينية صاعدة، أم بروحية شعور العرب السنة بأن الاحتلال شكل إهانة مباشرة لهم، تبعه تهميش واسع النطاق معطوفا على حرب طائفية شرسة، من دون تجاهل الردود العنيفة من طرفهم ضد الطرف الآخر، والتي مثل تنظيم القاعدة رأس الحربة فيها.

"
لا ينبغي أن يتجاهل المراقب المنصف حقيقة دور التنظيم في إطلاق المقاومة ضد الاحتلال، ولا حجم الضربات التي وجهها لقوات الاحتلال، قبل أن يبدأ في توزيع عملياته في اتجاهات أخرى مثيرة للأسئلة والإشكالات على مختلف الأصعدة
"
ولا ينبغي أن يتجاهل المراقب المنصف حقيقة دور التنظيم في إطلاق المقاومة ضد الاحتلال، ولا حجم الضربات التي وجهها لقوات الاحتلال، قبل أن يبدأ في توزيع عملياته في اتجاهات أخرى مثيرة للأسئلة والإشكالات على مختلف الأصعدة.

اليوم يصعب القول إن ذات الظروف لا تزال متوفرة، فالقاعدة كتنظيم ورؤية لم تعد جاذبة كما كان حالها بعد سنوات قليلة من هجمات سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، والسبب بالطبع وقوعها في أخطاء كثيرة في عدد من الدول العربية لا حاجة للتوقف عندها هنا.

هذا على صعيد الفكرة، أما في الحالة العراقية فقد تراجع المدد الخارجي على مختلف الأصعدة، سواء نتج ذلك عن تغير مواقف دول الجوار، وعلى رأسها سوريا التي كانت ممر المدد الرئيس، وربما السعودية ودول الخليج أيضا، أم عن العامل الأهم ممثلا فيما يشبه الغياب للحاضنة الشعبية التي تشكل عنصر الدعم الأكبر للتنظيم.

وقد جاء انفضاض الناس من حول التنظيم إثر صدامه مع قوى المجتمع السني السياسية والعشائرية، وحتى المقاومة، من دون أن ننسى أن حرف الخطاب السياسي السائد، ومن ضمنه خطاب القاعدة، حرفه لبوصلة هذه الفئة نحو العداء مع إيران بدل الولايات المتحدة هو الذي هيأ الأجواء (إلى جانب أخطاء القاعدة) لنشوء الصحوات التي ضربت القاعدة وقوى المقاومة الأخرى في آن معا. ولا ننسى بالطبع المساهمة الكبيرة للقوى المنضوية في جبهة التوافق في نشوء الصحوات، وعلى رأسها جبهة التوافق بقيادة الحزب الإسلامي.

على أن كل ذلك لا يدفع نحو القول إن القاعدة قد انتهت، ليس فقط لأن البغدادي والمهاجر لم يكونا قائدين يتمتعان بكاريزما خاصة كما كان حال الزرقاوي مثلا، مما يعني إمكانية إشغال موقعهما بسهولة، بل أيضا لأن العمليات العسكرية التي نفذها التنظيم خلال العام المنصرم والحالي، بصرف النظر عن الموقف الشرعي والسياسي منها، تؤكد أنه لا يزال يملك بعض القوة، وله من يؤيدونه في مناطق العرب السنة، أيا تكن الاعتبارات التي تحركهم. مع ضرورة القول إن استمرار العمليات التي تستهدف مواقع مدنية وتقتل الأبرياء لن يصب في صالح التنظيم، وسيساهم أكثر فأكثر في عزله وتهميشه.

خلاصة القول هي أن الظروف الموضوعية التي تمنح التنظيم فرصة البقاء (نقول البقاء لأن التراجع قد وقع) لا تزال متوفرة، وهي الاحتلال والصراع الطائفي، ومن ضمنه تهميش العرب السنة، ولا شك أن فشل مراهنة هذه الفئة على تحسين وضعها من خلال العملية السياسية بعد تصويتها الواسع لقائمة العراقية سيمنح القاعدة بعض المدد، لاسيما إذا أجرى التنظيم مراجعة جدية لطرائق عمله وعموم مساره العسكري والسياسي.

وإذا ثبت فشل المراهنة على العملية السياسية، فسيعني ذلك أن حكاية القاعدة في العراق لم تقترب من نهايتها بعد، حتى لو اتفقنا مع القائلين بأن أية ظروف مهما كانت لن تعيدها إلى ما كانت عليه خلال الأعوام الأولى بعد الاحتلال.

"
لا يزال تحقيق الاستقرار في العراق بعيدا، ولن يتحقق من دون تفاهم عربي إيراني تركي يجعل من ذلك البلد بعد إخراج المحتل وتحقيق السيادة الكاملة عنوانا للتعايش بين الأعراق والطوائف في المنطقة
"

سيعتمد الأمر أيضا على تطور وضع قوى المقاومة الأخرى ذات الطابع الإسلامي الوطني، ذلك أن عودة تلك القوى إلى الفعل المؤثر سيساهم في المزيد من عزل القاعدة، لأن الشبان الراغبين في الجهاد سيجدون في تلك القوى ملاذا أكثر قبولا يحظى باحتضان شعبي، بدل اللجوء إلى القاعدة الأكثر انكشافا أمام أجهزة الأمن.

أما في حال وقوع تحسن ملموس في وضع العرب السنة (مؤشرات ذلك تبدو محدودة لأن القوى الشيعية ورموزها لن يتنازلوا عن مكاسبهم بسهولة)، فإن تراجع القاعدة سيتواصل، لكن معظم المؤشرات لا تزال تقول إن الاستقرار لا يزال بعيدا، وإنه لن يتحقق من دون تفاهم عربي إيراني تركي يجعل من ذلك البلد بعد إخراج المحتل وتحقيق السيادة الكاملة عنوانا للتعايش بين الأعراق والطوائف في المنطقة، ويضع الأولوية للتصدي للمشروع الأميركي الصهيوني الذي لا يريد خيرا بالأمة جمعاء.

المصدر : الجزيرة

التعليقات