برهان غليون

برهان غليون

أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس.


حتى غزو البريطانيين للهند، ثم نابليون لمصر في المنتصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم يكن الغرب يعني شيئا آخر بالنسبة لعرب لم يكونوا يعرفون أنفسهم أصلا إلا على أنهم مسلمون، سوى منطقة جغرافية تحتلها شعوب مسيحية يغلب على نظم حياتها طابع البدائية.

كان الغرب يعني مغايرة دينية بالأساس، وكانت العلاقة به مشروطة بالعلاقات الإسلامية المسيحية، سواء كانت في إطار المناظرة بين الأديان على شرعية التوحيدية أو الصراع على السيطرة المتوسطية ومن ورائها العالمية. ولا تزال آثار هذه النظرة مستمرة عند قطاع واسع من الرأي العام العربي المعاصر الذي ينظر إلى العلاقة الجديدة مع الغرب من منظار التاريخ الوسيط وحسب محدداته الدينية.

"
انتصار الغربيين وتمكنهم من السيطرة على بلاد المسلمين من جهة، والنكسات المتتالية التي منيت بها جيوش السلطان العثماني في أوروبا خلال أكثر من قرن، فتحت أذهان النخب الإسلامية على حقائق جديدة تخص الغرب المسيحي
"
لكن انتصار الغربيين وتمكنهم من السيطرة على بلاد المسلمين من جهة، والنكسات المتتالية التي منيت بها جيوش السلطان العثماني في أوروبا خلال أكثر من قرن، فتحت أذهان النخب الإسلامية على حقائق جديدة تخص الغرب المسيحي. ومن هذه الحقائق التي لفتت النظر بقوة التقدم التقني والعلمي الذي طبع ثقافة الغرب وبث الحركة في مجتمعاته ونظم إدارته وتنظيمه، منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر بشكل خاص. وشيئا فشيئا أخذ جانب الإنجاز الحضاري الذي حققه الغرب يطغى على التمايز الديني في نظر قطاعات واسعة من النخب الإسلامية والعربية.

فاكتشف العرب والمسلمون مفهوم التقدم الذي أنضجه عصر الأنوار، وفي موازاته وبالارتباط به مفهوم الانحطاط التاريخي الذي طبقوه على تاريخهم الماضي. ونظر قسم متزايد من النخب المحلية إلى هذا التاريخ والنظم الاجتماعية التي عرفها كنماذج للجمود والخمول والترهل.

وبالمقابل أصبح التعلم على يد الأوروبيين والاقتداء بأعمالهم في الأدب والسياسة والفنون ميدانا للإبداع، ولتجديد الفكر واللغة وأساليب التعبير ومنظومة المفاهيم السائدة في المناظرة العقلية والسياسية. فتجددت المصطلحات، وكتبت الموسوعات، وترجمت مؤلفات عديدة إلى اللغة العربية، وظهرت فنون القصة والرواية والمقالة الصحفية والمناظرة الفكرية، في حجر ثقافة إسلامية بقيت إلى حقبة طويلة رهينة الجدالات والتعليقات والشروح الدينية.

ولعل أكثر ما يعبر عن هذه الروح الجديدة التي طبعت العلاقة مع الغرب والنظرة إليه في تلك الفترة، هو النهضة الفكرية والأدبية التي شهدتها الحواضر العربية المشرقية التي كانت على اتصال تاريخي أكبر مع الغرب وفي احتكاك مباشر معه بسبب الحروب والصراعات الدينية.

ما كان من الممكن تفسير تقدم الغرب في معاركه العسكرية، وتغلبه على جيوش المسلمين وإمبراطورياتهم التاريخية، بعامل الدين من دون الاعتراف الضمني بتفوق المسيحية على الإسلام ومسايرتها لحاجات تطور العلم والتقنية والنظر العقلي.

وهو ما حاول بعض المثقفين الغربيين تسويده بالفعل لتفسير تفوق الغرب. وهذا ما دفع الإصلاحيين المسلمين إلى الرد دفاعا عن الإسلام، كما هو واضح في رد الأفغاني على الفيلسوف الفرنسي رينان في مقالته الشهيرة، والشيخ محمد عبده على هاناتو في كتابه الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية.

وقد رأى المصلح الإسلامي العربي أن تقدم الغرب ليس ثمرة تسامح المسيحية مع العلم وإنما نتيجة الأخذ بالأسباب العقلية، كما أن تخلف الشرق وانحطاطه ليس ثمرة تعصب الإسلام ورفضه للعلم والفلسفة العقلية، وإنما نتيجة انتشار الجهل وسوء تفسير الإسلام واختلاطه بالخرافة وبالعقائد الجبرية والاتكالية عند معتنقيه.

ومن هنا نظر المصلحون إلى الكشف عن توافق الدين مع العقل في الإسلام ومن ورائه مصالحة الإسلام مع العلم والنظر العقلي باعتبارهما جوهر الإصلاح الديني وغايته. وقد اتهم محمد عبده الذي قاده إخفاق تجربة الثورة العرابية إلى تقديم مهام الإصلاح على مقاومة الاحتلال واعتبارها شرطا للتخلص الفعلي منه، بممالأة السيطرة البريطانية. وهي التهمة ذاتها التي ألصقت بأحمد خان المصلح الإسلامي الهندي الشهير.

"
الجديد في الإصلاح الإسلامي، في الهند كما هو الحال في العالم العربي وغيرهما، أنه ميز داخل الغرب بين الجانب السلبي الذي هو السيطرة والاحتلال الناجمين عن التفوق الحضاري، أي العلمي والتقني، والجانب الإيجابي الذي هو عناصر هذا التفوق العلمي والتقني
"
والجديد في الإصلاح الإسلامي، في الهند كما هو الحال في العالم العربي وغيرهما، أنه ميز داخل الغرب بين الجانب السلبي الذي هو السيطرة والاحتلال الناجمين عن التفوق الحضاري، أي العلمي والتقني، والجانب الإيجابي الذي هو عناصر هذا التفوق العلمي والتقني.

واعتبر المصلحون عموما أن العناصر الأخيرة بعكس الأولى، ليست من متطلبات الخصوصية الثقافية الغربية ولا مشروطة بها، وإنما هي ذات طبيعة عامة كونية مرتبطة بالعقل الذي هو مشترك بين جميع أبناء الإنسان.

وشيئا فشيئا سيتبلور موقف قوي في وسط النخب الإسلامية يميز في ثقافة الغرب ونظمه بين ما هو صالح ينبغي الأخذ به، حتى لو جاء على يد غير مسلمين، من علوم وتقنيات وتنظيمات مدنية أو إدارية أو سياسية، وبين ما هو سلبي خاص بالغرب ومخالف لعقائد الإسلام وتقاليد المسلمين وقيمهم الثقافية.

ففتحوا بذلك باب الاقتداء بالغرب الحضاري على مصراعيه، ولم يعد هناك أي حرج في أن يتمثل المسلمون قيم الحضارة الحديثة العلمية، ويعيدوا إنتاجها على شكل نظم تعليمية حديثة وإدارات حديثة ودول قومية وجيوش عصرية وسياسات اقتصادية تصنيعية ونظم ليبرالية ديمقراطية أو شوروية.

وقد حكمت هذه النظرة موقف القطاع الأكبر من النخب الليبرالية التي سيطرت على المجتمعات العربية في النصف الأول من القرن العشرين والتي نجحت في الجمع بين العمل على بناء دول دستورية حديثة وقيادة الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية.

في ظل هذا الموقف لم يعد الغرب عدوا فحسب، وإنما أصبح ينظر إليه باعتباره شريكا وأحيانا حليفا أيضا في معركة الارتقاء في سلم المدنية الذي يسعى إليه المسلمون. ولم يعد الصراع الضروري والمشروع ضد سيطرته يمنع من الاقتراب منه والتأثر بنظمه وتمثل علومه وثقافته.

وهذا ما يفسر نشوء أحزاب وتنظيمات سياسية واجتماعية تقتدي بأحزاب الغرب وتنظيماته، وتتعاون معها، انطلاقا من المشاركة في القيم نفسها، كالأحزاب القومية والماركسية والليبرالية، كما يفسر النهضة الفكرية والأدبية الكبيرة التي شهدتها الثقافة العربية التي طعمتها الآداب الغربية وأخصبت عقول منتجيها.

وتشكل هذه اللحظة الليبرالية أحد أهم معالم التراكم المعرفي والحضاري في الثقافة العربية بعد لحظة النهضة الأولى في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر.

"
أوهام العرب عن الغرب باعتباره شريكا في عملية التقدم وتمثل الحضارة لم تكن بعيدة عن أوهام الغربيين أنفسهم في الإيمان بمقدرة العرب على التقدم في عملية التراكم الحضاري على الطريقة الغربية
"
والواقع أن أوهام العرب عن الغرب باعتباره شريكا في عملية التقدم وتمثل الحضارة لم تكن بعيدة عن أوهام الغربيين أنفسهم في الإيمان بمقدرة العرب، مثلهم مثل بقية الشعوب الكثيرة التي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، على التقدم في عملية التراكم الحضاري على الطريقة الغربية.

ولعل أكثر ما عبر عن ذلك نظرية التطور الاقتصادي ومراحلها الخمس كما جاءت على يد الأميركي روستو، والتي استمرت عبر نظريات التحديث التي سيطرت على حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما أعقبها في الستينيات والسبعينيات من نظريات عالمية في التنمية والخروج من التخلف ومجاراة الدول الصناعية في سيرها الحديث نحو إقامة مجتمعات الرفاه والديمقراطية والسلام.

فقد كان الغرب يعتقد أيضا، بليبرالييه وماركسييه، أن جميع الشعوب سوف تسير على خطى المجتمعات الغربية، وتطور نظما اقتصادية وسياسية ليبرالية تجمع بين التطور الاقتصادي والتقدم العلمي والتقني، واستقرار النظم الديمقراطية التعددية.

لم يكن أحد يعتقد أن ثقافة الشعوب غير الأوروبية يمكن أن تشكل عائقا أمام المسيرة المنتصرة للحداثة والتقدم. فمثل هذا الاعتقاد كان يعني أن النموذج الاجتماعي الحديث ليس كونيا ولا إنسانيا ولا قيمة له إلا في بلاد منشئه وحدها. وهو ما يتناقض كليا مع المسلمات التأسيسية للحداثة ذاتها.

ولا ننسى أن الاستعمار قد قدم هو نفسه باعتباره مشروعا لتعميم التقدم الذي تقود مسيرته الشعوب الأوروبية، في أنحاء العالم الأخرى الغارقة في الجهل التاريخي الطويل. وهذا هو نفسه السبب الذي يفسر أيضا أنه لم يطرح أحد في بلاد العالم غير الأوروبي نماذج الحداثة الغربية للنقد أو التشكيك.

لقد كان التقدم يعني عند هؤلاء وفي مقدمهم العرب، ولا يزال إلى حد كبير، الاقتداء بالنماذج الغربية للحداثة في كل الميادين، العلمية والتقنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ففي هذا الاقتداء يكمن شرط الولوج إلى العالمية أو الكونية.

أمام الفشل الواضح اليوم في لحاق الجنوب أو معظم شعوبه بالشمال في طرائق إنتاجه ونظم حياته السياسية والثقافية، وهو ما عمق الشعور بأزمة الحداثة بل بخرابها، سيبرز موقفان. الأول غربي يحول الثقافة العربية إلى كبش فداء يسعى من خلاله إلى تفسير فشل تعميم نموذج المدنية الغربية، أي إلى إنقاذ فكرة الحداثة الكونية بإدانة ثقافة العرب والمسلمين والتركيز على خصوصيتها وطابعها الاستثنائي الذي يجعلها، من دون جميع ثقافات العالم، غير قابلة للتفاعل مع قيم العصر الحديث. فهي ثقافة عاطفية وانفعالية، لا عقلانية ولا عملية، ترعى العنف وترفض الآخر، وتعادي أي شكل من أشكال التعددية. وكلها صفات الثقافة البدائية.

والثاني عربي، يميل إلى تحميل الحداثة نفسها مسؤولية جميع ما تعاني منه المجتمعات العربية الراهنة من إخفاقات ونقائص وعيوب. والنتيجة التخلي المزدوج عن أفق العالمية والكونية الذي فتح باب إخصاب الثقافات التقليدية وما تبعه من نهضة فكرية وأدبية ولغوية وحضارية لا ريب فيها، كما مكن الغرب من بناء إمبراطوريات عالمية ضمنت له خلال قرون عديدة الموارد الطبيعية والسيطرة والسيادة العالمية التي كانت وراء نهضته التقنية والعلمية الاستثنائية.

"
لا يشجع التقوقع على الموقف الخصوصي الذي يسيطر اليوم، في الغرب والشرق العربي معا، على مراجعة عقلانية لتجربة الاندراج الفاشل في الحداثة ومن ورائها في العمل على إبداع مدنية عالمية
"
لا يشجع التقوقع على الموقف الخصوصي الذي يسيطر اليوم، في الغرب والشرق العربي معا، على مراجعة عقلانية لتجربة الاندراج الفاشل في الحداثة ومن ورائها في العمل على إبداع مدنية عالمية ترسخ أسس التضامن بين جميع الشعوب والبلدان وتضاعف فرص الارتقاء، وتجدد مفاهيم التقدم نفسه على ضوء الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه البيئة ومستقبل الأرض والإنسان.

إنه يدفع بالعكس إلى التخلي المتبادل عن المسؤوليات بالانكفاء على موقف الضحية وتحويل الآخر إلى جلاد، في إطار العودة نحو مواجهة شاملة وقطيعة فكرية ودينية وسياسية واجتماعية معا.

هكذا يعتقد الغربيون في غالبيتهم أن الخطر الأول الذي يتهدد مجتمعاتهم اليوم ويزعزع استقرارها هو الإرهاب والعنف الإسلاميان، ولا يهتمون بشيء سوى تطوير سبل تهميش المسلمين وتقييد حركتهم وإخضاعهم. بينما يحمل العرب الغربيين، أو الهيمنة الغربية، مسؤولية كل ما عرفوه ويعرفونه من إخفاق في الإقلاع الاقتصادي وبناء الأمة والدولة، وغياب الطفرة العلمية والتقنية، وانتشار النزاعات الداخلية والحروب الخارجية، وسيطرة الديكتاتوريات الفاسدة، ويرجعون كل ذلك إلى سياسات الغربيين وخداعهم ومؤامراتهم.

ومن المؤكد أن مثل هذا الموقف لا يشجع لا العرب ولا الغربيين على القيام بمراجعة عقلية وناجعة لأسباب الفشل المشترك في بناء عالم حديث قائم على مبادئ إنسانية وقادر على إدراج جميع الشعوب والمجتمعات في حياة ثقافية وسياسية سليمة ومرضية، أي بناء حضارة إنسانية جديدة كانت ولا تزال حلما ملهما، بدل الانخراط في عولمة تعيد إنتاج علاقات الغالب والمغلوب لحقبة الاستعمار القديمة، بوسائل وصور أخرى.

والواقع أن موقف الضحية الذي يميل إلى الأنين والشكوى يعكس رفض مواجهة الواقع، والخوف من مراجعة الذات والعجز عن فحص السلوك والممارسة، يقود لا محالة إلى إعادة إنتاج المواجهة من حيث هو يسعى إلى تبريرها وإضفاء الشرعية التاريخية عليها.

والنتيجة هي ما نشهده اليوم: تفاقم أزمة الأمن وما يعنيه ذلك من خوف متزايد على الذات وتصعيد لإجراءات القمع والقهر وإستراتيجيات السيطرة في الغرب، وتراجع مستمر في فرص التمدن والارتقاء إلى مستوى الحياة الأخلاقية السليمة والمرضية في العالم العربي وبقية بلدان الجنوب.

ليس تمثل قيم الحداثة هو السبب في تفجر أزمة الهوية والخوف على الذاتية في العالم العربي، وإنما إخفاق النهضة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية وبالتالي الاستبعاد من التاريخ والمشاركة في العالم الجديد.

وبالمثل، ليس السبب في انعدام الأمن الداخلي والوطني والعالمي، الذي تشكو منه اليوم مراكز الحضارة الصناعية والتقنية، تخلف الثقافات غير الأوروبية وعدم مقدرتها على تمثل قيم العصر، وبالتالي مقاومة شعوبها للمدنية، وإنما بالعكس أيضا.

إنه انسداد أفق هذه المدنية وتراجع الأمل بإمكانية الوصول إليها عند هذه الشعوب بسبب السيطرة الغربية التي أصبحت هيكلية في النظام العالمي. فنظام هذه السيطرة هو الذي يشكل اليوم العائق الرئيسي أمام تعميم قيم الحداثة وتقدم قضيتها عند العرب وغيرهم من الشعوب الكثيرة. تماما كما أن منهج الالتحاق والتبعية والاقتداء والمحاكاة الذي ميز سلوك العرب وغيرهم من شعوب الجنوب تجاه "حداثة الغالب" ونماذجها هو الذي يفسر فشل عمليات النهضة والتقدم، والانكفاء على الماضي.

مما يعني أن تنامي عداء العرب والمسلمين للغرب ليس تعبيرا لا تاريخيا عن ثقافة تقليدية مستبطنة للعنف وخالية من القيم الإنسانية وإنما هو الثمرة الطبيعية والحتمية للإحباط التاريخي الناجم عن حرمان الشعوب الأخرى، وأحيانا باسم الحداثة، من الحداثة الحقة، أي من فرص التقدم الحقيقي، والاندراج الفعلي والناجع في العصر والمشاركة في المسؤوليات الجماعية للمنظومة الدولية.

والنتيجة ليس من الممكن لحضارة عالمية أن تزدهر وتعيش في سلام طالما بقيت عاجزة عن إدماج الشعوب الأخرى أو ثابرت على حرمانها من التقدم والمشاركة، تماما كما أنه ليس من الممكن لهذه الشعوب أن تصون هويتها وتحتفظ بثقافتها من دون أن تعيد بناءها في أفق العالمية وباستلهام معاييرها.

"
مهما شددنا على مثالب الحداثة وسلبياتها، وهي لا تحصى، لن نستطيع أن نقنع أحدا، ولا أنفسنا، بأن مستقبل مجتمعاتنا يوجد خارج أفق الديمقراطية والتنمية الاجتماعية واستقلال الأفراد وسيادتهم على أنفسهم
"
ما هو مطلوب ليس رمي الحداثة العالمية في البحر بوصفها سبب الاستلاب والتخلف والتبعية، وإنما نظام السيطرة الغربية الذي ارتبط بها وترسخ عبر محاكاة نماذجها. ولا المطلوب محو الشخصية وتجريد الشعوب من ثقافتها الخاصة باسم الحداثة وإنما مواجهة مشاكل الاندراج الاقتصادي والسياسي والثقافي في العصر، الذي يشكل وحده مصدر إحياء الثقافات وتجديدها وتحويلها إلى حامل فعلي لهويات حية وتاريخية لا لعصبية طبيعية.

ومنذ اللحظة التي سنتمكن فيها من النظر إلى الحداثة من خارج منطق النقل والاقتداء والمحاكاة للنماذج الجاهزة، أي خارج أفق السيطرة الغربية الخاصة أيضا، سنجد أنفسنا مضطرين للتعامل مع الحداثة بمنهج آخر. ولن نرى فيها حقيقة ناجزة ولا جوهرا ثابتا ولا نموذجا مثاليا أو كاملا يحتذى. سنجاهد عندئذ في تحويلها في اللحظة والحركة نفسها التي نسعى فيها إلى تحويل أنفسنا ومجتمعاتنا من خلالها.

ومهما شددنا على مثالب الحداثة وسلبياتها، وهي لا تحصى، لن نستطيع أن نقنع أحدا، ولا أنفسنا، بأن مستقبل مجتمعاتنا يوجد خارج أفق الديمقراطية والتنمية الاجتماعية واستقلال الأفراد وسيادتهم على أنفسهم، أو بأن سبل العدل في أوطاننا تسير حتما في عكس توجهات سبل العدالة والحرية وحقوق الإنسان في بقاع العالم الأخرى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك