حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


مصر ونيلها في خطر
ثنائية حدية في المواقف
السيناريوهات المتوقعة

تعد مقولة "مصر هبة النيل" أحد المبادئ الحاكمة لحركة الدولة المصرية من أجل تأمين حدودها الجنوبية. فإذا كانت النقوش الموجودة على جدران معبد الدير البحري تؤكد على عمق الروابط بين مصر الفرعونية ومنطقة أعالي النيل فإن محمد علي باشا مؤسس الدولة الحديثة حاول بذل ما في وسعه لضم مناطق النيل الأبيض بما في ذلك بحيرة فيكتوريا بحيث تصبح جزءا من حدود مصر الجنوبية.

وقد ازدادت حساسية وتعقد القضية المائية لمصر بعد تأسيس الدولة العبرية عام 1948 حيث إنها تبنت أيديولوجية الحركة الصهيونية الرامية إلى ضم كل من نهري النيل والفرات إلى حدودها. وأحسب أن مشروع "ترعة السلام" الذي اقترحه الرئيس أنور السادات لتوصيل مياه النيل إلى صحراء النقب يعكس هذا التوجه التوسعي لمفهوم "إسرائيل الكبرى".

"
تحولت موارد مثل النفط والمياه من كونها نعمة وهبها الخالق للإنسان ليساعده بها في إعمار الأرض لتصبح نقمة ووسيلة من وسائل نشر الصراعات العنيفة والفقر والتخلف في مناطق وجودها
"
على أن إسرائيل ما فتئت بعد فشل مشروع ترعة السلام تعمل من أجل استخدام قضية المياه للضغط على الإرادة المصرية وتقويض أهم مقومات الأمن القومي المصري. وقد حاولت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي مساعدة إثيوبيا على إنشاء سد النيل الأزرق بهدف توفير المياه والكهرباء، وهو ما دفع بالرئيس السادات إلى وضع خطة طوارئ لمواجهة هذا الخطر المحدق بالأمن المائي المصري، لدرجة أنه هدد بالفعل للجوء إلى الخيار العسكري لتدمير مثل هذا النوع من السدود التي تؤثر على حصة مصر من مياه النيل.

أضحت قضية مياه النيل إذن موضوعا لتجاذبات السياسة وتعقيداتها، بل وتحدث البعض عن حروب المياه القادمة في المنطقة. وذهب نفر آخر من الكتاب يتحدث عن الصراع حول توزيع مياه نهر النيل في إطار مفهوم "لعنة" الموارد الطبيعية في أفريقيا.

فقد تحولت موارد مثل النفط والمياه من كونها نعمة وهبها الخالق للإنسان ليساعده بها في إعمار الأرض لتصبح نقمة ووسيلة من وسائل نشر الصراعات العنيفة والفقر والتخلف في مناطق وجودها. فأين نهر النيل من كل ذلك؟

مصر ونيلها في خطر
يلاحظ المتابع للتفكير الإستراتيجي المصري الحديث، رغم التطورات الفارقة التي شهدها على مدى العقود الثلاثة الماضية، أنه ينظر إلى مسألة المياه باعتبارها قضية مصيرية وترتبط بالأمن القومي المصري في صياغته المباشرة. وهكذا فإن عبارات مثل "النيل خط أحمر" وعدم التفريط في قطرة واحدة من مياه النيل لا تزال تهيمن على الخطاب المصري العام فيما يتعلق بنهر النيل.

ولعل ذلك الإدراك المصري يفسر لنا إخفاق اجتماع شرم الشيخ لوزراء مياه دول حوض النيل الذي عقد في 14/4/2010 في الوصول بمبادرة حوض النيل إلى غايتها. فقد فشل الاجتماع في التوقيع على اتفاقية التعاون الإطاري التي بدأ التفاوض على بنودها منذ العام 1999. لقد اصطدمت العملية التفاوضية منذ ذلك الحين بموقف مصري، وإلى حد ما سوداني، لا هوادة فيه يؤكد على الحقوق التاريخية لدولتي المصب.

ويمكن القول إجمالا إن السبب الرئيس لفشل اجتماع شرم الشيخ إنما يرجع إلى رفض مصر تخفيض حصتها المائية المقدرة عند أسوان بنحو (55.5) مليار متر مكعب سنويا. وقد تمترس المفاوض المصري دوما حول ثلاثة مبادئ حاكمة غير قابلة للتنازل، وهي: أولا التمسك بحقوق مصر المكتسبة في مياه النيل، وثانيا ضرورة موافقة مصر المسبقة على أي مشروعات مسبقة تقام في حوض النيل، وثالثا حصول مصر على حق الفيتو في أي تجمع مائي يضم دول حوض النهر العشر.

وعادة يستند الموقف المصري على النظام القانوني لنهر النيل والموروث عن العهد الاستعماري باعتباره لا يزال ساري المفعول والتأثير وفقا لقاعدة التوارث الدولي. وعليه فإن كلا من مصر والسودان يرفعان تلك القاعدة ويطالبان بضرورة التمسك باتفاقية عام 1929 التي وقعتها مصر مع بريطانيا العظمى واتفاقية العام 1959 بين مصر والسودان حيث إنهما يوفران الأساس القانوني لحصول مصر على النصيب الأوفر من مياه النيل فضلا عن اشتراط حصول أوغندا وبقية دول المنبع على موافقة مصر المسبقة على أي مشروعات خاصة باستخدام مياه النيل.

"
مكمن الخطورة في الأزمة الراهنة لنهر النيل تتمثل في أن مصر وبقية دول الحوض تتجه إلى مرحلة تتسم بشح المياه, فمصر تكاد تعتمد اعتمادا كليا على مياه النيل, كما أن بقية دول حوض النيل تواجه نفس التحديات المائية
"
ولعل مكمن الخطورة في الأزمة الراهنة لنهر النيل تتمثل في أن مصر وبقية دول الحوض تتجه إلى مرحلة تتسم بشح المياه، فمصر تكاد تعتمد اعتمادا كليا في الحصول على احتياجاتها من المياه العذبة على حصتها من مياه النيل. وتشير تقديرات مجلس الوزراء المصري إلى أن مصر مقبلة على عجز مائي، إذ من المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد من المياه في مصر بحلول العام 2020 ليصل إلى نحو (500) متر مكعب سنويا، وهو أقل كثيرا من خط الفقر المائي.

ومن اللافت للانتباه حقا أن بقية دول حوض النيل تواجه نفس التحديات المائية التي تواجهها مصر وإن اختلفت الدرجة. فهي تعاني من نقص المياه وتدهور التربة وارتفاع معدلات التلوث. وكلما استمرت معدلات الزيادة السكانية في دول حوض النيل على ارتفاعها استمر الضغط على مياه النيل.

وعلى سبيل المثال، تواجه أوغندا التي شهدت انخفاض مستويات المياه في بحيرة فيكتوريا في السنوات الماضية معضلة كبرى في كيفية تحقيق الأمن المائي لملايين السكان الذين يعتمدون على مياه النيل.

ثنائية حدية في المواقف
ويلاحظ أن جهود التعاون المائي بين دول حوض النيل في مرحلة ما بعد الاستعمار قد اتسمت بالجزئية وعدم الشمول، وربما انطوت على رؤى سياسية واسعة مثل تجمع "الأندوجو" عام 1983 الذي ضم في عضويته جمهورية أفريقيا الوسطى وهى لا تنتمي إلى حوض النيل في حين قاطعته إثيوبيا.

وعليه مثل التوقيع على مبادرة حوض النيل عام 1999 نقطة تحول كبرى في تاريخ التعاون المشترك بين دول حوض النيل. إذ لأول مرة يحدث توافق عام بين الدول النهرية (باستثناء إريتريا) وهي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية إضافة لدولتي المصب مصر والسودان، وذلك من أجل الوصول إلى اتفاق جديد للتعاون الإطاري بين هذه الدول.

وقد أظهرت المفاوضات الخاصة بمبادرة حوض النيل على مدى السنوات العشر الماضية وجود ثنائية حادة بين دول النهر، بحيث أصبحنا أمام فريقين، أولهما يضم دول المنبع السبع والثاني يضم دولتي المصب مصر والسودان.

"
أظهرت المفاوضات الخاصة بمبادرة حوض النيل على مدى السنوات العشر الماضية وجود ثنائية حادة بين دول النهر بحيث أصبحنا أمام فريقين أولهما يضم دول المنبع السبع والثاني يضم دولتي المصب مصر والسودان
"
ففي اجتماع كينشاسا المنعقد يوم 22 /5/2009 اعترضت مصر على ثلاث مواد رئيسة في الاتفاق الإطاري المقترح، وهي: المادة (14 ب) الخاصة بالأمن المائي حيث تصر مصر على ضرورة النص صراحة على حقوقها المائية المكتسبة، والمادة (8) التي ترى مصر ضرورة تضمينها مسألة الموافقة المصرية المسبقة على أي مشروعات مائية تقام في أعالي النيل وفقا لإجراءات البنك الدولي. وأخيرا تعديل المادة (34 أ وب) بحيث يكون الإجماع وليس الأغلبية هو المبدأ المعمول به لتعديل نصوص الاتفاق أو ملاحقه.

عندئذ واجهت مصر موقفا عصيبا يتمثل في تكتل دول حوض النيل السبع مجتمعة وراء موقف موحد يخالف الموقف المصري والسوداني، ولم تفلح الجهود التفاوضية في إحداث أي اختراق لموقف الطرفين، وهو ما أدى إلى فشل اجتماع الفرصة الأخيرة في شرم الشيخ.

السيناريوهات المتوقعة
أحسب أن الموقف الراهن بين دول حوض النيل ينذر بعواقب وخيمة على مسيرة التعاون المشترك بين الدول النهرية، وهو ما يؤثر يقينا على جهود تحقيق السلام والتنمية في المنطقة. ويمكن تصور سيناريوهات ثلاثة لمسارات الأزمة المائية الراهنة في حوض النيل:

السيناريو الأول: ويشير إلى استمرار حالة الثنائية والانقسام الراهنة بين دول المنبع من جهة ودولتي المصب من جهة أخرى، وعليه يمكن للدول السبع أن تبدأ منفردة في التوقيع على اتفاقية التعاون الإطاري ابتداء من 14/5/2010 لتدخل بعد ذلك في إجراءات التصديق عليها. ولا شك أن مثل هذا التطور إن تحقق سوف يخلق حالة فوضوية وكارثية تؤثر يقينا على الاستغلال المشترك لحوض النيل وتقلل من فرص التعاون والتنمية لموارد النهر.

السيناريو الثاني: ويتمثل في إمكانية العودة للوراء بحيث تضيع جهود التعاون المشترك، بما في ذلك خبرة عشر سنوات من التعاون في ظل مبادرة حوض النيل الحالية.

فمن الملاحظ أن هذه المبادرة شهدت تحولا واضحا في الموقفين المصري والإثيوبي، ولا سيما فيما يتعلق بالنظر إلي مياه النيل باعتبارها ملكية مشتركة تعود بالنفع على جميع الدول المشاطئة له. ولعل خطورة هذا السيناريو إن تحقق تتمثل في العودة بالأوضاع إلى المربع الأول بما يعنيه من ضياع الفرصة نحو دعم جهود التعاون والتنمية في حوض النيل.

"
أي حرب تختارها مصر في الدفاع عن أمنها المائي؟ أهي الحرب في ساحة النزال والوغى؟ أم تكون الحرب المقبلة لمصر في ساحة الدبلوماسية والتأكيد على عناصر قوتها الناعمة؟
"
السيناريو الثالث: ويشير إلى إمكانية تجاوز المسار الجماعي في التعاون لصالح إعطاء الأولوية لمسار التعاون الثنائي، وربما تلجا الدبلوماسية المصرية إلى هذا الخيار لمحاولة شق الموقف الموحد لدول أعالي النيل. ولا أظن أن مثل هذا البديل قادر على تحقيق الأمن المائي المصري أو حتى أمن الدول النيلية الأخرى التي باتت تعاني أزمة واضحة في المياه.

ما السبيل إذن؟ باعتقادي أن التفكير السائد الخاص بحرب المياه أو القول باستعداد مصر للدخول في حرب مقبلة إن تأثرت حصتها التاريخية من مياه النهر ولو قيد أنملة إنما هو أمر يتسم بعدم الحكمة وعدم الواقعية في آن واحد، بل إنه يسهم في تعقيد الأمور التي تعاني أصلا من التعقيد البالغ. وربما يكون من الملائم لمصر أن تستخدم أدوات قوتها الناعمة المتعددة لكسب عقول وقلوب أبناء النيل، ومن ثم تطرح لهم شيئا مقابل المياه.

كما أن التأكيد على المنظور التفاوضي السلمي والجماعي في حسم القضايا الخلافية يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. فأي حرب تختارها مصر في الدفاع عن أمنها المائي؟ أهي الحرب في ساحة النزال والوغى؟ أم تكون الحرب المقبلة لمصر في ساحة الدبلوماسية والتأكيد على عناصر قوتها الناعمة؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك