نواف الزرو

نواف الزرو


ما وراء قرار ترحيل سبعين ألف فلسطيني
فكر الاقتلاع والترحيل قبل قيام الدولة الصهيونية
البداية السرية المبكرة للترانسفير في الضفة
خطة مبيتة لترحيل مائتي ألف فلسطيني
نحو جملة عربية واحدة مفيدة

بهذا الأمر العسكري الإسرائيلي القاضي بترحيل نحو سبعين ألف مواطن فلسطيني عن أرض القدس والضفة وتقديمهم للمحاكمة بتهمة "التسلل إلى الضفة -وطنهم الطبيعي- تصوروا...!" (وقد يكون الرقم متحركا إلى أعلى من ذلك وفقا للأجندة السرية الإسرائيلية في هذا الصدد) والذي من المقرر أن يكون قد دخل حيز التطبيق الثلاثاء 13/4/2010، فإن فكر الترانسفير والتطهير العرقي يعود ليتسيد المشهد الفلسطيني والأجندة السياسية الصهيونية من جديد.

ولا شك أن هذا القرار يعتبر الأخطر في الأوامر العسكرية الاحتلالية المتخذة منذ عام 1967، وذلك كونه يشتمل على كافة المعاني والدلالات والتداعيات المتعلقة بحقيقة وجوهر الصراع المحتدم مع المشروع الصهيوني على الأرض والوجود والمستقبل.

ما وراء قرار ترحيل سبعين ألف فلسطيني

"
إن كان نتنياهو قد أعلن عن خطة إحياء وتجديد تهويد نحو ثلاثين ألف معلم تاريخي تراثي, فإنه يبلغ بذلك ذروة المخططات الصهيونية الرامية إلى محو وشطب كل الآثار والرموز السيادية المرتبطة بالتاريخ العربي في فلسطين
"
فالقرار الذي يضع نحو سبعين ألف فلسطيني على أجندة الترحيل، ينطوى عمليا على جملة من المعاني الخطيرة جدا، فهو على تماس مباشر أولا, بالفلسفة والفكر الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، وهو على تماس مباشر ثانيا, بسياسات الترانسفير والتطهير العرقي المنهجية المعتمدة في حروب الدولة الصهيونية المفتوحة ضد الشعب والقضية والأرض والحقوق والهوية العربية في فلسطين.

وهو ينطوي ثالثا, على تداعيات عملية مباشرة تمس الوحدة الجيوديموغرافية الفلسطينية في الضفة، في مسعى خطير -رابعا- لتعزيز وتكريس الفصل ما بين طرفي الجسم الفلسطيني في الضفة والقطاع، بينما ينطوي من جهة خامسة على أبعاد إستراتيجية تتعلق بالقضية، وذلك تمهيدا -سادسا- لتفريغ الأرض وقضمها بغية تكريس وتخليد مشروع الاستيطان والتهويد الذي بات ينتشر على نحو سرطاني مرعب في كافة أنحاء الجسم الفلسطيني، الأمر الذي يدمر –سابعا- احتمالات التسوية السياسية إلى الأبد عن سبق تخطيط وتبييت.

وليس عبثا أن يأتي هذا القرار العسكري الإسرائيلي الأخطر في تاريخ الاحتلال، في عهد نتنياهو، الذي يمثل في الخريطة السياسية الأيديولوجية الصهيونية خلاصة الفكر الصهيوني الاقتلاعي الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، والتي أخذ يعلنها ويطبقها تباعا على نحو سافر منذ أن شكل حكومته الحالية الأشد يمينية صهيونية في تاريخ تلك الدولة.

ولذلك، إن كان نتنياهو قد أعلن في مطلع فبراير/شباط الماضي أمام مؤتمر هرتسليا عن خطة إحياء وتجديد تهويد نحو ثلاثين ألف معلم تاريخي تراثي في القدس وانحاء الضفة وفلسطين بزعم أنها يهودية، فإنه يبلغ بذلك ذروة المخططات الصهيونية الرامية إلى محو وشطب كل الآثار والرموز السيادية المرتبطة بالتاريخ العربي في فلسطين، وإحكام القبضة الصهيونية الإستراتيجية على الأرض والسكان.

فكر الاقتلاع والترحيل قبل قيام الدولة الصهيونية
واستتباعا في هذا الصدد، لعلنا نستحضر مباشرة تلك الأدبيات والمخططات الاقتلاعية الترحيلية المتراكمة منذ ما قبل قيام "إسرائيل" بعقود عديدة والتي تتحدث عن ضرورة ترحيل أهل فلسطين وتوطين اليهود مكانهم.

ففكر اقتلاع أهل فلسطين من وطنهم عبر مختلف السبل والوسائل الإرهابية قديم قدم الحركة الصهيونية، وكان هرتزل نبي الصهيونية أول من نادى بالترحيل والتوطين، إذ كتب في 12/6/1895 قائلا: "سنحاول طرد المعدمين -العرب- خارج الحدود بتدبير عمل لهم هناك، وفي نفس الوقت سنمنعهم من العمل في بلدنا".

وفي أبريل/نيسان 1905 قال إسرائيل زا نغويل، وهو أحد أقطاب الصهيونية: "يجب أن نستعد لطرد هذه القبائل العربية بالسيف مثلما فعل أجدادنا".

وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى قدم وايزمان وارونسون اقتراحا إلى مؤتمر السلام بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية وطرد العرب منها بالقوة وإسكانهم على ضفاف دجلة والفرات الخصبة".

ومن هنا بدأ مخطط تفريغ الأرض تحت شعار "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

"
فكر اقتلاع أهل فلسطين من وطنهم عبر مختلف السبل والوسائل الإرهابية قديم قدم الحركة الصهيونية، وكان هرتزل نبي الصهيونية أول من نادى بالترحيل والتوطين، ثم سار على دربه كل رواد الصهيونية
"
نجح الصهاينة بعد ذلك في جعل بريطانيا تتبنى مواقفهم وأفكارهم، وكان بن غورويون أول من تحدث عن فكرة ترحيل العرب في خطاب له ألقاه في 29 يوليو/تموز 1937 أمام المؤتمر الصهيوني العشرين، الذي عقد في زيوريخ حيث قال: "من خلال اقتراح ترحيل السكان العرب عن أراضي الدولة اليهودية طوعا إذا أمكن، وقسراً إذا استحال ذلك، يصبح بالإمكان توسيع رقعة الاستيطان اليهودي".

وكان يوسف فايس زميل بن غوريون ونهاب الأراضي المشهور والذي تزعم أول لجنة للترانسفير في الأربعينبات قال: "نريد فلسطين بدون عرب".

وقالت غولدا مئير: "بإمكاننا أيضاً أن نفهم مسألة نقل السكان العرب بالقوة. أوافق على خروج العرب من البلد وسيكون ضميري مرتاحاً كلياً لذلك".

واستتباعاً وعلى هذا الأساس، تشكلت لجان تابعة للوكالة اليهودية لتشرف على تنفيذ خطط الترحيل وذلك ما بين عامي 1937 - 1948، ونجح الصهاينة في تبني قرار الترحيل القسري وجعل بريطانيا شريكا فعليا.

وعلى درب بن غوريون -الزعيم العمالي التاريخي- وإن كان يتزعم الجناح الصهيوني المتشدد، سار كذلك جابوتنسكي إذ أعلن على سبيل المثال لا الحصر، في نوفمبر/تشرين الثاني 1939: "ليس هناك خيار، يجب أن يخلي العرب المكان لليهود في أرض إسرائيل. شكرا لله فنحن اليهود لا ننتمي إلى الشرق الأوسط، لذلك يجب أن نكنس الروح الإسلامية من أرض إسرائيل".

أما غولدا مئير فكررت تأكيدها: "لقد حبذت دائما أن نجلي العرب عن هذه البلاد بكل ضمير مرتاح".

البداية السرية المبكرة للترانسفير في الضفة
لقد تبنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ إقامة الدولة الصهيونية سياسات الترانسفير والتمييز العنصري الأبرتهايد ضد عرب 48 حتى جاء عام 1967، حيث تم احتلال الأراضي العربية في الضفة والقطاع وسيناء والجولان، فاستحضرت حكومة الاحتلال الفكر والمخططات الترحيلية من جديد.

فقبل أن يمضي على حرب يونيو/حزيران 1967 أسبوعان، عقدت الحكومة الإسرائيلية جلسة سرية لبحث موضوع في غاية الأهمية هو: ماذا يتوجب على تلك الحكومة فعله لمواجهة مشكلة "الخطر" الديمغرافي الفلسطيني الناجمة عن احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة؟، ومع أن مداولات تلك الجلسة بقيت سراً، فإن الأفكار التي طرحت فيها وتم نقاشها في حينه، عادت فظهرت في المفكرة السرية للدكتور يعقوب هرتسوغ، الذي شغل في حينه منصب مدير عام مكتب رئيس الوزراء، والتي قامت أرملته بتسليمها للباحث الإسرائيلي مئير أبيدان، وفي هذا الصدد، أشارت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، في مقالة نشرتها في نهاية سبتمبر/أيلول 1988 إلى "أن مناحيم بيغين، الوزير بلا وزارة في حكومة "الوحدة الوطنية" آنذاك، أوحى بتصفية المخيمات الفلسطينية في الضفة ونقل سكانها إلى سيناء، بينما طالب بنحاس سبير –وزير المالية حينئذ– بنقل اللاجئين الفلسطينيين إلى إحدى الدول العربية المجاورة.

ومع أن نقاش الحكومة الإسرائيلية لم يسفر يومئذ عن أي قرار محدد بهذا الخصوص، تركز البحث باتجاه تأييد اقتراح نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية يغئال آلون الذي أيده معظم وزراء الحكومة، القاضي بنقل اللاجئين الفلسطينيين إلى سيناء وتوطينهم هناك على أن يجري في الوقت نفسه "إقناع -بشتى وسائل الضغط- سكان الأراضي المحتلة بالهجرة إلى الخارج، وقد تم التنسيق بين مكتب رئيس الحكومة ووزير الدفاع والجيش الإسرائيلي من أجل تشكيل وحدة سرية تعمل في أوساط الفلسطينيين لإقناعهم بمغادرة بيوتهم "وتقديم تسهيلات" لهم في الأماكن التي سيتوجهون إليها خارج فلسطين والشرق الأوسط".

وكان أرييل شارون، هو الذي كشف النقاب عن هذه الخطة وذلك في محاضرة ألقاها في نوفمبر/تشرين الثاني 1987 حين أوضح "بأن السلطات الإسرائيلية عملت طوال السنين الماضية على تهجير العرب بمختلف الوسائل، وأنه كانت هناك منظمة خاصة لذلك الغرض".

"
لم تسقط أفكار ومشاريع الترانسفير والتطهير العرقي عن الأجندات الأمنية السياسية الإستراتيجية الإسرائيلية، فكانت تعود لتتجدد وتنتعش بين آونة وأخرى، وفي جميع الحالات تكون ثنائية مع سياسات التطهير العرقي بكافة تطبيقاتها الإجرامية على الأرض
"
لم تسقط أفكار ومشاريع الترانسفير والتطهير العرقي عن الأجندات الأمنية السياسية الإستراتيجية الإسرائيلية، فكانت تعود لتتجدد وتنتعش بين آونة وأخرى، وفي جميع الحالات تكون ثنائية مع سياسات التطهير العرقي بكافة تطبيقاتها الإجرامية على الأرض، من الاجتياحات إلى الاغتيالات إلى المجازر الجماعية، إلى التدمير الشامل للبنى التحتية الفلسطينية، إلى الاعتقالات والمحاكمات الجماعية حيث بلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين في الضفة منذ عام 67 نحو مليون معتقل وبلغت مدة اعتقالهم نحو مليون سنة اعتقالية.

وقد تنامت أفكار ومشاريع وممارسات الترحيل والتهجير والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين في ظل الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى 1987، لتصل إلى ذروتها في ظل انتفاضة الأقصى 2000، وفي إطار مؤتمر عقده "المركز متعدد المجالات" في هرتسليا عام 2000، عرض ذلك المؤتمر وثيقة أعدتها قيادات عسكرية وأمنية وسياسية إسرائيلية رفيعة المستوى تحذر من التكاثر السكاني العربي وتوحي بـ"الترانسفير".

وقد لخص مئير شتايغليتس في مقالة له نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت تحت عنوان "وقت الترانسفير"، حالة انتعاش الفكرة حيث أكد: "أن الوقت يعمل لصالح مؤيدي الترانسفير، ليس سريعاً، ولكن بثبات، والمقصود تلك القوى التي تؤيد خيار الترانسفير كحل شامل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. أن مؤيدي الترانسفير يعززون قوتهم يوماً بعد يوم، وقد تحولت في هذه الأيام مسألة نقل السكان العرب إلى مسألة شرعية، وما المسألة سوى مسألة وقت ليس ببعيد، حتى نشاهد يافطات تدعو إلى الترانسفير الآن".

خطة مبيتة لترحيل مائتي الف فلسطيني
وقد أخذت تلك الأفكار والمشاريع وجهين: الوجه الصريح المكشوف المتمثل بأوامر الإبعاد العسكرية التي نفذت ضد أعداد كبيرة من المواطنين العرب، والوجه المقنع الخفي المتمثل بتبييت سلطات الاحتلال لطرد أكثر من (200) ألف مواطن فلسطيني من الأراضي المحتلة بحجة إقامتهم بدون تصاريح، أو أن تصاريحهم قد انتهت مدتها.

وفي هذا الموضوع تحدث تقرير مكتب المعلومات في القدس الشرقية "السنابل" عن "عمليات طرد من قرى بيت ريما وعارورة وعابود وسنجل وقرى أخرى في منطقة رام الله، وعن أن معظم المبعدين هم من النساء والأطفال، وكذلك رجال عملوا لفترات طويلة في دول الإمارات العربية وعادوا إلى الضفة الغربية بعد وقت طويل"، وقد قدر المركز الفلسطيني لأبحاث اللاعنف في القدس في حينه عدد المرشحين للإبعاد على أيدي السلطات الإسرائيلية بالحجج المذكورة بحوالي (200) ألف فلسطيني.

نحو جملة عربية مفيدة
وهكذا شكلت وما تزال تلك الأدبيات الصهيونية  الإسرائيلية المتعلقة بترحيل الفلسطينيين بغية الاستيلاء على وطنهم وحقوقهم المشروعة أرضية خصبة لسياسات الاقتلاع والترحيل والتدمير التي جرى تطبيقها ضد الشعب الفلسطيني قبل وبعد قيام دولة الاحتلال، السياسات التي تتابع حكومة نتنياهو اليوم ترجمتها على الأرض على نحو محموم.

الواضح والمقروء في المدى المنظور، إن دولة الاحتلال بقيادة نتنياهو اليوم سوف تواصل مخططاتها وقراراتها وتطبيقاتها الترانسفيرية والتطهيرية في المدينة المقدسة وفي كافة الأمكنة العربية الفلسطينية الأخرى.

إلى ذلك فعملية المفاوضات في طريق مغلق تماما، واحتمالات التسوية دمرت بالكامل، والأرض الفلسطينية تحت بلدوزر النهب والتهويد والضم، والجدران والمستعمرات تقطع أوصال الوحدة الجغرافية والسكانية الفلسطينية، والآلة العسكرية تدك مقومات الاستقلال والدولة، والمقدسات الإسلامية ومعها المسيحية تتعرض إلى هجمة تهويدية مؤدلجة تستند إلى أساطيرهم المزيفة. ورغم كل ذلك يصر الفلسطينيون والعرب على التمسك ويا للعجب بالسلام كخيار إستراتيجي وحيد.

"
مطلوب من العرب أن يتخذوا خطوات جادة على المستوى السياسي التفاوضي والتطبيعي، فليس طبيعيا أن يواصلوا التمسك بالمفاوضات ومعاهدات السلام والتطبيع في ظل الحروب الإسرائيلية المفتوحة
"
تحتاج فلسطين من الفلسطينيين والعرب إلى وقفة جادة وحقيقية ومسؤولة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فالأوضاع تفرض على الفصائل والقوى الفلسطينية المختلفة صياغة برنامج وطني حقيقي تجمع فيه على خيار الوحدة والتصدي والصمود في مواجهة بلدوزرهم، فالوحدة الفلسطينية العريضة الجامعة هي الممر الإجباري نحو إحباط مشاريع الاحتلال على طريق الاستقلال، مما قد يعني مواجهات وانتفاضات قادمة.

كما أن لاءات وإجراءات وعجرفة وعصا نتنياهو في وجه العرب الذين يتمسكون بمبادرتهم المرفوضة من دولة الاحتلال، يفترض أن تحركهم نحو مراجعة جادة ومسؤولة بمستوى عروبي حقيقي. ولعل أقرب ما يخطر بالبال على هذا الصعيد، أن ينتفض العرب ويبدؤون بالتحرك والعمل على كل الجبهات الإعلامية والقانونية والشرعية الأممية.

وأهم من كل ذلك أن يتخذ العرب خطوات جادة على المستوى السياسي التفاوضي والتطبيعي، فليس طبيعيا أن يواصلوا التمسك بالمفاوضات ومعاهدات السلام والتطبيع في ظل الحروب الإسرائيلية المفتوحة، ففلسطين تحتاج إلى جملة عربية واحدة مفيدة في وجه نتنياهو.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك