مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


في الساعات الأخيرة بعد مفاجآت تهديدات دولة القانون بعيد الإعلان عن نتائج الانتخابات العراقية تحدّث المراقبون عن معلومات خطيرة تفيد بحملة تخزين سلاح مكثفة في الجنوب في مناطق الولاء لرئيس الوزراء الخاسر نوري المالكي وحلفائه التاريخيين, غير أننا نعتقد أن إعدادات المشهد المضطرب الآن لهذه اللحظة سبقتها عملية تحفز وتقاطعات من الجهات الدولية والإقليمية حضّرت لهذه اللحظة أو استعدادا لها.

ولكن ذلك لا يغير من حجم النتيجة الكبرى لكل ما قيل عن قصة ديمقراطية الاحتلال وخاصة شركاء حرب (التحرير) وكيف تحولت كل تلك الخطب والشعارات إلى تمرد يهدد حتى الحلفاء الذين اضطروا أو سايروا أجواء ضغط المتابعة على نتائج الانتخاب ولم تغير الصناديق بصورة كافية، وربما كان لهم رأي بأن ذلك لا يمنع من عودة المالكي لاحقا بعد أن تضغط إيران على كل الشركاء وتمنعهم من إعطاء فرصة لاختراق قائمة علاوي وبالتالي يعود تكليف التشكيل لنوري المالكي.

"
دهش العالم من حجم الاحتقان والنزعة الطائفية التي ترددت في مراكز -دولة القانون- خاصة ما بادر به المالكي بنفسه من إعلان الحرب على عمليته السياسية ما لم يتوج أو يعط حق تشكيل الحكومة بغض النظر عن من هو الفائز الأول
"

وهنا دهش العالم من حجم الاحتقان والنزعة الطائفية التي ترددت في مراكز -دولة القانون- خاصة ما بادر به المالكي بنفسه من إعلان الحرب على عمليته السياسية ما لم يتوج أو يعط حق التشكيل بغض النظر عن من هو الفائز الأول.

بدا هذا المشهد معبرا عن تلك اللوحة الدامية الحزينة للعراق الذي ذبح بها في 2004 بحجة العرس الديمقراطي وعاد شركاء الاحتلال لكي يهددوا بعرس دموي آخر تقفز عليه من جديد حروب الثأر الطائفي سواء كان ذلك لإرهاب المشهد السياسي أو تحقيق انتزاع على الأرض من خلاله.

ورغم كل تلك المؤسسات والأنظمة التي شكلت من نفس القوى الطائفية التي بوأها الاحتلال الموقع السياسي بعد رحيل ممثله المدني بول بريمر لم تكن مقنعة لنوري المالكي, فالقضية لم تكن يوما تداولا بل هل تملك نهائي، هكذا ترجم المالكي موقفه، وعليه فإن المس بملكيته سوف يجعل يده على الزناد, لكن المهم أيضا هو أين سيتجه هذا التهديد عمليا وما علاقته باستهداف مثنى الضاري، فلنعد للتاريخ ونربط.

(كان زين ... حارث الضاري) هكذا عبّر قبل أكثر من عام رئيس الوزراء الخاسر نوري المالكي عن سبقه اللفظي للحديث عن استشهاد د. حارث العبيدي على يد مليشيات متنفذة في بغداد مستدركا بأن خطأه في نطق اسم حارث الضاري والمقصود به الزعيم الوطني العراقي البارز الشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين ووالد د. مثنى القيادي البارز في الهيئة وفي المشروع الوطني العراقي للإنقاذ.

هذا الخطأ حسب تعبير الرجل لا يُلغي أمنيته في اغتيال الشيخ حارث الضاري، فما علاقة هذه المسألة الحسّاسة والدقيقة في مبادرة مهمة جدا اتخذتها الإدارة الأميركية المحتلة للعراق تجاه مثنى ابن الشيخ حارث بإقحامه وإدراجه على قوائم تشترك فيها القاعدة، وترديد الاتهامات المعتادة ضده التي أثبتت الأحداث ومسيرة الهيئة وشخص د. مثنى زيفها.

المهم جدا للغاية هو: ما علاقة هذه الخطوة في هذا التوقيت وكيف اتخذتها إدارة الاحتلال الأميركي بالتزامن مع فوران قدر المالكي وتهديداته ونفسها الطائفي التي سبقت النتائج، وبهذا القرار ضد أحد أبرز خصوم المشروع الإيراني وتطبيقاته الطائفية والتجزيئية على العراق، ولماذا الآن خاصة سوف تتضح الفكرة في ختام المقال.

"
كانت هيئة علماء المسلمين من أوائل من سلط الضوء مباشرة وبأدلة دامغة على أن المشاركة الإيرانية كانت تنفيذية مع الاحتلال خاصة في اختراق الحالة الأمنية الواسع وبناء شبكات أمنية خاصة ساندت مشروع الاحتلال
"
دعونا أولا نُذكّر بسجل هيئة علماء المسلمين المتمثل بمسارات رئيسة تبدأ بأول المواقف العملية والتنفيذية على الصعيد الإعلامي والسياسي لرفض الاحتلال الأميركي للعراق ومقاومته مدنيا وسياسيا مقاومة ميدانية حقيقية ومستقلة كليا عن كل المشاريع السياسية التابعة للاحتلال.

ثانيا كانت الهيئة من أوائل من سلط الضوء مباشرة وبأدلة دامغة على أن المشاركة الإيرانية كانت تنفيذية مع الاحتلال خاصة في اختراق الحالة الأمنية الواسع وبناء شبكات أمنية خاصة ساندت مشروع الاحتلال.

ثالثا رفضت الهيئة مبكرا وبحزم وموقف صارم قضية استغلال هذا التدخل في إلهاب المشاعر الطائفية التي كانت تدار أحيانا لتبرير مشاركة أطراف أخرى في العملية السياسية ودخولها في مشروع العباءتين للاحتلال, وبقيت الهيئة في موقف وطني متجرد وشرعية إسلامية تُحذّر وتُدين كل التجاوزات على الإنسان العراقي المدني على الأسس المذهبية خاصة الشيعة والمسيحيين، مع خطابها الجامع في الإدانة ووطنيتها وقربها المباشر للحالة السنية المُحاصَرة كونها قاعدة المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية والهوية القومية.

وحققت الهيئة اختراقا كبيرا من خلال حجم الثقة الذي تتمتع به عراقيا وعربيا وإسلاميا بإبراز الفرق والمفاصلة بين خط المقاومة الإسلامية الوطنية، وبين عمليات استهداف المدنيين التي كانت تطول كلتا الطائفتين، واتضح دور الاحتلال المزدوج في اختراق جماعات أو فسح المجال لها لتحقيق هذه الحرب الطائفية خاصة ما جرى من تفويجٍ بعد تفجير سامراء الآثم واستهدفت شخصيات من الهيئة بالاغتيال عن طريق المليشيات الطائفية وعن طريق مجموعات من القاعدة.

لكن ما الذي جرى ولماذا اختارت واشنطن هذا التوقيت...؟ يتضح ذلك من خطاب المالكي ردا على نتائج الانتخابات .. إنه من الواضح أن هناك حملة جديدة تُرتّب لها إيران لإحراق الأرض حتى لا يخترق التوازن ضد مصلحتها في المشروع وحديث المالكي المتكرر في الخطاب عن أن الوضع تحت السيطرة .. ولن نقبل .. ولن نسمح ... والتركيز على العراق الفدرالي الاتحادي أكثر من مرة فيه إشارة واضحة بأنّ الخيار القادم سيعزز مسار التقسيم من جديد تحالفا مع الأطراف التي سعت له مباشرة خاصة ائتلاف الحكيم والتحالف الكردستاني بمعنى أنّ المالكي كان يهدد بحرب أهلية تفضي إلى التقسيم إن لم يترك لمصالح إيران اليد العليا في سياق الدولة الطائفية المهدوية، حسب تعبير الرئيس نجاد.

"
تعلم واشنطن أن أقوى مؤسسة صامدة تواجه أتون الحرب الطائفية التي هدد بها المالكي هي هيئة علماء المسلمين وأن بقاء الهيئة وقوتها يشكل حاجزا أمام المشروع الإيراني التقسيمي والطائفي وعليه لا بد من إضعاف هذه الهيئة
"
ولكن ما علاقة واشنطن المباشرة بذلك ولماذا مثنى الضاري خاصة ... هنا يتضح أن واشنطن ترغب في تنفيذ هذا المشروع التقسيمي والفوضى الخلاقة لمصالحها من جديد من خلال أدوات إيرانية هذه المرة ولا يستبعد أن واشنطن رصدت حجم التململ في أوساط شيعية من طائفية وتغول إيران في الجسد العراقي وأن ذلك سينعكس ليتحد في التصويت مع الأصوات الأخرى للخلاص من تلك الصورة التي قدّمت العراق على أنه بلد لتفريغ شحنات التخلف الطائفي وتقديم التطبير والكراهية على أنها لغة مشروع وطني بدلا من صناعة الوحدة والتنمية المستقلة, ولذا فقد يكون ذلك الفسح لبعض القوى للوصول إلى هذه المرحلة من جهة لهذه الفوضى أو للتوازن الآخر.

لكن واشنطن تعلم بأن أقوى مؤسسة صامدة تواجه أتون الحرب الطائفية التي هدد بها المالكي هي هيئة علماء المسلمين، وأن بقاء الهيئة وقوتها يشكل حاجزا أمام المشروع الإيراني التقسيمي والطائفي، وعليه فان إضعاف هذه الهيئة يزيح الطريق أمام خلاصة الإستراتيجية الجديدة في حرب الشراكة والصراع مع إيران.

وفي كل الأحوال بالنسبة لهم إما يرتفع التوازن لمصالحهم أو تحرق الأرض وتُقسم بينهما وهي الإستراتيجية المشتركة، وهو ما يدلل من جديد على أن المشروع الوطني العراقي المستقل ليس هو القادر فقط على تحقيق التوازن لمصلحة الهوية العربية مع الوحدة الوطنية لكل شركاء الوطن .. بل أضحى درع الدفاع الأخير عن دماء العراقيين التي تستباح في كل دورة لأجل الاحتلال وطغاته المعتدين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك