نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


 
الأهم من الانتخابات
من معالم الفوضى الهدّامة
مرجعيات.. دون تطبيق

ما حجم التغيير الحقيقي في انتخابات العراق؟.. أين موقع الاحتلال منها وأين موقع الصراع الإقليمي؟.. هل في النتائج مؤشر على الخروج من نفق النزاعات الطائفية؟.. هل يصح القول بوجود مؤشرات على لجوء الناخب العراقي إلى دعم الاتجاه العلماني فرارا من التعصب الطائفي؟.. ثم ما دور المقاومة العراقية ما دام الاحتلال مستمرا؟

الأسئلة أكثر من الأجوبة قطعا، ليس بسبب ضباب الصورة وكثرة تقلب الانتماءات والائتلافات الحزبية فحسب، بل لأن العراق ما يزال يعاني من معطيات فترة مرحلية خطيرة بين عهد مضى واحتلال مستمر ومستقبل مجهول.

الأهم من الانتخابات
إن مجرد وجود الاحتلال الأجنبي يعني أن الانتخابات العراقية غير مضمونة في منطلقاتها وتقنينها ومجراها وانتقاء المشاركين فيها وحصيلتها، ورغم ذلك يرصد كثيرون أن تدخل الاحتلال لم يكن هذه المرة كبيرا ومباشرا كما كان من قبل، ويعدون ذلك علامة إيجابية بمنظور أن الولايات المتحدة الأميركية تريد الخروج من مستنقعها العسكري الأول والتفرغ لمستنقعها العسكري في أفغانستان في الدرجة الأولى. إلا أن هذا لا ينبغي أن يغيب بحال من الأحوال المسؤولية عما ارتكب الاحتلال وأعوانه من جرائم ولا يزال، ولا يمكن أن تسري هنا مقولة: عفا الله عما سلف!

"
رغم أن البعض يرى أن تدخل الاحتلال لم يكن هذه المرة كبيرا ومباشرا كما كان من قبل، لا ينبغي لهذا أن يغيّب بحال من الأحوال المسؤولية عمّا ارتكب الاحتلال وأعوانه من جرائم ولا يزال
"
لا يمكن إصدار عفو عن مرتكبي جرائم الاحتلال حتى عن طريق انتخابات حرة نزيهة أو استفتاء حر نزيه، ناهيك عن انتخابات مشبوهة، فلا يوجد أي فريق، عراقي أو غير عراقي، يحق له أن ينتحل لنفسه صفة "تمثيل" عموم العراقيين لينطق بالعفو عن المجرمين في حق العراق وشعبه، وفي حق الأمة العربية والإسلامية جمعاء، فليس هذا الحق "جماعيا" يخضع للعبة سياسية بين غالبية وأقلية، بل هو حق فردي، يخص كل إنسان على حدة، كل متضرّر من جرائم الاحتلال وأعوانه، في نفسه أو أهله أو ثروته، في حاضره ومستقبله، في كرامته وحرياته وحقوقه.

ثم لا ينبغي أصلا حصر السؤال بصدد الانتخابات في نطاق حجم التدخل فيها أو انعدامه، لطرح ذلك في تقويمها على ضوء رحيل الاحتلال العسكري واقتراب أجله، كي يقول دعاة الارتباط بهيمنة أجنبية: ها قد حقق الاحتلال الديمقراطية في العراق!.. أو يقول أهل المقاومة الأبيّة وأنصارهم: ها قد حققت المقاومة أهدافها أو اقتربت منها برحيل الاحتلال!

إن السؤال الأهم الواجب طرحه هو: أليست "الفوضى الهدامة" التي تميز الوضع الراهن في العراق ومن خلاله الوضع الإقليمي المرتبط به هي بالذات أحد الأهداف الأهم من سواها أميركيا؟..

أليست هي العنصر الحاسم في السؤال عما حققته أو لم تحققه جريمة احتلال العراق من أهداف، وكذلك السؤال عن مستقبل المقاومة وما يمكن أن تحققه أو لا تحققه؟

سيان ما مصير مسيرة الهيمنة الأميركية بسبب ورطتها في العراق (وسواه) فإن معالم السياسة الأميركية الراهنة هي التي تنطق بلسان الحال، أي من خلال سياسات المسؤولين وممارساتهم، فتقول: فليستمر نزاع العراقيين مع العراقيين في الفترة المتبقية من عمر الاحتلال ومن بعد، وليستمر النزاع الإقليمي الذي أشعلته قوى الاحتلال إلى ما بعد رحيلها المحتم عسكريا على الأقل، فهذا وذاك في مقدمة ما يخدم المطامع الأميركية في ترسيخ الهيمنة، في المنطقة، ومن ثمّ توظيف ذلك على خريطة صراع الهيمنة عالميا.

من معالم الفوضى الهدامة
إن حصيلة جريمة الاحتلال أهم من حصيلة الانتخابات، ولا يمكن النظر فيما أسفرت عنه من نتائج دون أن توضع داخل هذا الإطار، فيبقى في مقدمة معالم المرحلة الخطيرة الحالية:

1- تحويل التعددية الطائفية إلى صراع طائفي، يهدأ ويتصاعد بوسائل سياسية وبالسلاح، ليس بين شيعة وسنة على وجه التحديد، بل بين أطراف شيعية وأخرى وبين أطراف سنية وأخرى، ناهيك عن الخلاف القديم المتجدد بغض النظر عن الانتماء الطائفي، بين عرب وأكراد وتركمان بل ومسيحيين أيضا.

2- تحويل محور الوجود العراقي على الخريطة الإقليمية من ساحة الصراع المحوري المشترك الأكبر حول قضية فلسطين بمختلف أبعاده، إلى ساحة صراع يجري تصعيده بمختلف الوسائل بين إيران والدول العربية أو معظمها.

3- إضعاف دور العراق من خلال استمرار ضعفه دولة قطرية قائمة بذاتها، ضعفا شاملا للجوانب العسكرية والسياسية، وكذلك لجوانب النهوض التي كانت بذوره قوية واعدة من قبل، واقتلعها الاحتلال من الجذور، عبر التدمير المباشر وعبر اغتيال الأدمغة، وهذا ضعف عام يتناسب عكسيا مع استقواء القوى الطائفية وغير الطائفية، بعضها ببعض في تحالفات متقلبة، وبالقوى الإقليمية، لا سيما إيران، فضلا عمّن ارتبط وجوده بالاحتلال، ويمكن أن يسقط بين ليلة وضحاها إذا ما رحلت قوات الاحتلال.

4

"
من معالم المرحلة الحالية الخطيرة في العراق استمرار مفعول شبح تقسيم العراق، وإن تحول مركز الثقل في عملية التقسيم من ثلاث دويلات، إلى تفتيت أوسع نطاقا، بتحويل مبدأ التكامل والتعاون بين أقاليم عراقية، إلى حالة صراع متصاعد على الحدود الداخلية والثروات
"
- استمرار مفعول شبح تقسيم العراق، وإن تحوّل مركز الثقل في عملية التقسيم، من ثلاث دويلات، كانت توصف بالشيعية والسنية والكردية، في الجنوب والوسط والشمال، إلى تفتيت أوسع نطاقا، بتحويل مبدأ التكامل والتعاون بين أقاليم عراقية إلى حالة صراع متصاعد على الحدود الداخلية والثروات بين التحالفات المتقلبة، هذا مع ملاحظة أن التقسيم الطائفي بات متداخلا بين حدود الأحزاب والأقاليم، وملاحظة ازدياد الخلل عموما في موازين القوى على حساب السنة في الدرجة الأولى.

5- ازدياد قوة بعض الأحزاب والجماعات دون بعضها الآخر، التي كانت تشكو من اضطهادها في عهد صدام حسين، وهو ما لا علاقة له بمدى ارتباط كل منها أو عدم ارتباطه بأهل العراق وبالناخبين وما إلى ذلك، قدر ما يعود إلى أن بعضها يجد دعما خارجيا، وبعضها لا يجد، ما يزيد الإلحاح على السؤال عن حقيقة "استقلال العراق" إذا ما رحلت قوة الاحتلال العسكرية عنه، لا سيما إذا بقيت قواعدها لتحقيق أهداف إقليمية، وهو ما يعتمد على مرتكزاتها الداخلية المصنوعة عبر اصطناع قوى وزعامات سياسية.

مرجعيات.. دون تطبيق
ربما حققت الانتخابات الأخيرة للعراق -كما يقول كثير من المتابعين لها- خطوة إيجابية في اتجاه إعادة تنظيم الدولة على أسس جديدة، إنما لم تحقق حتى الآن إرساء الأسس التي لا بد من توافرها لاستقرار أي دولة، وفي مقدمتها أن تكون القواسم المشتركة بين جميع مواطنيها، وجميع أحزابهم وجماعاتهم وفئاتهم وطوائفهم، هي الغالبة على عوامل التفرقة والنزاع، والكافية لتحويلها إلى عوامل تنافس وتكامل، وأن تكون هي المنطلق من فوق أي علاقات مع قوى فاعلة إقليميا ودوليا من خارج الحدود.

هذه الأولوية للقواسم المشتركة داخليا لا تتوافر في تركيبة التشكيلات القائمة ولم تعطِ الانتخابات مؤشرا في اتجاه إيجادها، وقد ولد معظم تلك التشكيلات في رحم الاحتلال الأجنبي والصراع الإقليمي، ولم "يكبر" بعد بحيث يحقق الاستقلال عن هذا وذاك، أو لا يريد أصلا أن يحقق مثل ذلك الاستقلال.

ومن أسس الدولة وشروط استقرارها تثبيت مرجعية قائمة على عدد من المبادئ الأساسية والمواد الدستورية، يرتضيها الجميع ويلتزمون بها في تعاملهم السياسي داخليا وخارجيا، ولم يعد خافيا في العراق أن الذين ينطلقون من المرجعية الإسلامية لم يرتفعوا بها فوق الاختلافات الطائفية، ولا إلى المستوى الذي يصلح لاستيعاب جميع قوى العراق، بما فيها القوى العلمانية، كما أن الذين ينطلقون من مرجعية علمانية لم يثبّتوا من خلال منطلقاتهم صيغة يمكن أن تجد القبول والاطمئنان لدى "الآخر".

في الحالتين توجد في الساحة العراقية قوى توظف شعارات مرجعيتها لصياغة تحالفات متقلبة، وإنشاء مراكز قوى سياسية وعسكرية واقتصادية، ولا تترجم مبادئ مرجعيتها تلك إلى صيغ سياسية وتطويرية شاملة للعراق قابلة للتطبيق.

هذا ما يسري على الجميع، بدءا بأصحاب الاتجاهات الإسلامية المتعددة، وهم ينادون بالعدالة والشورى والحقوق والحريات، وانتهاء بأصحاب الاتجاهات العلمانية الذين يتحدثون أيضا عن العدالة والديمقراطية والحقوق والحريات.

وما يزال كل من الفريقين أقرب إلى حصر تطبيق هذه المبادئ -إذا طبّقها أصلا- في حدود من يتلاقى معه، ليس على المعالم الكبرى المشتركة في نطاق مرجعيته، بل في حدود أضيق، لا تتجاوز اتجاها حزبيا سياسيا، أو اتجاها حزبيا طائفيا، أو ائتلافا وتحالفا مؤقتا، بغض النظر عن نوعية العباءة التي يرتضيها لنفسه، هل تحمل ألوانا وطنية أو قومية أو دينية أو خليطا من بعض ذلك أو جميعه!..

"
توجد في الساحة العراقية قوى توظف شعارات مرجعيتها (إسلامية وعلمانية) لصياغة تحالفات متقلبة، وإنشاء مراكز قوى سياسية وعسكرية واقتصادية، ولا تترجم مبادئ مرجعيتها تلك إلى صيغ سياسية وتطويرية شاملة للعراق، قابلة للتطبيق
"
إن لكل مرجعية من المرجعيتين قيمتها الذاتية، شريطة أن يستقيم أصحابها على طريق تطبيق مبادئها، ولا ينفي هذا أن يعد كل من الفريقين مرجعيته هي أصلح وأفضل مرجعية (وهو ما يسري على رؤية كاتب هذه السطور لمرجعيته الإسلامية).. إنما المعيار الوحيد الممكن قبوله في العراق وفي حالات عديدة مشابهة هو معيار ما يتحقق على أرضية الواقع التطبيقي، وهذا ما لا يكمن فيما يصاغ صياغة سليمة ويطبق تطبيقا سليما ولكن في حدود أنصار المرجعية الذاتية.. مع إقصاء الآخر، بل يكمن فيما يصاغ صياغة سليمة ويطبق تطبيقا سليما، بما يكفل للآخر أيضا من أصحاب المرجعية الأخرى، الحقوق والحريات الأساسية للوجود والعمل دون قمع أو اضطهاد أو حصار.

ولئن كانت الإرادة الشعبية هي الحكم الفاصل في نهاية المطاف، فإن هذا الاحتكام وما يترتب عليه هو ما لا يزال يفتقر إليه العراق، وهذا ما لم تبدّل الانتخابات الناقصة الأخيرة بصدده شيئا يستحق الذكر، وهو ما يسري على العراق قبل الاحتلال، وأثناء الاحتلال، إنما يسري على بلدان أخرى سواه دون أن تتعرض لاحتلال مباشر.

هنا خاصة يطرح السؤال عن المقاومة ومستقبلها، فأوضاع العراق كما تنكشف للعيان عبر الانتخابات الأخيرة، تستدعي ألا يقتصر هدف المقاومة الوطنية المشروعة على خروج القوات العسكرية الأجنبية فحسب، بل ينبغي أن يشمل إلى جانب ذلك حرص المقاومة نفسها ألا تصبح مجرّد فريق في نزاعات داخلية، فتخسر صفة المقاومة "الوطنية" الجامعة، والحرص على أن يكون في مقدمة أهدافها القريبة والبعيدة إيجاد أرضية "عراقية" واحدة لجميع العراقيين، في نطاق انتماء العراق العربي والإسلامي، وفي نطاق انتماء الإنسان العراقي إلى الأسرة البشرية.

المصدر : الجزيرة