بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية


البدايات
التجربة الإيرانية
النموذج الباكستاني
أوهام الأسلمة

برغم ما قد يثيره من جدل إستراتيجي وثقافي حامى الوطيس، قد لا يتسع بنا المجال في هذه السطور للخوض فيه، تعددت الروايات عن بداية ظهور وتداول مصطلح "القنبلة النووية الإسلامية".

البدايات
فثمة رواية تذهب إلى القول بأن أول من أطلقه وروج له كان زعيم الحرب والسياسي الإسرائيلي السابق وطريح الفراش حاليا أرييل شارون عندما كان وزيرا لدفاع الدولة العبرية خلال سني الثمانينيات من القرن الماضي، حيث عمد وقتئذ لتفزيع الهند والعالم الغربي من مخاطر المشروع النووي الباكستانى، الذي كانت تتبعه تل أبيب بحذر شديد وترصده بقلق بالغ، توطئة لحضهم على اتخاذ التدابير اللازمة لتقويض ذلك المشروع وإجهاضه قدر المستطاع وإن تطلب الأمر توجيه ضربة عسكرية للمفاعل النووي الباكستاني، وذلك للحيلولة دون تمكن إسلام آباد من إنتاج القنبلة النووية، التي نعتها شارون حينئذ في أحاديثه وتصريحاته بمناسبات وأماكن شتى بـ"الإسلامية".

"
إحدى الروايات تنسب مصطلح "القنبلة الإسلامية" إلى الرئيس ضياء الحق، الذي يؤكد أصحاب الرواية أنه كان الأكثر حرصا على إضفاء صبغة إسلامية على مشروع بلاده النووي على اعتبارات أن القنبلة النووية الباكستانية صنعت بأياد باكستانية إسلامية وعقول إسلامية
"
وفي ذات الإطار، ألمحت صحيفة هآرتس الإسرائيلية غير مرة إلى مخاوفها من شبح ما يسمى "القنبلة النووية الإسلامية"، التي لم تعد حلما بعيد المنال في ظل مساعي إيران لامتلاك السلاح النووي وتنامي المخاوف داخل إسرائيل من ازدياد احتمال تمكن دول أخرى في الشرق الأوسط مثل مصر وسوريا والسعودية من الحصول على تكنولوجيا نووية من مصادر دولية متاحة ككوريا الشمالية أو بمساعدة من العالم الباكستاني عبد القدير خان.

وبدورها، نحت رواية أخرى منحى آخر حينما أرجعت بداية ظهور هذا المصطلح إلى الرئيس الباكستاني الأسبق ذو الفقارعلي بوتو، مدعية أنه كان أول من استخدم مسمى "القنبلة الإسلامية" لنعت القنبلة النووية التي كان الباكستانيون يتطلعون بشغف لامتلاكها من أجل تحقيق التوازن الإستراتيجي، عبر ما يسمى بتوازن الرعب النووي، مع الجانب الهندي، الذي كان له السبق في حيازة مثل هذا السلاح الفتاك في العام 1974 مفاقما بذلك الفارق في موازين القوة والتسلح مع باكستان.

ويؤكد أنصار هذه الرواية أن بوتو لجأ إلى هذا المسمى لشحذ همم الباكستانيين وحشد الدعم الإسلامي الهائل من داخل باكستان وخارجها من أجل بلوغ تلك الغاية.

وعلى مقربة من هذه الرواية، جاءت أخرى تنسب المصطلح إلى قائد باكستاني آخر هو الرئيس ضياء الحق، الذي يؤكد أصحاب الرواية أنه كان الأكثر حرصا على إضفاء صبغة إسلامية على مشروع بلاده النووي مستندا على عدة اعتبارات أهمها أن القنبلة النووية الباكستانية صنعت بأياد باكستانية إسلامية وعقول إسلامية وإرادة وتمويل إسلاميين، كما أن باكستان دولة إسلامية اكتسبت شرعية وجودها بالأساس من انتمائها الديني وكانت بذلك أول دولة في عالمنا المعاصر أضافت صفتها الإسلامية إلى اسمها الرسمي حين استقلت عن الاحتلال البريطاني وانفصلت عن الهند في عام 1947.

ويجنح البعض إلى الزعم بأن الرئيس ضياء الحق قد دفع حياته ثمنا لتوجهه هذا وإصراره على ترديد مصطلح "القنبلة النووية الإسلامية" وحماسه الشديد لذلك المشروع إلى الحد الذي دفعه إلى متابعة العمل به بنفسه بشكل مستمر في الميدان، حيث تعرضت الطائرة التي كانت تقله في إحدى جولاته التفقدية للمنشآت النووية لعمل تخريبى أدى إلى تفجيرها ومقتل ضياء الحق ومن كان بصحبته أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

وظهرت رواية تجعل لروسيا نصيبا في هذا الجدل، حيث عكف بعض الباحثين والخبراء الإستراتيجيين الروس مؤخرا على مطالبة قيادات بلادهم بالتوقف عن دعم ومساندة البرنامج النووي الإيراني معتبرين أن بلادهم حينما تقدم التقنية النووية لإيران ترتكب حماقة كبرى لأنها بمرور الوقت قد تساعد إيران على امتلاك القنبلة النووية، ومن ثم ستساهم بذلك في ظهور "قوة إسلامية نووية" على تخوم روسيا الجنوبية، وعلى طول خطوط التماس مع منطقتين تعتبران الأكثر اشتعالا وتهديدا للأمن القومي الروسي وفيهما مشاريع تحت الأرض للحركات الإسلامية المناهضة لروسيا، في كل من القوقاز وآسيا الوسطى.

"
كتابٌ "القنبلة الإسلامية"، لمؤلفيه الأميركيين ستيف وايزمان وهربرت كروزوني, هو من جعل مصطلح "القنبلة الإسلامية" معتمدا من قبل أجهزة الإعلام الغربية في تناولها للمشروع النووي الباكستاني
"
وهناك رواية أخرى تسلك مسلكا مغايرا في البحث عن نشأة مصطلح "القنبلة النووية الإسلامية"، إذ تعتبر أن تلك النشأة كانت غربية في الأصل، وتعود تحديدا إلى العام 1974 في أعقاب التفجير النووي الهندي الأول، حينما صدر في الولايات المتحدة الأميركية كتابٌ تحت عنوان "القنبلة الإسلامية"، لمؤلفيه الأميركيين ستيف وايزمان وهربرت كروزوني.

وهو الكتاب الذي كان بمثابة محاولةٍ من جانب مؤلفيه لرصد القلق الباكستاني البالغ من التفجير النووي الهندي وما تمخض عنه من مساع باكستانية حثيثة ومستميتة لتدشين برنامج نووى يخول إسلام آباد إنتاج السلاح النووي.

ومنذ ذلك التوقيت، صار مصطلح "القنبلة النووية الإسلامية" معتمدا من قبل أجهزة الإعلام الغربية التي دأبت على تناول تطورات المشروع النووي الباكستاني سواء بالرأي أو بالتحليل.

التجربة الإيرانية
وأيا ما كانت الروايات والبدايات الخاصة بالمصطلح المثير للجدل، فقد عاد هذه الأيام يطل برأسه ويشق الذاكرة مداعبا ألباب ومسامع الجميع مجددا مع جنوح نظام طهران لإضفاء مسحة دينية على مشروع بلاده النووي من أجل كسر الحصار الدولي المضروب على بلاده وتقليص التشكك الإقليمي المحيط بها بجريرة إصرارها على المضي قدما في تطوير ذلك المشروع.

فالنظام الإيراني يحاول جاهدا ولكن من دون مساس بمصالح بلاده الإستراتيجية أو التضحية بطموحاتها النووية، تبديد شكوك الدول العربية والإسلامية حيال توجهات ونوايا الجمهورية الإسلامية خلال المرحلة المقبلة توطئة لاستمالتها أو على الأقل تحييدها إزاء ما يمكن أن تتفق عليه الدول الغربية بشأن التعاطي مع طهران في مقبل الأيام على خلفية إصرارها على تحدي القوى الكبرى عبر مباشرة عمليات تخصيب اليورانيوم محليا بنسب أعلى وتطوير قدراتها من الصواريخ البالستية القادرة على حمل رؤوس نووية.

وتوخيا لإيجاد مخارج لمشروعه النووي واستجداء دعم العرب والمسلمين له أو على الأقل تحييدهم إزاءه، ومثلما نجح في تسييس الدين عبر توظيفه لغرض تقويض المعارضة السياسية الإيرانية في الداخل وتجريدها من الشرعية والتأييد الشعبي بعد أن اتهمها بالكفر وبث الفتنة والخروج على ولي الأمر، حرص النظام الإيراني على استخدام الدين مجددا لحماية برنامج إيران النووي وتبديد أو على الأقل تهدئة مخاوف العرب والمسلمين من تداعياته الخطيرة.

فعشية إعطاء الرئيس نجاد أوامره المثيرة والمدوية لرئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية قبل أيام قليلة مضت وإبان تدشين خطوط إنتاج أول طائرتين إيرانيتين من دون طيار واللتين أُطلق عليهما اسما "رعد" و "نظير"، بالبدء فورا في تخصيب اليورانيوم محليا بنسبة 20%، أعلن وزير الدفاع الإيراني الجنرال أحمد وحيدي أن جميع القدرات الدفاعية التي بحوزة إيران إلى جانب تلك التي تسعى جاهدة لتطويرها أو ابتكارها ستكون تحت تصرف دول المنطقة وستصبّ في مصلحة الأمة الإسلامية جمعاء.

النموذج الباكستاني

"
عدل المسؤولون الباكستانيون عن نسب الصفة الإسلامية للقنبلة النووية, وأكدوا على أن قنبلتهم النووية الوليدة ليست "إسلامية" وإنما هي "باكستانية" تخدم الأمن القومي الباكستاني فقط
"
ومن خلال إستراتيجيته الرامية لتوظيف الدين من أجل حشد تأييد الشعوب والدول الإسلامية لبرنامج بلاده النووي أو تحييدها على الأقل إزاءه، يكون نظام طهران قد سار على نفس خطى نظيره الباكستاني في هذا المضمار قبل عقد ونيف من الزمن.

فلقد طفق ذلك الأخير يروج خلال المراحل الأولى من مشروع باكستان النووي وحتى إنتاج القنبلة،لادعاء مفاده أن الدولة المسلمة السنية تسعى للحصول على التكنولوجيا النووية مبتغية بها ليس فقط خدمة باكستان وإنما العالم الإسلامي بأسره.

وفي العام 1981، أصدر العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان -أبو القنبلة النووية الباكستانية- كتابا باللغة الإنجليزية سماه "القنبلة النووية الإسلامية". وبعد أن فجرت باكستان انفجارا نوويا قويا ما بين 18 و21 سبتمبر/أيلول من عام 1986، معلنة بذلك امتلاكها لليورانيوم المخصب بنسبة 93.5%، سعى الرئيس الباكستاني في حينها ضياء الحق لحشد التأييد الإسلامي لمشروع بلاده النووي وسط الحصار الدولي والتربص الهندي والإسرائيلي.

فبعد أن أكد في إحدى مقابلاته مع وسائل الإعلام على حق بلاده المشروع في الحصول على التكنولوجيا النووية التي توصلت إليها، أعلن أن إسلام آباد ستسعى لإشراك الدول الإسلامية الأخرى في الاستفادة من تلك التكنولوجيا.

غير أن نظام إسلام آباد نحى نحوا مختلفا بعد أن أجرى أهم وأخطر تفجيرات بلاده النووية في صيف العام 1998 معلنا انضمامها رسميا للنادي النووي، حيث تبارى كبار المسؤولين الباكستانيين في تفنيد مساعي بعض المراقبين المسلمين المبتهجين والمتفائلين بالإنجاز الباكستاني المبهر لتثبيت الصبغة الإسلامية على السلاح النووي الباكستاني، والتي سبق لزعماء باكستانيين سابقين إضفاءها على مشروع بلادهم النووي.

ومن ثم أخذ المسؤولون الباكستانيون هذه المرة يؤكدون على أن قنبلتهم النووية الوليدة ليست "إسلامية" وإنما هي "باكستانية" تخدم الأمن القومي الباكستاني فقط، حيث فند وزير الدولة الباكستاني للشؤون الخارجية في حينها صديق خان كانجو نعت البعض للقنبلة النووية الباكستانية بـ"الإسلامية" مؤكدا أنها ستكون قنبلة "باكستانية" فقط ولا يمكن تسميتها أو نعتها بأية مسميات أو نعوت أخرى، لافتا إلى أنه لا دين لمثل هذه الأمور المادية.

بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك حينما أبدى دهشته من نسب الأسلحة والقنابل النووية إلى دين بعينه وتساءل متهكما عن ما إذا كان هناك ما يسمى بالقنبلة النووية "اليهودية" أو تلك "المسيحية"، كما تساءل متعجبا عن مدى إمكانية تسمية الهند هي الأخرى قنبلتها النووية بـ"الهندوسية".

أوهام الأسلمة
وها هو نظام طهران اليوم يعاود السير على ذات الدرب الذي سلكه سلفه الباكستاني عبر تبنى إستراتيجية مشابهة خلال المراحل الأولى من البرنامج النووي، مدعيا أن ما يسعى إليه من امتلاك للتكنولوجيا النووية سيكون لخدمة الإسلام والمسلمين ولا ينطوي على أية نوايا إيرانية خفية لتحقيق أهداف إستراتيجية للجمهورية الإسلامية كالهيمنة على المنطقة أو تشييع المسلمين السنة.

"
ليس من قبيل المبالغة أو التجني التكهن بأنه في حالة إذا ما نجح نظام طهران في الانضمام للنادي النووي، لن يتورع عن نزع أية نعوت أو مسميات ذات طابع ديني إسلامي عن قنبلته النووية
"

وبشيء من المنطق في تحليل الإستراتيجية الإيرانية في إدارة البرنامج النووي الإيراني في ضوء التجربة الباكستانية، التي يتأسى بها النظام الإيراني هذه الأيام في إدارة أزمة برنامجه النووي، قد لا يكون من قبيل المبالغة أو التجني على ذلك الأخير، التكهن بأنه في حالة إذا ما نجح في إحداث تفجير نووي عالي المستوى بما يخوله الانضمام للنادي النووي، لن يفعل خلاف ما فعل نظيره الباكستاني في العام 1998، بحيث لا يتورع عن نزع أية نعوت أو مسميات ذات طابع ديني إسلامي عن قنبلته النووية الوليدة بمقدورها أن تجعل منها "إسلامية" مؤكدا أنها إيرانية وربما "فارسية".

وهنالك، ستتحول دفة القضية بعض الشيء في اتجاهات مغايرة، إذ ستكون القنبلة النووية الإيرانية قد اكتست مسحة قومية شوفينية تطوي بين ثناياها تداعيات سلبية مقلقة على الأمن والاستقرار كما توازن القوى في المنطقة، ليس فقط بين إيران وإسرائيل وإنما بين إيران وجاراتها من البلدان العربية والإسلامية -ولاسيما السنية منها- والتي تعتبر دوائر أمنية فيها المشروع النووي الإيراني وسيلة مهمة لابتزاز الدول الخليجية بل والهيمنة عليها أو على الأقل تدعيم النزعات الانفصالية لمناطق التركز الشيعي فيها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك