الصادق الفقيه

الصادق الفقيه

كاتب وأكاديمي سوداني


التعجيل والتأجيل
أجل لا يؤخر
فوز المهزوم

تبدو الكتابة حول الانتخابات السودانية الماثلة التي دنت أيام الاقتراع فيها كثيرا مغامرة محفوفة بالمخاطر، وذلك لعدة أسباب، أولها منهج الخلاف الواسع الذي اعتمده الجميع مقررا لمصائر مشاركتهم. وثانيها التشكيك الذي طال كل الإجراءات المنظمة للعملية الانتخابية بما في ذلك الطعن في أهلية وحيادية القائمين على أمر المفوضية القومية للانتخابات. وثالثها احتمالات التأجيل التي قد تعيد خلط الأوراق بطريقة ليست محتملة أو منظورة الآن.

رابعا التهديد المستمر بالمقاطعة التي إن وقعت قد تنهار على أثرها العملية الانتخابية برمتها. والأمر الخامس، الذي تتمثل أهميته وخطورته في تعدي آثاره عملية الاقتراع إلى النتيجة التي تتمخض عنها، هو المواقف المعلنة من مسألة عدم الاعتراف بهذه النتيجة إذا لم يحالف الحظ الجميع، فكل متشكك في احتمال فوزه يتدثر منذ الآن بمسوغات النزاهة والخروق الإجرائية ليعلن رفضه المطلق لحصيلة عملية انتخابية لا تأتي به متقدما على غرمائه، أي السؤال عن المستحيل في ترتيبات فرز ديمقراطي اختياري لن يكون الفائز فيه إلا واحدا فقط.

"
أكثر تجليات عدم التوافق حدة، تمثل في مبدأ الانتخابات نفسها، ففي حين كانت المعارضة تستعجلها، تلكأ الشريكان الحاكمان في تسريع الإجراءات, وحين عزما على المضي قدما في إجرائها، تراجعت المعارضة عن حماسها
"
فقد أصبحت عملية الانتخابات التي يراد بها تقنين التحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة وتثبيت عرى الاستقرار في السودان عامل اضطراب سياسي جديدا تتناقض مقدماته مع كل نتيجة يتطلع الناس إليها ويسعون بالأمل لبلوغها.

وما يجري في الساحة السياسية في الوقت الراهن لا يمكن الإقرار بأنه أمر عادي ومألوف في عالم الانتخابات الديمقراطية المعاصر. فالدول كلها تقريبا تجري انتخابات من نوع ما مرة بعد أخرى. أكثر من ذلك، يذهب الافتراض إلى أنه عندما تستخدم كلمة ديمقراطية في أي واقع سياسي فإن أول ما يتضمنه فهم ذلك هو إجراء الانتخابات، التي عادة ترتبط بها كلمات تحسينية من مثل "حرة" و"نزيهة" خاصة في بلد ارتبكت فيه قيم الثقة، وفقد الحد الأدنى من التوافق السياسي كما هو حال السودان.

وأكثر تجليات عدم التوافق حدة تمثل في مبدأ الانتخابات نفسها، ففي حين كانت المعارضة تستعجلها، ورفعت المطالبات وسيرت المظاهرات وأفتت بعدم شرعية الحكومة القائمة لتجاوز ما هو منصوص عليه في اتفاقية السلام الشامل "نيفاشا" بشأنها، تلكأ الشريكان الحاكمان في تسريع الإجراءات المفضية لقيامها وتشاكسا طويلا حول قضية التعداد السكاني وتوزيع الدوائر الجغرافية.

وحين عزما على المضي قدما في إجرائها واختارا مع الجميع المفوضية القومية للانتخابات تراجعت المعارضة عن حماسها وطالبت بالتأجيل، وبدأت تعدد الأسباب التي قد تلجئها إلى المقاطعة إذا قامت الانتخابات في مواعيدها المضروبة، رغم ارتباط هذه المواعيد باستحقاق انتخابي آخر لا يقل عنها أهمية ويفوقها حساسية وخطرا، هو استفتاء تقرير مصير جنوب السودان، الذي تتجه غالب المؤشرات إلى إمكانية التصويت لصالح انفصاله.

التعجيل والتأجيل
دخلت عملية الاستحقاق الانتخابي منطقة الاختبار بمعيار الزمن وما هو مرصود من مواقيت، إذ لم يبق على موعد بدئها غير أيام معدودات، إلا أن معظم قوى المعارضة أو ما صار يعرف بتحالف جوبا ما زالت تسعى في اتجاه المطالبة بتأجيلها إلى وقت لاحق، يربطونه بشهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم، أو إلى ما بعد استفتاء الجنوب، بينما تقف ما تعرف بأحزاب الوحدة الوطنية المكونة للحكومة في الجانب الآخر، ما عدا الحركة الشعبية، التي تمثل القاسم المشترك الأعظم بين الفريقين المتصارعين، وما تزال تمسك بطرفي الحبل الواصل والفاصل بين الحكومة والمعارضة.

فهي بالفعل حاكمة ومعارضة، ويمثل خطابها المعلن هذه الازدواجية في الممارسة، ففي حين يقود مرشحها لرئاسة الجمهورية ياسر عرمان المعارضة الرافضة لقيام الانتخابات في موعدها، يؤكد سلفاكير ميارديت، رئيس الحركة والنائب الأول للرئيس ورئيس حكومة الجنوب جاهزيتهم لها في موعدها المحدد.

ومع هذا التباين الواضح في موقف الحركة الشعبية، الذي يرجعه البعض إلى صراع الوحدويين والانفصاليين داخل الحركة، فإن أطرافها متفقون في اشتراطهم بأن أي تأجيل للانتخابات العامة يجب ألا يؤثر على الاستفتاء المرتقب في يناير/كانون الثاني 2011، لأن الجنوبيين ينظرون إلى الاستفتاء بأهمية أكبر من الانتخابات، وهو ما عبر عنه سلفاكير قائلا "إن تقرير المصير في جنوب السودان هو أولوية مطلقة، وإن أي تأجيل للانتخابات العامة يجب ألا يؤثر على الاستفتاء المرتقب".

"
إذا أخذنا بوجاهة كل الملاحظات، التي أبدتها وتبديها قوى تحالف جوبا على سلامة إجراءات العمليات الانتخابية، وتحفظاتها على أداء المفوضية القومية للانتخابات، إلا أن الذي لا يمكن إخفاؤه هو خوف هذه القوى من نتيجة قد لا تكون لصالحها
"
ورغم أن الكثير من مسوغات القوى السياسية أو تحالف جوبا لتأجيل الانتخابات تبدو منطقية، في سياقاتها العامة، فالذي يبدو جليا هو عدم قدرتها على تقديم مبررات تسعفها للإقناع بأن هذه الفترة المطلوبة للتأجيل ستكون كافية لمعالجة ما لم تستطعه منذ العام 2005، حين أقرت اتفاقية السلام تقريبا لهذه المواقيت، وسيرت قوى تحالف جوبا المسيرات والمظاهرات لتعجيلها، والوفاء بها كاستحقاق لازم لاتفاقية السلام وعملية التحول الديمقراطي.

أما إذا كانت مطالب التأجيل المرفوعة لمؤسسة الرئاسة تشترط معالجة كل الأخطاء المزعومة، والإعداد لانتخابات مبرأة من العيوب في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، ومن ثم الدخول مباشرة في عملية استفتاء تقرير مصير الجنوب، الذي يعد أخطر قرار في تاريخ السودان، فإن كلمة "التعجيز" ستكون هي مفتاح البحث المأمول عن الغول والعنقاء والخل الوفي.

إذ إن مطلب معالجة ما يُظن أنه خروق في عملية الإحصاء وحدها ستستغرق زمنا أطول من نوفمبر/تشرين الثاني القادم، وسيتعدى الخط الأحمر للاستفتاء. هذا إذا توفرت كل نوايا التوافق بين فرقاء اللعبة السياسية في الطرفين أو داخلهما، الأمر الذي تستبعده كل الحيثيات التي تقف حاجزا بينهم، كقوى منفردة وجماعات في المعسكرين المتصارعين.

وإذا أخذنا بوجاهة كل الملاحظات التي أبدتها وتبديها قوى تحالف جوبا على سلامة إجراءات العمليات الانتخابية، وتحفظاتها على أداء المفوضية القومية للانتخابات، فإن الذي لا يمكن إخفاؤه هو خوف هذه القوى من نتيجة قد لا تكون لصالحها.

والدليل الذي لا يرجع إيراده إلى شبهة التحامل على أي طرف من الأطراف ولا يؤخذ على أنه اتهام يرمي في صالح الحكومة أو المؤتمر الوطني هو حقيقة أن الذي استحث التعجيل من قبل يستعجل التأجيل الآن، وبحجج ومسوغات تخصم بعضها من بعض.

فضعف الإعداد والاستعداد الواضح في حركة الأحزاب الجماهيرية وبطء إقبالها على العملية الانتخابية وغموض برامجها السياسية لمرحلة التحول الديمقراطي تؤكد أنها لم تكن جاهزة للتعجيل. ويشي انشغالها المطلق بالمؤتمر الوطني والمفوضية القومية للانتخابات بأنها مترددة في اقتحام المجهول، كما أن مطالبتها بالتأجيل هو ترحيل للأزمة، التي ليس في مقدورها الجزم بحلها في أشهر، وقد غابت عن الفعل الجدي لسنوات.

وهناك عدد لا يحصى من الافتراضات التي يمكن قولها في التوصيف المعياري لمواقف القوى السياسية المختلفة. فالأحزاب السودانية التقليدية بجميع مسمياتها ومع كامل احترام الناس لكسبها السياسي التاريخي تأخرت كثيرا جدا في الاستفادة من المناخ الإيجابي الذي أتاحته اتفاقية السلام منذ التاسع من يناير/كانون الثاني 2005، ولم تستغل هامش الحرية الذي سبقها، وتلكأت كثيرا في توظيف أجواء الحراك السياسي في بناء كياناتها الحزبية والتمدد التنظيمي في أوساط الشباب وقطاعات المرأة والتنظيمات الفئوية.

وفات عليها التوسع في بناء مؤسساتها الاجتماعية وعقد شراكات فاعلة مع منظمات المجتمع المدني، ولم تحفل كثيرا بتفعيل نشاطها الإعلامي الحزبي، وأهملت العمل المؤسسي والتخطيط الإستراتيجي، وربطت نفسها بمنازعة حزب المؤتمر الوطني في ما يملك وكانت تملك.

وانشغلت بقية وقتها بصراعاتها الداخلية، وتفرقت أيدي سبأ، متعللة بمؤامرات الحاكمين وسنوات الاستبداد الطويل، غير أنها تأخرت كثيرا في أمر إعداد نفسها، وترتيب أمرها، حتى في مطالبتها بالتأجيل.

أجل لا يؤخر

"
يعتقد بعض المراقبين أن ربط المؤتمر الوطني الاستفتاء بالانتخابات لا يعني بالضرورة خدمة أهدافه الظاهرة، أو المباشرة، وإنما سيعينه على إعادة ترتيب المشهد السياسي بالضغط باتجاه تفكيك تحالف جوبا وزيادة تصدعه الداخلي
"
يستنطق السؤال الأول، ولعله الأكثر بداهة، السر في إصرار حزب المؤتمر الوطني على قيام الانتخابات في ميقاتها المعلن، ورفضه المطلق للتأجيل.

وقد لا تقف مبررات الرفض هذه عند ثقته المفرطة في قدرته على اكتساح العملية الانتخابية في جميع مستوياتها، وبوجه أخص منافسات رئاسة الجمهورية، سدا أمام طرح أسئلة أخرى تتجه إلى فحص النوايا أكثر من مراجعة الحيثيات البيانية، وهنا تتدخل كل النظريات في محاولة رفد الإجابات بحشد من التكهنات، التي تبدأ بالحديث عن رغبة الحزب في دعم موقف مرشحه للرئاسة عمر حسن أحمد البشير في مواجهة اتهامات محكمة الجنايات الدولية، إلى حسابات المؤتمر الوطني السياسية بأن أي تأجيل قد يحقق طموحات المعارضة في الحصول على مزيد من الوقت للاستعداد الانتخابي ضده، وخوفه من أن يمنحها ذلك مزيدا من الوقت للمناورة، وعقد التحالفات التي قد تمكنها من الاتفاق على مرشح واحد للرئاسة، أو الإطاحة ببعض الرموز المعروفة من الإسلاميين، أو التمكين لهدفها المعلن الساعي لإفشال حصول البشير على النسبة المؤهلة للفوز في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، ثم التكتل لهزيمته في الجولة الثانية.

وفي سعيه لتأكيد هذا الموقف المتشدد، وفي تطور لافت، ربط بين قيام الانتخابات في موعدها والاستفتاء، ليس لأنها شرط تمهيد حسب نصوص نيفاشا، وإنما متلازمة إلغاء، بمعنى "لا استفتاء بغير انتخابات". ومن قبل أكد قادة المؤتمر الوطني أن تأجيل الانتخابات يعنى استمرار الحكومة الحالية، قاطعا الطريق على أي احتمال لحكومة قومية تطالب بها بعض الأصوات في قيادة المعارضة.

غير أن بعض المراقبين يعتقدون أن هذا الموقف لا يعني بالضرورة خدمة أهداف المؤتمر الوطني الظاهرة، أو المباشرة، وإنما سيعينه على إعادة ترتيب المشهد السياسي بالضغط باتجاه تفكيك تحالف جوبا وزيادة تصدعه الداخلي.

وقد تبدت مؤشرات هذا الهدف جلية في موقف حزب المؤتمر الشعبي والأحزاب الصغيرة وعدد لا يستهان به من المرشحين المستقلين، وأهم من هذا كله زيادة التنافر الذي صار واضحا في خطاب الحركة الشعبية. وذلك في الوقت الذي نشط فيه المؤتمر الوطني على صعيد عقد تحالفات مع أكبر عدد من القوى المعارضة، واستعادة أشواط الحوار مع من سبق أن توقف معهم، بما في ذلك الحركة الشعبية، وحزب الأمة القومي، والاتحادي الأصل بزعامة محمد عثمان الميرغني.

ويضاف إلى كل ذلك اتكاء المؤتمر الوطني على مواقف دولية موجبة من قيام الانتخابات في موعدها، على رأسها الولايات المتحدة والأمم المتحدة.

فوز المهزوم
تراهن كل القوى السياسية السودانية المتنافسة، التي تريد تصويتا عاجلا أو آجلا، وعلى تفاوت في نبرة صوتها وشعاراتها، على أحقيتها في الفوز، وهذا حقها المشروع، ولكن غير المشروع أن يقرر البعض منذ الآن أنه إذا فاز فالانتخابات "حرة ونزيهة"، وإلا فلن يعترف بها.

وتزداد الخشية أكثر عندما يأتي تصريح كهذا من شخصيات عرفت بنضالها التاريخي من أجل إرساء القيم الديمقراطية، وتشجيع روح التعاون بين الغالب والمغلوب في لعبة الاختيار الحر. وهذا التخوف لا يلغي التحفظات التي أبدتها كل القوى في طبيعة المرحلة، وما يمكن أن يكون صادقا من مزاعم خروق حدثت في أداء المفوضية القومية للانتخابات، التي سبق أن ارتضى اختيار أشخاصها الجميع، لأنهم يمثلون الجميع.

فالانتخابات الماثلة، تستند إلى نص في دستور 2005، الذي يقرر أن تتم قبل ستة أشهر من انتهاء الفترة الانتقالية، والمفوضية القومية للانتخابات أنشئت بمقتضى المادة"41/1"، وفقا للدستور "مادة141/2/أ و2 –ج"، ويرتبط بهذه الانتخابات الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان، وفقا للمادة "222/1" من الدستور الانتقالي.

"
تأتي الانتخابات في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان، ومطلوب منها أن تهيئ لتاريخ جديد يكتب، ربما لا يكون فيه السودان بلدا واحدا، وربما يتجاوز الاثنين إلى ما هو أخطر من الانقسام الذي يقره استفتاء الحق الإنساني الديمقراطي
"
غير أنها تتم في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان، ومطلوب منها أن تهيئ لتاريخ جديد يكتب، ربما لا يكون فيه السودان بلدا واحدا، وربما يتجاوز الاثنين إلى ما هو أخطر من الانقسام الذي يقره استفتاء الحق الإنساني الديمقراطي.

إذ تشهد البلاد حراكا متسارعا ومتصارعا، تتداخل أطرافه، ابتعادا واقترابا، تغيب فيه المرجعيات الوطنية، وتدخل فيه القبلية، والإثنية، والجهوية، مع وفرة في السلاح، وسعة في التدريب، وطاقة على التدمير، يغذيها قدر غير قليل من الاحتقان السياسي، وحضور كثيف لقوى دولية وإقليمية، وشجار لا ينطفئ أواره بين من يفترض فيهم أن يكونوا أهل الحل والعقد من قادة القوى السياسية.

والخشية أن يموت الأمل في التحول الديمقراطي قبل أن يعلن أي مهزوم رجاحة فوزه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك