غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


في ظل الأزمات التي راحت تحاصر المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، تنعقد القمة العربية في ليبيا، لتزيد جوع وظمأ هذا المواطن إلى سياسة حقيقية تطمئنه على مستقبله، وتوفر له ولو النزر اليسير من الإجابة عن السؤال اللاهث اللاهف حول ماذا سيكون غدا، أو إلى أين نحن سائرون؟

وفي الوقت الذي يهلل فيه النظام الرسمي العربي والإعلام التابع له بالقمة، والتي ستحقق الإنجازات التي طالما وعد بها العربي، يظهر النظام الرسمي العربي في نظر مواطنيه وبشكل كاريكاتوري، وكأنه يمارس ترفا ما عاد الواقع العربي الذي ينأى تحت قضايا حاسمة، قادرا على تحمله.

"
على وقع ما يحدث في عالمنا العربي يجد المواطن المنكوب بأنظمته فرصة مثالية ليطلق النار على النظام الرسمي العربي، وليعري النخب الحاكمة، وذلك بقصد شفاء غليله، وإظهار كرهه التاريخي لتلك الأنظمة
"
على وقع ذلك، يجد المواطن العربي المنكوب بأنظمته فرصة مثالية ليطلق النار على النظام الرسمي العربي، وليعري النخب الحاكمة، بأدواته البسيطة والمتاحة، أي السخرية والتطاول، وذلك بقصد شفاء غليله، وإظهار كرهه التاريخي لتلك الأنظمة التي مارست وعلى مدار سنوات طويلة، سياسة الوأد للوسائط السياسية الحقيقية من مؤسسات حزبية ونقابية ورموز سياسيين ووجهاء اجتماعيين.

أكثر من ذلك، باتت القمة الرسمية مناسبة للمواطن العربي، كي يستحضر المسار التاريخي، والسياق السياسي، للخداع المنظم الذي مارسته هذه الأنظمة، باللعب على وتر احتياجاته الإنسانية وأمانيه الوطنية، من خلال الوعد بغد أفضل، ومستقبل آمن، وبتحقيق النصر واستعادة الكرامة المسلوبة، فلا الحياة الرغيدة تحققت، اللهم سوى استثناءات بسيطة، ولا الكرامة المستباحة استعيدت، بل جرى تثخينها بجراحات أعمق وأقسى، عبر إذلال إسرائيل للفلسطينيين، وهدر أميركا لكرامة الشعب العراقي، وكل ذلك على مرأى ومسمع الأنظمة العربية العاجزة.

وما يزيد من اشتعال الحقد في صدر الجمهور العربي اعتقاده أن هذه القمم باتت تشكل مصدر الشرعية الوحيد لتلك النخب الحاكمة والرابضة على صدره، فهذه القمة غدت تشبه المنتدى، الذي يعقد كل عام، ويشكل مناسبة متجددة، كي "تتنظف" هذه الأنظمة مما تتهمه بها شعوبها من فساد وفشل وتلاعب بحاضر ومستقبل الأمة، عبر تصوير نفسها بأنها الحامل لهموم الأمة والضامن لمستقبلها، دون أي جهد أو عناء، سوى اجترارات لقرارات القمم السابقة، أو التأكيد على أن القرارات السابقة تبقى قرارات حالية، ويمكن أن تصبح قرارات مستقبلية.

ويجري كل ذلك بعيدا عن حس ونبض الشارع العربي، خاصة الجيل الجديد منه، الذي بات منقطعا عن تاريخه ومستقبله، حيث استقر في أذهان هذا الجيل أن الأنظمة العربية والقومية مرتبطة بالفشل أمام مشروع إسرائيل، ناهيك عن الفشل في إنجاز التنمية الحقيقية في المجالات كافة، بما فيها المسألة الديمقراطية، وأن هذه الأنظمة القمعية ما انفكت تمارس الدور السلبي نفسه، عبر إعادة إنتاجه بطرائق مختلفة، ما يرخي بظلاله القاتمة على حاضر الأمة ومستقبلها.

بالطبع، فإن هذا الجيل الذي يحلم بواقع أفضل لا يلقى معاملة تليق بعقله وفهمه وقدراته، ولم توفر له أي إمكانات حقيقية في هذا الإطار، كي يتسنى له التعبير عن قدراته وخدمة قضايا أمته، وعوضا عن ذلك، سعت الأنظمة الحاكمة إلى زجه واستيعابه ضمن الأطر السياسية التي تسيطر عليها «الأحزاب الحاكمة وتوابعها من نقابات واتحادات»، الأمر الذي دفع هذا الجيل إلى الاستقالة الكلية من الشكل السياسي المطروح والمتاح، وهو الأمر الذي أعطى صورة ملتبسة دفعت ببعض علماء الاجتماع إلى توصيفه بـ«الجيل اللا منتمي»؟

"
الجيل الجديد يدرك تماما أن خوف الأنظمة على نفسها هي المحرك الرئيس لسياساتها وتوجهاتها، كما يدرك أن تعقيدات المشهد العربي ما عادت تسمح بأن يدفن العرب رؤوسهم في الرمال
"
غير أنه يتوجب عدم الركون إلى هذا النمط من التوصيفات التي لا تستطيع ضمان توفير نظريات تفسيرية لمثل هذه الحالة، إذ يجب الاعتراف بأن عزوف الجيل العربي الطالع عن ممارسة السياسة بالشكل الذي تطرحه الأنظمة العربية، كذلك إطلاقه النار على النظام الرسمي العربي، إنما ناتج عن معاينة دقيقة للواقع، واستنادا لمؤشرات حقيقية وواقعية، نابعة من رؤيته الموضوعية للوضع العربي البائس والمتردي في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتعليمية، وللأمن العربي المفقود والدور العربي غير الموجود.

إضافة لكل ذلك، لم يستطع النظام الرسمي العربي، أن يقنع هذا الجيل، بأن أولوية المقاومة أو المفاوضات هي محور الخلافات العربية العربية، فهذا الجيل يدرك تماما أن خوف الأنظمة على نفسها هي المحرك الرئيس لسياساتها وتوجهاتها، كما يدرك أن تعقيدات المشهد العربي ما عادت تسمح بأن يدفن العرب رؤوسهم في الرمال ويتجاهلوا الواقع بكل مآسيه وأزماته.

وما يزيد من حدة الإشكالية التي يواجهها الواقع العربي، هو كون نموذج السلطة الذي جرى ممارسته ويعاد إنتاجه بات نموذجا منخورا بالتوريث والتسلط الطائفي والفساد وغياب القانون، وأصبح نمطا مفضوحا ومعطلا، كما أصبحت الأنظمة العربية بكل ألوانها وأطيافها وتوجهاتها السياسية لا هم لها سوى المحافظة على مكاسبها ودعم استمرارها وبقائها بأي ثمن.

وكان من أحد مفرزات العولمة في العالم المتخلف تحول الأنظمة الحاكمة إلى جزء مهم من الطبقات الغنية في بلداننا، بل الشريحة العليا من هذه الطبقات، بالتعاون مع رأسمالية خارجية، وعبر تطويع الرأسمالية الوطنية، بالتضييق عليها ومضايقتها واحتكار التسهيلات والامتيازات والتوكيلات ضمن النظام الحاكم، وفوق ذلك الاستيلاء على ثروات البلاد، بحيث يصبح النظام نفسه هو التاجر الوحيد في البلاد.

وهذا ما يحصل في جميع البلاد العربية، حيث يتم جهارا نهارا سرقة مجهود الشعوب وثرواتها، وبالطبع لا تنسى هذه الأنظمة أن تترك النزر اليسير لشعوبها وفق منطق "قوته ولا تموته، الذي كشف عنه أميل زولا في روايته جيرمي التي تتحدث عن مظالم الرأسمالية في الغرب" وذلك كي تضمن قدرة هذا المواطن على مواصلة العمل "ضمن مصالح النظام نفسه"، وحتى لا يصل الغيظ إلى درجة الانفجار.

"
كشفت القمم العربية الأخيرة أن العرب وصلوا إلى مفترق طريق حاسم، ليس بسبب الانقسام الذي أرادت الأنظمة شغل الرأي العام بوجوده، ولكن لأن الوضع العربي بات يعيش شحا سياسيا أو مواتا
"

لقد كشفت القمم العربية الأخيرة أن العرب وصلوا إلى مفترق طريق حاسم، ليس بسبب الانقسام الذي أرادت الأنظمة شغل الرأي العام بوجوده، ولكن لأن الوضع العربي بات يعيش شحا سياسيا أو مواتا، فالعقل السياسي العربي لم يعد قادرا على إنتاج أفكار جديدة، ولا إبداع حلول لمشكلات تراكمت على مدار عقود، وصارت تهدد الوضع بانفجارات على شكل مطالب اجتماعية أو إثنية أو دينية، كما أن السياسات المحافظة والراديكالية العربية باتت مأزومة لا تستطيع تقديم شيء له القدرة على إخراج الوضع العربي من أزمته الحقيقية، فلا هي قادرة على السير بالإصلاحات المطلوبة وتحقيق الرضا والمقبولية في بيئاتها ومجتمعاتها، ولا هي قادرة على تحقيق الحد الأدنى من السيادة في مواجهة التعنت الإسرائيلي والاستهانة الأميركية والطمع الإيراني.

هذا الوضع من شأنه أن يكرس ظاهرة انحسار مكانة السلطة وهيبتها في العالم العربي نتيجة لضعفها، وهو ما سيكون له أكبر الأثر في الاستقرار السياسي العام، نتيجة انهيار فاعلية تلك السلطات، وهي الحالة التي تؤسس لما يسمى بأزمة الشرعية الناتجة من عجز السلطات عن إثبات فعاليتها في إدارة الشؤون العامة للبلاد، خاصة عجزها عن تحقيق الإنجازات الكبرى في التنمية والبناء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك