خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية

 

محركات العنف في العراق
القمم وذاكرة العراق الأليمة
مقترحات عراقية أمام القمة


لا شك أن العرب اليوم أدركوا ويدركون حجم الخلل الذي أصاب منظومة الأمن القومي العربي بخسارة العراق كحجر زاوية في معادلة توازن القوة في المنطقة.

وقد أغرى ذلك الواقع الكثير من القوى الإقليمية الطامعة لمد نفوذها أبعد من العراق، ويجعل من استمرار حالة التغافل واللامبالاة جراء ما يجري في العراق وما ستؤول إليه الأمور، أشبه بالانتحار البطيء الذي سيطرق أبواب الكثير من العواصم العربية، ما لم يتناد العرب اليوم في قمتهم إلى وضع حد لهذا التداعي، والعمل الجاد والواضح على إعادة العراق إلى رحمه العربي ليكون عراقا عربيا مستقلا قويا، ويقوم بوظيفته التاريخية كمانع ديمغرافي وسياسي وعسكري ضد الأطماع والاندفاعات الإقليمية إلى العمق العربي، وليكون ذخرا ماديا وبشريا لإخوته في الملمات. 
  
لقد ورد في البيان الختامي لقمة الدوحة الحادية والعشرين في مارس/آذار 2009 النص التالي بخصوص العراق: "نجدد التزامنا باحترام وحدة العراق وسيادته واستقلاله وهويته العربية والإسلامية، ودعمنا للمسار السياسي الذي يرتكز على المشاركة الكاملة لمختلف مكونات الشعب العراقي...". 

"
واقع الحال يشير إلى أن عروبة العراق قد تم طمسها سواء في نص الدستور الحالي الذي يمثل الوثيقة القانونية الأسمى في النظام السياسي الحالي، أو من خلال المناهج التدريسية الجديدة
"
وعند تفكيك النص أعلاه تتضح مدى عمومية الموقف العربي الرسمي من قضية العراق وضبابيته، وخاصة الشق المتعلق "بهوية العراق العربية واستقلاله"، فواقع الحال يشير إلى أن عروبة العراق قد تم طمسها سواء في نص الدستور الحالي الذي يمثل الوثيقة القانونية الأسمى في النظام السياسي الحالي، أو من خلال المناهج التدريسية الجديدة.

كما أن العراق على الأرض لا يزال محتلا من قبل قوات الولايات المتحدة بأكثر من 250 ألف جندي ومرتزق. وهذه الحقائق يجب عدم إغفالها من قبل جامعة الدول العربية، واعتبارها خطا أحمر عند التعاطي مع مسألة تمثيل العراق، فكيف يمثل العراق من لا يعترف أصلا بعروبته؟

محركات العنف في العراق
نشأت عقب الاحتلال بؤر ومحركات مستديمة للعنف وعدم الاستقرار في العراق، ولا تزال هذه البؤر تقف خلف جريمة قتل العراقيين المستمرة، الأمر الذي سيترك أثرا سلبيا في الذاكرة الوطنية للشعب العراقي في مدى مصداقية مفهوم العروبة وقيمة الالتزامات إذا كان هذا الشعب يذبح يوميا وسط تفرج أشقائه وعدم اكتراثهم، بل ومشاركة البعض منهم في هذه الجريمة.

إن الحديث عن استقرار العراق والمنطقة يبقى من التمنيات ما لم يوضع حل جذري ويجرِ التعامل الجدي مع هذه البؤر: البؤرة الأولى تتمثل في استمرار حالة الاحتلال والتواجد الأجنبي على أرض العراق بغض النظر عن المسميات والأشكال الوهمية التي تتخذها هذه الحالة (سلطة ائتلاف، قوات متعددة الجنسية، اتفاقية أمنية) والتي يعمل بها طبقا لمقتضيات مصلحة مشروع الاحتلال وأهدافه وليس لمقتضيات سيادة واستقلال ومصالح الشعب العراقي.

البؤرة الثانية تتمثل في وجود عملية سياسية تم تأسيسها من قبل الاحتلال، تقوم على أخطر مبدأ وهو مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية التي تم تكريسها في كافة مفاصل هذه العملية ابتداء من الدستور وآلية تشكيل القوات المسلحة والبرلمان والوزارات. وهذه العملية مصممة على تجزئة العراق وتحويله إلى كيانات ضعيفة متناحرة على السلطة والثروة. والأخطر أن هذه العملية السياسية تلغي هوية العراق العربية كما ورد في المادة الثالثة من الباب الأول في الدستور والخاص بالمبادئ الأساسية والتي تعرف العراق على أنه "بلد القوميات والأديان والمذاهب". 

وعندما ترد مثل هذه المادة في بنود دستور دائم غير قابل للتعديل فإن ذلك بالتأكيد لم يكن سهوا أو اعتباطيا، بل إن المشرع تعمّد تشويه هوية العراق العربية بما يضمن تشظي ولاءات أجياله القادمة عبر تغييب عقيدته القومية وتحقيق أحد أهم أهداف الاحتلال وهو إخراج العراق كقوة عربية متوازنة ماديا وبشريا من معادلة الصراع العربي الصهيوني.
 
"
تلوذ الجامعة العربية بالصمت منذ سبع سنين إزاء جريمة غزو مستوفية لشروط العدوان طبقا للقانون الدولي، راح ضحيتها أكثر من مليون شهيد ومليونا جريح وملايين الأيتام والأرامل وملايين المشردين، وسط استباحة كاملة لسيادة العراق
"
القمم وذاكرة العراق الأليمة
حفرت بعض المشاهد المؤلمة عميقا في الذاكرة الوطنية للشعب العراقي حول تجاهل الوضع في العراق. يتقدم هذه المشاهد تساؤل كبير للشعب العراقي نضعه أمام أنظار القمة العربية: لماذا تحمست الجامعة العربية لإدانة العراق عند احتلاله الكويت -بل إن بعض الدول العربية ضالعة في الهجوم عليه تحت صخب الشرعية الدولية والقانون الدولي- في حين تلوذ هذه الجامعة والنظام الرسمي بالصمت منذ سبع سنين إزاء جريمة غزو مستوفية لشروط العدوان طبقا للقانون الدولي راح ضحيتها أكثر من مليون شهيد ومليونا جريح وملايين الأيتام والأرامل وملايين المشردين، وسط استباحة كاملة لسيادة العراق وثرواته واستقلاله؟

والأدهى من ذلك أن هذه الجامعة تحاول التطبيع والتعامل مع حكومة الاحتلال كأمر واقع، متناسية واجباتها الأساسية طبقا لميثاقها ونظامها الداخلي تجاه ملايين من الشعب العراقي ومتجاهلة حالة الاحتلال، وكأنها بهذا الفعل تذكر العراقيين بموقفها المؤلم عندما تبنت قرارا مترجما عن الإنجليزية والتصويت لأول مرة في هذا القرار بالأغلبية وليس بالإجماع على إدانة العراق لاحتلاله دولة الكويت قبل إعطاء فرصة للقادة العرب لحل القضية عربيا، وقد أعطت بذلك الضوء الأخضر كمنظمة إقليمية لمجلس الأمن لشن الحرب عام 1991 وتدمير الشعب العراقي وحصاره لمدة 13 عاما.

يتساءل العراقيون عن طلب القمة العربية وتعهد الأمين العام للجامعة بعقد قمة عام 2011 في بغداد: كيف ستطأ أقدام القادة العرب العراق وهو يرزح تحت حراب المحتل، في حين أن واجبهم الأساسي مساعدة أحرار العراق على تحرير هذه الأرض؟ وكيف يمكن عقد قمة عربية على أرض لا يعترف نظامها السياسي وطبقتها الحاكمة -وطبقا للدستور- بهوية العراق العربية؟

مقترحات عراقية أمام القمة
أولا- تحتاج الدول العربية لتحسين شروط دخولها إلى الملف العراقي في هذه القمة، والذي يتصادف مع متغيرات إقليمية ودولية مناسبة نتيجة تدهور أوضاع إيران الداخلية والخارجية، وانحسار الدور الأميركي نتيجة الخسائر الباهظة التي تكبدتها واشنطن في العراق وأفغانستان.

ويمكن أن يكون ذلك عبر رعاية أطراف وركائز الحركة الوطنية العراقية المتمثلة في القوى والهيئات والفصائل والأحزاب والشخصيات الوطنية المناهضة والمقاومة للاحتلال الأميركي ومشروعه السياسي في العراق, بغية سماعها وتوحيد تصوراتها ورؤاها السياسية, وذلك عبر تبني لقاءات ومؤتمرات علنية تحت قبة ورعاية النظام الرسمي العربي.

ومن باب أولى بعد اعتراف إدارة الاحتلال الأميركي ببعض الفصائل المسلحة وتوقيع بروتوكول رسمي معها برعاية تركية، أن تغادر الدول العربية حالة الخجل والخوف وتستقبل علنا رموز الحركة الوطنية العراقية ودعمها على الأقل من الناحية الاعتبارية, وذلك للمناورة والضغط على الحكومة العراقية من جهة وتعزيز التواجد الفعلي العربي على الأرض من جهة أخرى.

ويمكن في هذا الصدد استقبال وفد من هذه القوى إلى قمة سرت بصفة مراقب، أو على الأقل أن يقع الاختيار على شخصية عراقية وطنية تحظى بإجماع ورضا وقبول معظم هذه الأطراف، ولديها ثقل إقليمي وعربي وإسلامي، والأهم من ذلك ليس لديها طموح أو طمع في السلطة.. تلك هي شخصية الشيخ الدكتور حارث الضاري ذي الإرث التاريخي والوطني العميق.


"
من باب أولى بعد اعتراف إدارة الاحتلال الأمريكي ببعض الفصائل المسلحة وتوقيع بروتوكول رسمي معها برعاية تركية، أن تغادر الدول العربية حالة الخجل والخوف وتستقبل علنا رموز الحركة الوطنية العراقية ودعمها على الأقل من الناحية الاعتبارية

"
ثانيا- من المتوقع تماما كما حصل إبان انتخاب حكومة المالكي قبل أربع سنوات، لجوء حكومة الاحتلال الخامسة إلى المنظومة العربية لرعاية جولة قادمة من المصالحة, وبهذا الخصوص يمكن الاعتماد على قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 1770 في 10/8/2007 الذي سحب بموجبه ملفات المصالحة الوطنية وإعادة النظر في الدستور العراقي المادة (1 و3) وهي قضايا خلافية رئيسية, وجعلها من صلاحية مجلس الأمن، وذلك بعد فشل وعجز حكومات الاحتلال المتعاقبة عن حل هذين الملفين اللذين يشكلان أساس أي حل في العراق، إضافة بالطبع إلى إنهاء الاحتلال الأجنبي.

وهذا الأمر يشكل مدخلا مهما وقانونيا لجامعة الدول العربية للمساهمة في حل الأمور, على أن تكون هناك ضمانات وليس كما حصل في مؤتمر الجامعة الخاص بالمصالحة عام 2005/2006 عندما نكثت الحكومة العراقية بوعودها وتنصلت الجامعة عن ضماناتها لنتائج هذا المؤتمر.

ثالثا- يمكن المطالبة عبر الجامعة العربية التي يعد العراق عضوا مؤسسا فيها بتشكيل لجان قانونية لمساعدة الشعب العراقي الذي لا يزال تحت الاحتلال الأميركي للتحقيق في:

- خلفية العدوان على العراق ومدى شرعيتها وشرعية التعامل مع إفرازاتها السياسية والدبلوماسية طبقا للقانون الدولي.

- جرائم الإبادة البشرية التي طالت أكثر من مليون عراقي ومليوني جريح وملايين المشردين، إضافة إلى سرقة ونهب آثار العراق الإنسانية وثرواته النفطية.

- انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية بحق سجناء وأسرى سجن أبو غريب وبقية السجون، والمطالبة بإطلاق سراح ربع مليون عراقي وتعويضهم طبقا للقانون الدولي.

- خرق اتفاقيات جنيف وإعدام قوات الاحتلال الأميركي أسرى حرب وفي مقدمتهم الرئيس الشرعي للعراق.

المصدر : الجزيرة