عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري


دفقت دعوة حركة العدل والمساواة الدرافورية بتأجيل الانتخابات (بعد توقيع اتفاقها الإطاري مع حكومة السودان) بدم جديد للدعوة القائمة بين مجموعة (أحزاب جوبا) المعارضة لمد أجل تلك الانتخابات من أبريل/نيسان 2010 إلى نوفمبر/تشرين الثاني منه.

فقد كان واحداً من أهم أسباب تلك الأحزاب لتعطيل الانتخابات هو وضع دارفور الأمني الذي قد يحرم الإقليم من الإدلاء بدلوه الانتخابي، واشترطت أن يستتب السلام في الإقليم قبل إجراء الانتخابات. وجاء في معاذير حركة العدل للإرجاء ما قوى شرط الأحزاب. فمن رأي الحركة أن نعطي الاتفاق الإطاري للسلام فرصته حتى يتنزل على الأرض فلا نزعجه بانتخابات تعصف به في لجاجها.

"
يتمسك حزب المؤتمر الوطني الحاكم بإجراء الانتخابات في موعدها ويشكك في دوافع المعارضة لتأجيلها, فهي في نظره تسويف لخوفها من أن تظهر نتائج الانتخابات قلة نفرها
"
من جهة أخرى يتمسك حزب المؤتمر الوطني الحاكم بإجراء الانتخابات في موعدها ويشكك في دوافع المعارضة لتأجيلها. فهي في نظره تسويف لخوفها من أن تظهر نتائج الانتخابات قلة نفرها. ووصفها السيد نافع على نافع، أمين التنظيم بالحزب الحاكم (والذي ينتظر الناس تعابيره الشعبية الحامضة في هجاء الأحزاب كل صباح) بأنها أحزاب "زعيط ومعيط" وأنها فترت دون بلوغ "الميس" وهو موضع المرمى في ألعابنا الشعبية، وعليها بدلاً من تعطيل اللعب أن تخرج من الميدان بكرامتها.

وحده الرئيس عمر البشير هو الذي جاء بوضع تاريخي مقارن لحالة دارفور الأمنية الموجبة لتأجيل الانتخابات في قول خصومه. فقال إن اضطراب الأمن في الجنوب لم يمنع من إجراء انتخابات سبقت فيه. وسيكون من المفيد التوقف عند هذه الزاوية المٌقارنة بين دارفور والجنوب فلربما أصبنا بها حكمة سياسية في منعطف التحول الديمقراطي الحرج في السودان.

تأجلت الانتخابات، أو تجزأت، في الجنوب الذي اضطرب فيه حبل الأمن خلال انتخابات 1965 و1986. وجاء الانتخابان بعد ثورات شعبية على نظم ديكتاتورية: نظام الفريق عبود (1958-1964) ونظام الرئيس نميري (1969-1985). وكانت مسألة الجنوب في لب الثورتين لعقيدتهما أن حل تلك المسألة الناجز في قيام نظام ديمقراطي في البلاد.

ولكن كان بين الجنوبيين من لا يقيم وزناً لهذه العقيدة الشمالية. وواصل الحرب فانفرط حبل الأمن وتعذرت بالنتيجة الانتخابات. فلجنة الانتخابات في 1965 لم تتمكن من التسجيل سوى لدائرة واحدة في مديرية بحر الغزال بالجنوب حتى مارس/آذار 1965. وعليه تقرر تأجيل الانتخابات في الإقليم وما انعقدت إلا في مارس/آذار 1967.

ومن الطريف أن الأحزاب انقسمت آنذاك أيضاً إلى مرجئة ومنجزة. فقد كان من رأي حزب الشعب الديمقراطي (وهم جماعة الختمية أنصار السيد محمد عثمان الميرغني) والحزب الشيوعي وجبهة الهيئات، التي كانت بمثابة التنظيم السياسي لثورة أكتوبر 1964، تعطيل الانتخابات لتجرى في ظروف آمنة.

أما السيد الصادق المهدي (حزب الأمة) والوطني الاتحادي بقيادة الزعيم إسماعيل الأزهري والإسلاميون بقيادة الدكتور حسن الترابي فقد أصروا على قيام الانتخابات في موعدها المحدد. والأطرف أن السيد الصادق رمى المرجئة بما ترميه به حكومة البشير على أيامنا هذه. فكان من رأيه أن تأجيل الانتخابات بالنظر إلى أمن الجنوب عذر تختبئ تحته أحزاب الأقلية التي بلا سند.

واقترح خطتين لتلافي تأجيل الانتخابات.
1-أن تجرى في الشمال وينعقد البرلمان فيعين رئيساً للوزراء بالتشاور مع الجنوبيين، ثم يعطل البرلمان ليعود وينعقد بعد انتخابات الجنوب.

2- أن يجرى إشراك الجنوبيين في الهيئة المنتخبة بالتعيين. ولتفادي تجاوز هذه الهيئة دورها المحدود تستمر كبرلمان حتى تقوم انتخابات فتصبح جمعية تأسيسية مكلفة بوضع الدستور.

وتعاور انتخابات 1986 التأجيل والتجزئة لظرف الحرب. فاتسمت عامة بـ"نحافة الجسم الانتخابي" حسب قول الدكتورين أحمد أبو شوك والفاتح عبد السلام في كتابهما القيم عن انتخابات السودان. فكانت نسبة المسجلين في مديريتي بحر الغزال وأعالي النيل مقارنة بمن يحق لهم التصويت 11% و17% على التوالي.

وكانت مديرية الاستوائية هي الأفضل ومع ذلك لم تزد نسبة التسجيل عن 52% التي تقل كثيراً عن رصيفاتها في الأقاليم الشمالية. ومع ذلك اضطرت لجنة الانتخابات لتأجيلها في 37 دائرة في الجنوب من الجملة وهي 128 لاستحالة التصويت فيها لشرط الأمن.

"
مع أن ولايات دارفور ليست من مناطق التسجيل العليا للناخبين إلا أن التسجيل فيها بلغ الـ60% بينما متوسط نسبة التسجيل للقطر هي 83%, ولكن الـ60% مما يعد تسجيلاً مميزاً للناخبين بالمقاييس العالمية
"
ولكن نبأ دارفور الانتخابي، مع انفراط أمنها الذي صار مضرب المثل، لهذا العام نبأ سعيد قياساً بالجنوب. فلم يكن الجنوب في أي من انتخاباته الجزئية أو المؤجلة في 1965 و1986 قريباً من حيث التسجيل والترشيح لما سنرى في دارفور في الانتخابات القادمة. فمع أن ولايات دارفور ليست من مناطق التسجيل العليا للناخبين إلا أن التسجيل فيها بلغ الـ60% بينما متوسط نسبة التسجيل للقطر هي 83%. ولكن الـ60% مما يعد تسجيلاً مميزاً للناخبين بالمقاييس العالمية.

أما من جهة الترشيح فلم تترك الولاية فرضاً انتخابيا ناقصاً. فقد نزل 17 مرشحاً لمنصب ولاة ولاياتها الثلاث. وترشح لدوائرها الـ51 في البرلمان القومي عدد 355 مرشحاً بواقع سبعة مرشحين في المتوسط. وتنافس في دائرة واحدة فقط 13 مرشحاً وكان أقل المتنافسين اثنين في دائرة واحدة. كما ترشح 619 مرشحاً لدوائر التشريعي الولائي (29 لكل ولاية) بمعدل سبعة مرشحين للدائرة. واكتملت الترشيحات التي بلغت 885 مرشحا لقوائم التمثيل النسبي للأحزاب القومية والولائية وكذلك قوائم التمييز الإيجابي للمرأة ولائياً وقومياً.

فإلى جانب المستقلين جاء هؤلاء المرشحون من الأحزاب القومية بأجنحتها المتنافسة خلا الحزب الشيوعي. وشمل التنافس مرشحين من أحزاب قومية حديثة التأسيس مثل الحركة الشعبية للتغيير (جناح لام أكول) من الحركة الشعبية وكذلك حزب الوحدة الفدرالي. بل وجدنا مرشحاً غير متوقع عن حزب وحدة وادي النيل الصغير.

يملي علينا موقفا تأجيل الانتخابات القادمة في دارفور وإنفاذها أن نتحسب لذيولهما ومترتباتهما. ففي موقف رهن إجراء الانتخابات العامة بحل مسألة دارفور إسراف شديد. كما أن عقد الانتخابات العامة نزولاً عند التقويم الوطني العام بحسب سلام نيفاشا في 2005 يجعل انتخابات دارفور حادثة لا معنى لها في ملابسات الإقليم المعروفة. وجوهر التحسب الذي أدعو له هو قيامها نزولاً عند حقيقة أن دارفور نفسها بحاجة ماسة للانتخابات لترتيب بيتها في بيئة ديمقراطية تفض الخلاف وتحقن الدم.

ولا بد هنا من رجعة لتاريخ الانتخابات في الجنوب كمجرور بانتخابات الشمال طلباً للعظة. فكان لقرار التأجيل الكامل في انتخابات 1965 أو الجزئي في 1986 ثمنه الفادح الذي جعل الديمقراطية في الجنوب وكأنها مجرد ذيل لتطور الشمال الديمقراطي.

فقد جاء قرار تأجيل الانتخابات في 1965 بعد قفل باب الترشيح وإعلان بعض من ترشحوا فائزين بالتزكية. وحكمت المحكمة لصالح هؤلاء الفائزين حين اشتكوا لها رفض الدولة اعتماد عضويتهم بالبرلمان. وبذلك مثل الجنوب، الذي تأجلت فيه الانتخابات، طائفة من النواب عددها عشرة معظمهم من الشماليين لمجرد ضربة حظ.

أما انتخابات 1986 -التي أرادت ترتيب البيت السياسي السوداني بعد خلع الرئيس نميري بواسطة انتفاضة 1985- فقد قاطعتها الحركة الشعبية بقيادة العقيد جون قرنق لأنها حسب زعمها لن تأتي بالإجماع الوطني المطلوب. ووصفتها بأنها "ديمقراطية طائفية" تعيد الأحزاب "الدينية" للحكم بواسطة أتباعهم مسلوبي الإرادة.

وواصل قرنق الحرب ضد حكومة السودان الجديدة. وكان لذلك مترتباته من عزلة للنظام الديمقراطي الثالث في السودان حتى قال سياسي بارز: "ها هي الديمقراطية مرمية على الأرض كالعظمة فإذا جاء ناحيتها كلب لن نقول له (جر)" و(جر) هي العبارة السودانية في زجر الكلب. وفعلاً تكاثرت "الكلاب" الانقلابية على التجربة الديمقراطية ففازت بها إنقاذ الرئيس البشير.

سيسوقنا هذا التحسب إلى تفصيل انتخابات لدارفور في مقاس أزمتها. فمن جهة نتفادى تعطيل انتخابات عامة عليها تعويل كبير في بناء الأمة/الوطن السوداني بصورة نهائية. ونتفادى من الجهة الأخرى أن تكون انتخابات الولاية إجراءاً انتخابياً روتينياً غير مقصود لذاته.

وقد نبه تقرير صدر عن معهد الولايات المتحدة للسلام في مارس/آذار 2009 لهذا المعنى. فقد نظر للمسائل الصعبة التي ستحف بالانتخابات في ولاية دارفور على ضوء خبرات جرت في مناطق للنزاع في العراق وأفغانستان والكونغو. وحذر من قيام انتخابات في الولاية تكون جزءاً من الأزمة لا مخرجاً منها.

"
لن يجد الدرافوريون حماسة لانتخابات لن تعطيهم ثقلهم كالولاية الأغزر سكاناً في برلمان يحتكم إلى الأغلبية البسيطة, علماً بأن الولاية ولاية نزوح كما أن الحرب لم تأذن بإحصاء دقيق للسكان
"
فلن يجد الدرافوريون حماسة لانتخابات لن تعطيهم ثقلهم كالولاية الأغزر سكاناً (سبعة ونصف مليون مقارنة بالخرطوم، الثانية في الغزرة، خمس مليون نسمة) في برلمان يحتكم إلى الأغلبية البسيطة. علماً بأن الولاية ولاية نزوح كما أن الحرب لم تأذن بإحصاء دقيق للسكان.

مما تقدم من خبرة وجب أن نتحوط في انتخابات 2010 فلا نستسهل قيامها برغم استكمال استعدادات الولاية الكافية لخوضها كما رأينا. فقيامها بغض النظر سيترك قوى الحركات خارج السياق الديمقراطي، وهي قوى مهما هوَّنا من أمرها قادرة على إرباك سير الانتخابات.

يكفى أن نزاعاً غير واضح المعالم نشب قبل أسبوع في جبل مرة بولاية شمال دارفور منع نحو ثلاثمائة تلميذ من بلوغ مراكز امتحان شهادة الأساس. من الجهة الأخرى علينا ألا نستسهل تأجيلها بالنظر إلى مقتضى الأمن. فالديمقراطية أصل في مسألة دارفور، ولا تقتصر هذه الديمقراطية على تخلص أهلها من جور الدولة المركزية فحسب. فبعد نحو نصف عقد من "حكم الحركات" لا بد أن أغلبية دارفور المدنية الصامتة راغبة في استرداد صوتها المجهول.

وقد تواترت لقاءات المجتمع المدني الدارفوري لخلق فضاء ثالث بين الحكومة والحركات. بل لو صح هذا الخيط من التفكير لكانت الدرجة المرموقة التي رأينا دارفور استعدت بها للانتخابات هي وجه من وجوه هذا الفضاء الثالث.

بل قد أجازف بالقول إن جنوح حركة العدل والمساواة للسلم ربما كان بسبب خشيتها من بواكير هذا الفضاء الثالث الذي سيفضي بدارفوريين كثيرين إلى دست السلطة في الخرطوم والولايات. وبدا لنا بوجه من الوجوه أن اعتراض الحركة بالذات على الانتخابات كرت لهش الحكومة عن التفاوض مع منافساتها التي لا تعتقد أن لهن وجوداً في الميدان. وهو كرت ترهب به الحكومة لأنه كرت مرغوب فيه بين أحلاف جوبا المعارضة. فحتى الحركة الشعبية لوحت لأول مرة بأنها قد تميل لتأجيل الانتخابات إذا ما اتفق معها المؤتمر الوطني على ذلك.

"
لا نريد للانتخابات أن تكون شاغلاً مركزياً تستثنى منه دارفور متى تهافت الأمن فيها, فربما كان المخرج من محنة دارفور هو في الديمقراطية كما تقدم. والانتخابات ليست ملحوقة في دارفور متى أجلناها
"
لا نريد للانتخابات أن تكون شاغلاً مركزياً تستثنى منه دارفور متى تهافت الأمن فيها. فربما كان المخرج من محنة دارفور هو في الديمقراطية كما تقدم، فالانتخابات ليست ملحوقة في دارفور متى أجلناها. والديمقراطية هي الحل لأزمة الولاية مثلها في ذلك مثل كل ولاياتنا الأخرى والسودان بعامة.

فتأجيلها يعني أن ما يشفي الوطن لا يشفي دارفور. وسنكرر تجربة الانتخابات المؤجلة في الجنوب التي جعلت من المؤسسة البرلمانية في نظر الجنوبيين تمامة عدد (أو تمومة جرتق) لعرس الشمال الديمقراطي. والتعبير من لغة السيد الصادق المهدي في معنى الزائدة، والجرتق هو مصوغات أثرية أسرية يتزين بها العريس وبعضها زوائد لا خطر منها على الطقس.
وعليه فمن رأينا أن تقوم الانتخابات في دارفور بصورة مفصلة على وقائعها الديمغرافية والاحتقانية والأمنية الراهنة بعزيمة منا أن الحل في دارفور هو التحول الديمقراطي أيضاً.

ويبقى السؤال عن الكيفية التي نجري بها الانتخابات في دارفور مستصحبين المحاذير والاعتبارات. فقد أشار تقرير معهد السلام الأميركي إلى ضرورة تطويع القانون الانتخابي العام مراعاة لفروق دارفور، ومن هذا التطويع شمول التصويت النازحين حيث كانوا.

كما قد تمتد هذه المرونة إلى فرز حصة مناصب ومقاعد ولائية وقومية زائدة للحركات التي ما تزال تفاوض الحكومة. ولن يستنكر هذا إلا من لم يعرف السودانيين، فلهم موهبة عظمى في التسكين والترقيع. فيقولون في لا محدودية السعة: "المحل بشيل إذا تطايبت النفوس". أما في الترقيع فحدث. فقد كان مسموحاً لطلاب الشهادة الثانوية الجلوس لامتحان الدور الثاني في مواد فشلهم لاستكمال شروط دخولهم الجامعات. ويسمون ذلك "الترقيع"، كما كان لبس أنصار مهدي السودان في القرن التاسع عشر هو الجبة المرقعة.

وصفوة القول فالسودانيون، متى تطايبت النفوس، مؤهلون للتعاطي المرن مع انتخابات وصفتها جريدة الإندبندنت البريطانية بالارتباك (messy) والجمال. فمنذ وقت قريب زاد شريكا اتفاق نيفاشا عدد مقاعد الجنوب في البرلمان القومي بغير نظر للتعداد، كما أجلا الانتخابات في ولاية جنوب دارفور بالاتفاق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك