صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


بعد اكتشاف القارة الأميركية تدفق سيل من المغامرين وقطاع الطرق والمنبوذين اجتماعيا في أوروبا آنذاك، فلم يستجب لهذه المغامرات الجديدة في بداية الأمر خيار القوم بل أشرارهم.

ولم يكن رفاق الجنرال كورتيس قائد الحملة الإسبانية، من الأغنياء والعلماء والمثقفين والنخبة في مجتمعات أوروبا، فكان يلزم مرور أكثر من قرن على الاكتشاف والغزو والاستقرار حتى تفكر بعض من هذه الشرائح في الهجرة بقصد الاستقرار في الوطن الجديد ولعل ذلك كان يرجع إلى سببين:

أولهما أن أوروبا كانت في حالة نهضة مادية وثورة فكرية انشغلت بها معظم فئات المجتمع ولا سيما النخب، التي دخلت في صراع مع بقايا إرث العصور الوسطى من بنيات اجتماعية وسياسية وثقافية، فعوامل الشد إلى المكان كانت أقوى بكثير من العوامل الطاردة إلى خارج القارة.

"
كان الذين خرجوا بنية الاستقرار في الوطن الجديد (القارة الأميركية) بمثابة الفائض السكاني ولم يكونوا في كل الأحوال يمثلون نخب أوروبا الفكرية والعلمية، ولم يشكل خروجهم نزيفا للقوى الاجتماعية الفاعلة في تلك المجتمعات
"
أما السبب الثاني فتمثل في وعى أوروبا في تلك اللحظة التاريخية بأنها في طريقها لأن تكون مركز العالم، وبالتالي فإن الخروج منها لا يكون بقصد البحث عن وطن بديل بل بقصد غزو بقاع العالم الأخرى من أجل السيطرة على ثرواتها وجلب كل ما هو ثمين وطريف وعجيب إلى الوطن الأم، الذي كان مشروعه الاقتصادي والسياسي والثقافي يسير بخطوات ثابتة إلى الأمام.

كان الذين خرجوا بنية الاستقرار في الوطن الجديد بمثابة الفائض السكاني ولم يكونوا في كل الأحوال يمثلون نخب أوروبا الفكرية والعلمية، ولم يشكل خروجهم نزيفا للقوى الاجتماعية الفاعلة في تلك المجتمعات، ولهذا فإن أوروبا لم تتأثر بتلك الظاهرة على عكس ما جرى ويجري في العالم العربي من جراء ظاهرة الهجرة، فالهجرة العربية سواء أسميناها طوعية أو قسرية، تعد من أخطر العوامل التي تساهم في استمرار المأزق السياسي والاقتصادي والثقافي الذي لم تستطع المنطقة الخروج منه.

رغم أن الهجرة تعد ظاهرة عالمية تعبر عن اختلاف وجوه العلاقة غير المتكافئة بين الشمال والجنوب، والوطن العربي جزء من هذا الجنوب ومن هذه العلاقة، غير أننا لسنا بصدد بحث جذور هذه العلاقة بل تقصي بعضا من تداعيات ظاهرة الهجرة على الواقع العربي.

فإذا نظرنا إلى هذا الواقع فإننا نجده يحمل في جملته من المكونات التي تجعل منه مبدئيا مشروعا اقتصاديا وسياسيا قابلا للتحقق بالرغم من العوائق التي تواجهه، لأنه ليس هناك مشروع -سياسيا كان أو اقتصاديا، فرديا أو جماعيا- يمكن أن يتحقق بمعزل عن إرادة صاحب المصلحة فيه.

فتلك الإرادة هي التي تعمل مدفوعة بمصلحتها على تحييد ما يواجهها من عوائق، وانطلاقا من النظرة إلى هذا الواقع العربي بإمكاناته ومكوناته تبدو الهجرة ظاهرة يمكن التغلب على معظم أسبابها وذلك بعكس بيئات أخرى أفريقية وآسيوية التي لا تتيح لها إمكاناتها مواجهة هذه الظاهرة.

ومع ذلك فإن نزيف الهجرة يزداد كل يوم والبحث عن وطن بديل أصبح هو الطموح الأكبر لمواطني معظم البلدان العربية، ولعل نصف مواطني هذه الدول سيفضلون العيش خارجها وفي الغرب تحديدا إذا ما أتيحت لهم سبل العيش هناك ولن يرغبوا في الانتقال بقصد العيش والاستقرار في ما يسمى بالدول العربية الغنية وذلك لسببين:

أولهما أن هؤلاء لا يجدون في المناخ السياسي والثقافي والاجتماعي في هذه الدول ما يجعلهم يفضلونها على بلدانهم وإذا كانت الأحوال غير متشابهة فإن هذا الاختلاف لا يكون عادة جاذبا بل طاردا، ولذا فإن الانتقال لا يكون بغرض الاستقرار بل من أجل الحصول على بعض المال.

أما السبب الثاني فيتمثل في أن الأنظمة السياسية في تلك البلدان ترى في سياسة فتح الباب لهؤلاء من أجل الاستقرار والاندماج، خطرا يهدد وجودها واستمراريتها وبالتالي فهي تفضل أولئك المهاجرين الذين لا تربطهم مع السكان الأصليين عوامل التفاعل والاندماج كاللغة والثقافة والهموم المشتركة، رغم ما يمثله ذلك من خطر حقيقي ومؤكد على هوية محكوميها، ولكن القاعدة السياسية الذهبية التي تعمل بها الأنظمة السياسية العربية هي أن الخطر الأولى بالاهتمام والحذر والواجب توقيه هو الخطر الذي يهدد استمرارية الحاكم وليس ذلك الذي يهدد الوطن.

"
توافرت شروط الطرد وعدم الجذب في الدول العربية الفقيرة والغنية على حد سواء، فتساوت جميعها في خلوها من المناخ السياسي والثقافي المشجع على الاستقرار والعمل والإبداع بالنسبة للكفاءات العربية ولم تعد هناك سوى بوابة الهجرة
"
لقد توافرت شروط الطرد وشروط عدم الجذب في الدول العربية الفقيرة والغنية على حد سواء، فتساوت جميعها في خلوها من المناخ السياسي والثقافي المشجع على الاستقرار والعمل والإبداع بالنسبة للكفاءات العربية ولم تعد هناك سوى بوابة الهجرة، وهى في الواقع بوابة مفتوحة على المجهول ولكنها تبدو بالنسبة لهؤلاء مقارنة بعبثية البقاء في أوطانهم، بمثابة المغامرة الأخيرة التي رغم خطورتها تظل جديرة بالمحاولة لأنها من أجل الحياة.

لعله من بين مفارقات ظاهرة الهجرة العربية هو أن الهجرة شكلت في ظروف معينة بالنسبة لبعض البلدان حلا لبعض من مشاكلها الاقتصادية واختناقاتها الديمغرافية ولعلها ساهمت أيضا في نجاح بعض مشاريعها الوطنية، بينما يبدو مردود الهجرة العربية على الواقع العربي في شموليته سلبيا لأن نتائجها تبدو بمثابة التغذية العكسية لجملة من الإشكاليات العربية المستعصية، كالديمقراطية والتقدم العلمي والنمو الاقتصادي.

فما تعنيه الهجرة في قاموس الواقع السياسي العربي، هو خروج تلك القوى السياسية المعارضة بصرف النظر عن معتقداتها، من حلبة الصراع السياسي الداخلي مع أنظمة سياسية مستبدة، وهذا الخروج يحيلنا إلى معنيين.

الأول يعني أن هذه القوى وجدت نفسها غير قادرة على الاستمرار في المواجهة من الداخل مع أنظمة تمارس جبروتا وبطشا دون حدود من ناحية، ولأن الصراع من ناحية أخرى يدور بين الطرفين في وسط مجتمعات غالبية أفرادها فاقدة لروح الفعل الجماعي وبالتالي فإن الأقلية الحاكمة المالكة لكل أدوات العنف والمسيطرة على كل مقدرات الإقليم، هي التي تتم لها الغلبة.

أما المعنى الثاني لهذا الخروج فيفيد بأن هذه القوى كيف ما كانت توجهاتها، لم تقبل بالخضوع والتعايش مع العجز اليومي عن طريق الصمت وعدم الحركة كشرط ضروري للبقاء على قيد الحياة، ولذا فإنها ترى في بوابة الخروج -إذا ما أتيح لها ذلك- فرصة لا يجب التفريط فيها، لأنها تحقق غرضين أو أحدهما على الأقل.

1- نقل الصراع إلى مكان آخر في ظل شروط أفضل حسب تصور هذه القوى وهو تصور كثيرا ما ثبت عدم صحته.

2- تحقيق الأمن والسلامة الشخصية بعيدا عن اليد الباطشة لهذه الأنظمة.

فإن لم تتوافر الشروط لتحقيق هذين الغرضين معا، فيكفي الأمن والسلامة الشخصية بعيدا عن الخضوع والإذلال.

قد يكون تحقيق هذا الغرض الأخير حلا لمشكلة شخصية وهو في كل الأحوال حق يفترض أن يتمتع به الإنسان في وطنه، أي حقه في الأمن والسلامة الشخصية، فإن لم يتمكن من الحصول عليه فمن حقه أن يبحث عنه في مكان آخر، ولكن ما يهمنا في سياق هذا الموضوع هو النتائج المترتبة على هذا النوع من الهجرة القسرية وتأثيراتها المستمرة على المشهد السياسي العربي الداخلي المتعلق بممارسة السلطة.

لا شك إن معظم القوى التي يشملها هذا النوع من الهجرة، خرجت مضطرة أمام عسف السلطة وهو رد فعل الحاكم العربي على معارضيه وهذا أيضا يعنى منطقيا أن هذه القوى كيف ما كانت معتقداتها، هي قوى فاعلة وديناميكية ومتجرئة على النظام ومستفزة له ومجاهرة بالنقد في وسط مجتمع بائس صامت وفي مواجهة حكام متألهين.

ولا شك أيضا بأن مثل هذه المميزات هي من مقومات أي معارضة حقيقية حتى في ظل أنظمة ديمقراطية فما بالك بأنظمة سياسية متسلطة كأنظمتنا العربية، وبالتالي فإن النزيف السياسي المتمثل في خروج هذه القوى من معادلة الصراع الداخلي مع السلطة، يعد أكبر خسارة لقضية الديمقراطية العربية المزمنة لأن هذه القوى تجد نفسها على الأغلب محكومة بإحدى حالتين.

الحالة الأولى أن تتنافر مصالحها الوطنية مع مصالح دول اللجوء وبالتالي تتشرذم في المنافي وتكتفي من السفر بالسلامة والإقامة في وطن بديل وتلك نهاية فاشلة وحزينة تحصد ثمارها الأنظمة وتوظفها في مواجهة الداخل كدليل حي على عبثية أي محاولة لمعارضتها, وهذا يؤدي إلى إحباط المعارضة الداخلية من ناحية ويقوي من موقف السلطة وشراستها في مواجهة الداخل.

الحالة الثانية أن تهب رياح الخلاف بين هذا النظام العربي أو ذاك وبين دولة اللجوء هذه أو تلك وفي مثل ذلك الوضع تتداخل المطالب الوطنية لهذه المعارضة مع مصالح قوى أجنبية وتلقي عليها بظلالها، مما يعطي فرصة للأنظمة المستبدة لتوظيف ذلك التداخل ضد مطلب الديمقراطية بربطه مع مفاهيم الخيانة والتآمر والاستقواء بالأجنبي.

كيف ما كانت نهاية هذا النزوح عن الأوطان فإنه يعنى أن النزيف ما يزال على حاله وأن الجسد السياسي العربي ما يزال مسكونا بداء الدكتاتورية المزمنة.

لا تتوقف تداعيات الهجرة والبحث عن وطن بديل على الأوضاع السياسية العربية، بل تطال أيضا مجال الإبداع والتقدم العلمي، فمعظم رموز النخبة العلمية العربية من المبرزين والمتفوقين هم خارج الوطن العربي، سواء هاجروا بقصد الإقامة هناك أو أكملوا دراساتهم وأتيحت لهم فرص العمل في الغرب، فغالبية أفراد هذه الفئة من الكفاءات يفضلون هذه العروض على العودة إلى الوطن لأنه لا توجد الإمكانيات والبيئة العلمية التي تشبع فضولهم المعرفي ولا المناخات والحوافز في بلدانهم.

فالدول العربية فرادى مهما بلغ حجم أي منها أو غناها لا تستطيع أن توفر تلك الإمكانيات والحوافز المتاحة لهؤلاء في بلدان المهجر ولهذا فإنه تسود لديهم قناعة بأنه لا تنتظرهم في الإقطاعيات العربية المسماة دولا سوى الإحباط والفشل وضياع الطموحات العلمية، رغم أن معظم أفراد هذه النخبة ليست لديهم في الغالب رؤية سياسية محددة قد تتصادم مع طبيعة الأنظمة السياسية العربية.

تدل تجارب التاريخ على أن الأنظمة الدكتاتورية قد تكون حاضنة للعلم الطبيعي بصرف النظر عن توظيف نتائجه ولكن تلك الدكتاتورية كانت تحكم أمما غنية عملاقة وليس مجرد مسوخ دول تم تثبيتها حسب متطلبات الإستراتيجية الغربية لتكون عائقا أمام أي احتمال لنشوء كيان أكبر يحمل إمكانيات النهضة والتقدم.

"
تدل تجارب التاريخ على أن الأنظمة الدكتاتورية قد تكون حاضنة للعلم الطبيعي بصرف النظر عن توظيف نتائجه ولكن تلك الدكتاتورية كانت تحكم أمما غنية عملاقة وليس مجرد مسوخ دول
"

إن أقصى مردود لمثل هذا النوع من الهجرة هو أن يفتخر القطر الذي ينتمي إليه أحد هذه الأسماء اللامعة بأنه من أبنائه، غير أن هذا الفخر لا قيمة عملية له طالما أن هذا الاسم هو جزء من مشروع ومنظومة علمية في خدمة بلد آخر، وكل ما يمكن أن يحصل نتيجة لذلك هو أنه قد يتفاخر به بعض أبناء قطر عربي متخلف في وجه بعض أبناء قطر متخلف آخر كقولهم إن العالم الفلاني في الولايات المتحدة هو ابن بلدنا فماذا أنجبتم أنتم؟ أو البروفيسور الطبيب أو عالم الاجتماع المشهور في أوروبا هو من أبناء بلدنا فماذا لديكم أنتم؟ وهذا الفخر على الصعيد الوطني ليست له قيمة عملية كما أنه مردود لا يمكن أن يكون إيجابيا لا على مستوى مشاعر الانتماء ولا في منظور المصير الواحد والطموحات المشتركة.

ليس هناك من شك في أن هجرة الأدمغة تعد ظاهرة عالمية تشكو منها كثير من بلدان العالم بمختلف مستوياتها، ولكن تداعيات هذه الظاهرة على الهند أو كندا وفرنسا ليست هي نفس التداعيات على كيانات قزمية هشة، مأزومة سياسيا واقتصاديا رغم أنها في مجموعها تحتوي على الشروط الضرورية لبيئة علمية واقتصادية تستطيع أن تحتضن مشروعا للتقدم قد يعطي الوطن مفهوما آخر غير هذا الذي يدعو إلى الفشل والإحباط والهروب، هذا الوطن الذي يبدو مشهده وأبناؤه يتقافزون إلى البحر، كأنه سفينة توشك على الغرق أو معبد يتدافع مريدوه في كل اتجاه خوفا من أن تسقط على رؤوسهم أسقفه وجدرانه المتهاوية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك