إبراهيم عجوة

إبراهيم عجوة

إبراهيم عجوة


البيئة الإستراتيجية الراهنة
المرحلة الراهنة.. خصائص إستراتيجية
الحلول المطروحة حبلى بالأزمات
مخاطر الاختراق.. سيناريوهات قاتلة
فاتورة التسوية والمخرج

يتعرض الحقل السياسي في أي دولة للانكشاف نتاج عدة عوامل:
- أخطرها ضعف الدولة الناتج عن انسداد الخيارات السياسية ذاتياً أو موضوعياً لمواجهة التحديات والتهديدات.

- ضعف وهشاشة القوى السياسية المشكلة للطيف السياسي والقادرة على اجتراح الحلول الناجعة والمرنة التي من شأنها إعادة تشكيل معادلة القوى في الدولة وفتح الآفاق أمام خيارات سياسية قابلة للعمل ومواجهة التهديدات والتحديات.

- وجود قوى خارجية يمكنها فرض الشروط والإملاءات لرسم معادلة القوى داخل الدولة سواء عبر التهديد أو عبر العدوان بأشكاله المختلفة.

- نجاح القوى الخارجية في استثمار عوامل الضعف المختلفة في الدولة، أو صناعة هذه العوامل من أجل توظيفها وتحويلها إلى خطوط مجابهة داخلية تكون معبراً للتدخل أو للدخول من خلالها.

البيئة الإستراتيجية الراهنة

"
مقولة الفوضى الخلاقة التي طرحها بوش ما هي إلا المقدمة الجراحية من أجل بناء نظام أمن إقليمي على مقاس واشنطن, وقد أدت هذه الإستراتيجية إلى تشرخات في المنطقة وفوضى وحروب طاحنة في أكثر من مكان
"
حقيقة إستراتيجية لا يمكن تجاهلها وهي أن العالم لا يمكن أن يترك منطقة الشرق الأوسط دون نظام أمن إقليمي. فمقولة الفوضى الخلاقة التي طرحها الرئيس الأميركي جورج بوش ما هي إلا المقدمة الجراحية التي كان يعتقد أنها مطلوبة من أجل بناء نظام أمن إقليمي على مقاس واشنطن. وقد أدت هذه الإستراتيجية إلى تشرخات في المنطقة وفوضى وحروب طاحنة عالية الحدة ومنخفضة وحروب أهلية في أكثر من مكان.

وفي ظل انعدام فرصة الحروب العسكرية الكبرى ومخاطرها فإن المخططين الإستراتيجيين قد لجؤوا لإنتاج ما يمكن تسميته "الحروب القذرة" بمكونيها الحرب الديمغرافية والحرب الأيديولوجية، والتي تتلخص في تعميق خطوط الانقسامات الكونية كالخطوط الحضارية والثقافية وكذلك الاجتماعية كالمكونات الإثنية والدينية والمذهبية وكافة أشكال الهويات الأولية، وتحويلها إلى شروخ ينبني عليها صيغ سياسية وتتحول إلى أدوات حرب بالوكالة وتبقي الدول التي تحتوي هذه الصيغ في حالة انكشاف سياسي مزمن يوظف في سياق المصالح الدولية الكبرى. ورأينا مثلها في البلقان والعراق وأفغانستان واليمن والصومال وما زال الباب مفتوحاً على الكثير.

المرحلة الراهنة.. خصائص إستراتيجية
1- لا مجال للحروب الكبرى في المنطقة وليس هناك من طرف قادر على دفع استحقاقاتها، وما يظهر من تهديدات بها بين الفينة والأخرى ما هي إلا نوع من تكتيكات حافة الهاوية التي تتيح للطرف الذي يمارسها تحصيل مكاسب تحت ضغط التهديد والتخويف.

2- الحروب والصراعات منخفضة الشدة قد تكون الوسيلة الأمثل التي سيتم استخدامها في تعظيم مكتسبات الأطراف في نظام الأمن الإقليمي المزمع بناؤه، والإدارة الإستراتيجية لهذا النمط من الصراعات وعدم الخوف منها هو ما يمكن أي طرف من تعظيم مكاسبه.

3- تنزع الأطراف المتصارعة والساعية لتحسين شروط اندماجها في نظام الأمن الإقليمي وتحقيق مكتسبات إضافية فيه، إلى توظيف منتجات التسويات والشروخ الناجمة عنها في صراعاتها، أو تعميق خطوط داخلية في البنى المستهدفة من أجل ترسيمها كخطوط مواجهة.

4- العالم لم يعد لديه الاستعداد لرهن أي نظام أمن إقليمي بمنتج مأزوم تاريخياً يتمثل في أوهام الحركة الصهيونية، وهذا ما يدفع العالم إلى سياسة ترويض تستهدف تحويل "إسرائيل" إلى دولة طبيعية والخروج من أوهام الحركة الصهيونية. وهذا ما تم الاستجابة له عربياً في مشروع المبادرة العربية، وما عبر عنه الموقف التركي والإيراني رغم التفاوت في الحدة والتفاوت في الأيديولوجيا التي تقف خلف المواقف.

5- هناك اتجاه عالمي وإقليمي لدمج "إسرائيل" في المنطقة كدولة طبيعية، أو ما يسمى دمجاً غير مهيمن لا كما كان يراد لها في العقود السابقة وما كان يتمناه قادة الحركة الصهيونية تاريخياً من إستراتيجية الدمج المهيمن أو التستر بدولة والتصرف كحركة.

6- الدمج غير المهيمن للكيان الصهيوني يعني في جوهره نهاية طموحات الحركة الصهيونية الذي من شأنه أن يخلق حالة من سوء التكيف "الإسرائيلي"، وعدم القدرة على دفع فاتورة التكيف بما قد يدفع الكيان لتركيز هجمات متعددة منخفضة الشدة كمعادل بديل لغياب إمكانية الحروب الكبرى لتوسيع مجاله الحيوي على حساب فلسطين والأردن.

الحلول المطروحة حبلى بالأزمات

"
سيناريوهات الحل كلها تستثني موضوع عودة اللاجئين الفلسطينيين في الخارج حيث تتموضع كتلتها الرئيسية والكبرى في الأردن الذي سيتحمل كامل ثقل هذه الأزمة من خلال التوطين القسري والإزاحة السكانية الناعمة من كانتونات الضفة الغربية الطاردة
"
الملاحظ أن الاتجاه العالمي المعبر عنه بالنزوع لحل مشكلة الصراع العربي "الإسرائيلي" وفق المعطيات أعلاه سيترك أزمات حادة على مستوى المشروعين الفلسطيني والصهيوني، حيث أن تحول "إسرائيل" إلى دولة طبيعية وفق سيناريوهات الحل المطروحة من شأنه أن يؤدي إستراتيجياً إلى اختناق الكيان الصهيوني، مما سيدفع صانع القرار إلى البحث عن مجال حيوي لتصدير فوائض أزماته، والموقعان المرشحان لذلك هما الضفة الغربية وغزة والأردن. وكون الضفة الغربية وغزة هما ميدان الأزمة فيصبح الأردن هو المجال الحيوي المرشح بالنسبة "لإسرائيل".

فلبنان تموضع في المحور السوري وتحت مظلة تركية إيرانية ووجود قوة الردع الديناميكي المعبر عنها بحزب الله قد أخرج لبنان من معادلة المجال الحيوي "الإسرائيلي" المحتمل. وهذا ما يبقي الأردن في مرمى الاستهداف "الإسرائيلي". وكأن معادلة تموضع الأردن لم تحسم بعد.

أما الأزمة التي ستنتج على المستوى الفلسطيني فتكمن في غياب كيان سياسي يلبي الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني وتعرض هذا الكيان باستمرار إلى عمليات تقويض متواصلة من قبل "إسرائيل" لحل أزمتها الناتجة عن هذا النمط من الحل الذي قد لا يناسب طموحات الحركة الصهيونية التي ما تزال مهيمنة على بنية الدولة "الإسرائيلية".

هذا ناهيك عن أن سيناريوهات الحل كلها تستثني موضوع عودة اللاجئين الفلسطينيين في الخارج حيث تتموضع كتلتها الرئيسية والكبرى في الأردن الذي سيتحمل كامل ثقل هذه الأزمة من خلال التوطين القسري والإزاحة السكانية الناعمة من كانتونات الضفة الغربية الطاردة.

من المشكوك فيه أن العالم لا يرى هذه المشكلة، لكن يبدو أن العالم يراهن على تقديم إغراءات مواطنة للفلسطينيين في الأردن لا تقتصر على الحقوق المدنية فقط، بل إلى الحد الذي من شأنه أن يشكل للفلسطيني إغراءاً كافياً لمعالجة جرحه النرجسي الناتج عن عملية النفي عن الوطن والذي يعني في جوهره الوطن البديل، وقد يعني تحويل خط المواجهة إلى خط مواجهة أردني فلسطيني مما قد يصنع جرحا نرجسيا جديدا يدفن الجرح القديم.

إن ما يجعل خط الانقسام الفلسطيني الأردني باهتاً حد الاختفاء حتى اليوم يكمن في الأمل المفتوح للعودة الذي ما زال كامناً في وجدان المواطنين الأردنيين من أصل فلسطيني وكذلك باقي الشعب الأردني، ولكن في حال فقدان هذا الأمل فإن خط الانقسام سيتم تظهيره بقوة ليتحول إلى شرخ عميق ينفذ منه "الإسرائيلي" ليعيد إنتاج محور مجابهة أردني فلسطيني بدل أن يكون أردنيا فلسطينيا في مواجهة "إسرائيل" كصانع للأزمة ومستفيد منها ومدفوع لتعميقها تحت وطأة أزماته البنيوية.

مخاطر الاختراق.. سيناريوهات قاتلة

"
أخطر الخطوط الاجتماعية الطبيعية التي يمكن لقوى خارجية أو داخلية ذات أجندات خارجية العبث بها هو خط المكون الديمغرافي الأردني الفلسطيني, حيث يراد للأردن تحمل عبء التسوية السياسية المطلوب إنتاجها دولياً 
"
أخطر الخطوط الاجتماعية الطبيعية التي يمكن لقوى خارجية أو داخلية ذات أجندات خارجية العبث بها هو خط المكون الديمغرافي الأردني الفلسطيني. حيث يراد للأردن تحمل عبء التسوية السياسية المطلوب إنتاجها دولياً من خلال استيعابه لما يقرب من ثلاثة ملايين فلسطيني ووضعه أمام أحد سيناريوهين في ظل غياب سيناريو التبخر الديمغرافي للتعاطي مع معادلة الدمج هذه:

1- إما أن يتحول الفلسطيني إلى أردني بدلالة سلخه عن هويته الوطنية وحقه في العودة إلى وطنه. وهذا من شأنه -في حال إجبار الفلسطيني عليه- تحويله إلى قنبلة موقوته قابلة للانفجار في حال توفرت له موارد سياسية كافية لاستعادة حقوقه وتخليصه من عار المنفى وعار التخلي عن الحقوق باعتباره صاحب الدم. أو أن يخوض صراعاً مكشوفاً حول هذا الحق في الأردن محمولاً على كم هائل من طاقة العقدة تتمثل في عار الهزيمة والتخلي عن الدم والحق وعار المنفى بما يجعل هذا الصراع ذا طبيعة دموية بما هو صراع يحمل في داخله مركبا نفسيا اجتماعيا كعار منفى وبما هو صراع تعويضي عن الهزيمة الإجبارية في الحق الأساسي.

2- أن يتم فتح الباب أمام الفلسطيني للتعبير عن هويته الوطنية من خلال ما سمي بـ"العودة السياسية" ويصبح المكون الفلسطيني في الأردن عبارة عن جالية فلسطينية فيه، بحقوق مدنية خاصة ويرتبط هذا المكون سياسياً بالسلطة الفلسطينية انتخاباً وترشيحاً بدلالة أوسلو مما يعني تحول هذه الجالية إلى استطالة للمشاريع الصهيونية بما يسمح "لإسرائيل" بفتح خطوط المواجهة التي تريد، وتحرفها إلى الاتجاه الذي تحول من خلاله الأردن إلى مجرد مستودع سكان قابل للحرب الديمغرافية بعد تعميق خطوط القسمة المحددة وفق هذا السيناريو.

فاتورة التسوية والمخرج
لا نعتقد أن الأردن مجبراً على دفع فاتورة باهظة قد تؤدي به إلى جحيم الحروب القذرة أو أحد مكوناتها المتمثل في الحرب الديمغرافية. هذه الفاتورة تصبح استحقاقاً لازماً إذا ما وضع الأردن في السياق السياسي الصهيوني القائم على معادلة أوسلو ووادي عربة وخارج سياقه التاريخي القائم على مواجهة المخاطر الصهيونية على الأردن ودعم نضال الشعب الفلسطيني.

السياق التاريخي يضع الأردن أمام سيناريو واحد ومخرج حقيقي إستراتيجي وتاريخي يتلخص في إيجاد معادلة تموضع الأردنيين من أصل فلسطيني في المعادلة السياسية الأردنية يتضمن الحقائق التالية:

1- ضرورة المغادرة النهائية للمفاهيم والمصطلحات السياسية المشحونة بدلالات التكيف مع منتجات أوسلو ووادي عربة من مثل الحقوق المدنية والتوطين وسحب الجنسية ليس على قاعدة المشترك الإسلامي والقومي والاجتماعي والحقوقي فقط ولكن على قاعدة مشترك مواجهة التهديدات السياسية والإستراتيجية المتمثلة في الطموحات والاستراتيجيات والمخططات الصهيونية وإخضاع كل حسابات المشتركات الأولى للمشترك الأخير.

2- بناء هيكل سياسي يشكل مرجعية سياسية للأردنيين من أصل فلسطيني لإبقاء سؤال حق العودة مفتوحاً والنضال من أجل تحقيقه، وتتكامل مع المرجعية السياسية الفلسطينية الموحدة في حال بنائها على أسس خارج استحقاقات أوسلو، بما لا يتعارض مع المصالح العليا للشعب والوطن الأردني المتحدد تاريخياً في هويته النضالية لمواجهة العدوانية الصهيونية ودعم النضال الفلسطيني ويحول الأردنيين من أصل فلسطيني إلى خط اشتباك أردني في علاقته بأطماع المشروع الصهيوني واستحقاقاته وشريك الإصلاح السياسي للدولة الأردنية وخط اشتباك فلسطيني مع المشروع الصهيوني من أجل حق العودة.

"
المطلوب عدم السماح بطمس حق العودة الفلسطيني بأي حال من الأحوال، بل وتعزيز هذا الحق من خلال تحويله إلى هيكل سياسي يندرج فيه الأردني من أصل فلسطيني دون أن يغلقه على الأردني باعتبار الجميع متضررا من غياب حق العودة
"
3- عدم السماح بطمس حق العودة الفلسطيني بأي حال من الأحوال، بل المطلوب تعزيز هذا الحق من خلال تحويله إلى هيكل سياسي يندرج فيه الأردني من أصل فلسطيني دون أن يغلقه على الأردني باعتبار الجميع متضررا من غياب حق العودة.

4- في حال قيام "إسرائيل" بالضغط على الأردن من أجل تنفيذ التوطين على المقاس "الإسرائيلي" فإن من شأن هذا الهيكل السياسي أن يشكل أداة مواجهة نقيضة سياسية وشعبية، ويمكن له تطوير أدواته لتشكل قوة ردع ديناميكي للكيان الصهيوني في الصراعات منخفضة الحدة التي يمكن أن تنتج على هذه الأرضية.

5- يمكن لهذا الهيكل السياسي منطلقاً من وحدة الشعب الفلسطيني أن يتداخل مع الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وأن يدعم نضالهم من أجل تحقيق أهدافهم في عودة المهجرين وحق لم الشمل ومن أجل حقوقهم المدنية وكذلك حقهم في الاستقلال الثقافي ويمكن النظر إليهم أيضاً كمحور اشتباك مع الكيان الصهيوني في مواجهة محاولاته لفتح شروخات في البنية الداخلية الأردنية.

6- أهمية دعم النضال الفلسطيني داخل الضفة الغربية وقطاع غزة من أجل دحر الاحتلال إلى حدود الرابع من حزيران وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

المصدر : الجزيرة

التعليقات