صالح النعامي

صالح النعامي

صحفي وباحث فلسطيني


قواعد عمل جديدة
توسيع صلاحيات الموساد
صدمة 2006 وما بعدها
قصر نظر إستراتيجي

شكل قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون عام 2002 بتعيين مئير دجان خلفاً لإفرايم هليفي في رئاسة جهاز الموساد، مفاجأة لمعظم الأوساط الأمنية والسياسية في إسرائيل، حيث إن دجان كان وقتها قد تفرغ للعمل السياسي وتبوأ موقعا متقدما في حزب الليكود في ذلك الوقت، ولم يحدث أن تم استدعاء متفرغين للعمل السياسي لتبوؤ مواقع هامة في قيادة الأجهزة الأمنية وتحديداً رئاسة جهاز بأهمية وحساسية الموساد.

لكن مع ذلك، فقد قرر شارون تعيين دجان في هذا الموقع لتحقيق عدة أهداف، على رأسها: إعادة تفعيل دور الموساد في إطار الجهد الأمني والاستخباري الإسرائيلي في نطاقه الإستراتيجي، حيث شهدت ولايتا كل من هليفي وسلفه داني ياتوم تراجعاً واضحاً في أنشطة الموساد الميدانية، وهو ما أطلق عليه مدير مكتب شارون دوف فايسغلاس "العمل من داخل الغرف المكيفة " في إشارة إلى أنه لم يتم تفعيل عملاء الموساد في إطار عمليات خارج إسرائيل، حيث تقلصت إلى حد كبير عمليات التصفية التي قام بها الموساد.

فخلال عهدي ياتوم وهليفي لم يقم الموساد إلا بمحاولة فاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، فضلاً عن نجاح الأجهزة الأمنية في عدد من الدول الأوروبية في ضبط عدد من عملاء الموساد متلبسين بجرم التنصت على عدد من سفارات الدول العربية والإسلامية، إلى جانب نجاح هذه الأجهزة في إحباط محاولات الموساد تزييف جوازات سفر، وهو ما أحرج الحكومات الإسرائيلية في حينه ودفعها لتقديم اعتذارات رسمية.

"
قرر شارون تعيين دجان رئيسا للموساد بهدف إعادة تفعيل دور تلك المؤسسة في إطار الجهد الأمني والاستخباري الإسرائيلي في نطاقه الإستراتيجي خاصة بعد أن تراجعت أنشطتها الميدانية ومنيت بالعديد من الهزائم
"
وبسبب تراجع دور الموساد برزت العديد من التساؤلات داخل إسرائيل في حينه عن مسوغات بقاء الموساد ضمن أسرة الأجهزة الاستخبارية، سيما بعد أن توقف الموساد عن لعب دوره التقليدي في الإشراف على عمليات تهجير اليهود إلى إسرائيل من البلدان التي لم تكن تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، بعد أن فتحت معظم هذه البلدان أبوابها أمام الهجرة اليهودية، وإثر تطوع الولايات المتحدة الأميركية لتوظيف علاقاتها مع دول العالم لتسهيل عمليات الهجرة.

ولا يمكن هنا إغفال الاعتبارات الشخصية في اختيار دجان لرئاسة الموساد، فعندما كان أرييل شارون يشغل منصب قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي مطلع السبعينات من القرن الماضي أوكل إلى دجان الذي كان يشغل وقتها رتبة رائد في لواء المظليين بمهمة القضاء على حركة الفدائيين في قطاع غزة، فشكل وحدة ريمونيم التي نجحت في غضون ثلاثة أعوام في القضاء على هذه الحركة قضاءً شبه مبرم، عبر ارتكاب فظائع يندى لها جبين الإنسانية، حيث كان دجان يحرص على فصل رؤوس الفدائيين عن أجسادهم وبعد ذلك يقوم بالزج بجثثهم في حاويات النفاية، كما شهد عدد من الضباط والجنود الذين خدموا تحت إمرة دجان في فيلم وثائقي بثه التلفزيون الإسرائيلي.

ويذكر الصحفي الإسرائيلي بن كاسبيت أن شارون عندما كان يطري دجان يقول عنه "إنه يجيد فصل رأس العربي عن جسده" أو "الرجل الذي ولد وسكين ياباني بين فكيه" في إشارة إلى إعجاب شارون بالدموية التي ميزت سلوك دجان تجاه العرب.

قواعد عمل جديدة
منذ دخوله مبنى قيادة الموساد شمال تل أبيب، شرع دجان فيما وصف في حينه بعملية "تطهير" لأقسام الموساد من المسؤولين "غير الإبداعيين" فتمت الإطاحة بحجاي هداس الرجل الثاني بالجهاز، في حين فضل بعض قادة الجهاز الانسحاب بعد اعتراضهم على القواعد الجديدة التي أدخلها دجان على عمل الموساد، والتي تمثلت في:

أولاً: اعتماد طريقة التجنيد السريع للعملاء العرب والتوقف عن استخدام طرق التجنيد التي تستغرق وقتاً طويلاً قبل الاستفادة من العميل كمصدر للمعلومة الاستخبارية، أي اعتماد نفس أساليب التجنيد المتبعة من قبل جهاز المخابرات الداخلية "الشاباك" المتخصص في مواجهة المقاومة الفلسطينية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد أدخل دجان هذا التغيير بناءً على توصيات مستشاره في ذلك الوقت يوفال ديسكين، الذي يشغل حالياً منصب رئيس الشاباك.

ثانياً: توسيع مجال الأنشطة الاستخبارية لتشمل دولاً عربية لم تكن ضمن أهداف عمل الموساد، وخير دليل على ذلك أن الأجهزة الأمنية في كل من الجزائر واليمن ألقت القبض على أشخاص بتهمة الإرتباط بالموساد، علاوة على تكثيف عمليات التجسس ضد دول ترتبط بعلاقات بإسرائيل، سيما مصر.

ثالثاً: استئناف عمليات التصفية ضد نشطاء المقاومة الفلسطينية واللبنانية، فكانت أول عملية اغتيال نفذت من قبل الموساد في عهده تصفية عز الدين الشيخ خليل المسؤول المالي بحركة حماس في دمشق، إلى جانب اغتيال عدد كبير من نشطاء حركة الجهاد الإسلامي وحزب الله في لبنان.

رابعاً: نظراً للتركيز على جمع المعلومات الاستخبارية وعمليات التصفية فقد تعززت مكانة كل من شعبة العمليات في الموساد المعروفة بـ"كيساريا" وتحديداً وحدة التصفيات فيها المعروفة بـ"كيدون" وشعبة جمع المعلومات الاستخبارية المعروفة بـ"تسوميت" وذلك على حساب الشعب الأخرى، وتحديداً شعبة التنسيق مع الأجهزة الاستخبارية الأجنبية المعروفة بـ"حبيل" بسبب الطابع شبه الدبلوماسي لعملها.

توسيع صلاحيات الموساد

"
ارتفعت أسهم الموساد ورئيسه الجديد، وأصبح ينظر إلى دجان كقصة نجاح كبيرة، وهو ما زاد من ثقل وزن ذلك الجهاز في دائرة صنع القرار بعد أن كان دوره هامشياً، مما حدا بأولمرت توسيع صلاحيات الموساد
"
عقب ما وصف في إسرائيل بـ"نجاحات" الموساد في تنفيذ العديد من العمليات النوعية، ارتفعت أسهم الموساد ورئيسه الجديد، وأصبح ينظر إلى دجان كقصة نجاح كبيرة، وهو ما زاد من ثقل وزن الموساد في دائرة صنع القرار بعد أن كان دوره هامشياً، مما حدا برئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت توسيع صلاحيات الموساد.

فقد كلف مجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن الموساد بالمسؤولية الحصرية عن مواجهة التهديد النووي الإيراني، وتم إلزام جميع الأجهزة الاستخبارية الأخرى والجيش وبقية مؤسسات الدولة بالخضوع لتعليمات دجان في هذا الشأن.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وظهور مؤشرات على توجه تنظيم "القاعدة" للمس بالأهداف الإسرائيلية، كلفت الحكومة الإسرائيلية الموساد بالمسؤولية عن مواجهة حركات الجهاد العالمي.

وتؤكد التقديرات الإسرائيلية أن هذه التطورات ترافقت مع تضخم ميزانية الموساد التي تعتبر أحد أسرار الدولة. ولأول مرة في تاريخه، أمر دجان بنشر إعلانات في الصحف تدعو الشباب الإسرائيلي للانضمام إلى صفوف الموساد، سيما أولئك الذين يجيدون اللغة الفارسية في مؤشر على سلم أولويات الجهاز في المرحلة القادمة.

صدمة 2006 وما بعدها
وعلى الرغم من "إنجازات" دجان سرعان ما حاق به وجهازه من النقد في أعقاب حرب لبنان الثانية، حيث اتهم الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" بالتقصير، حيث فشل الجهازان في التنبؤ باختطاف الجنديين الإسرائيليين وهو ما أدى إلى الحرب، علاوة على الفشل في تحديد مكان مخازن الصواريخ التابعة للحزب، مما جعل من المتعذر على سلاح الجو الإسرائيلي ضربها، مما مكن الحزب من مواصلة إطلاق الصواريخ حتى آخر أيام الحرب.

ومع أن الموساد خرج أقل تضرراً من توصيات لجنة "فينوغراد" التي حققت في أسباب فشل الجيش الإسرائيلي في كسب الحرب، إلا أن رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت ألقى على دجان مهمة ترميم قوة الردع الإسرائيلية التي تضررت في أعقاب الحرب من خلال القيام بعمليات ذات صدى واسع وكبير.

"
تصفية كل من مغنية والمبحوح تندرج في إطار محاولات إسرائيل لاستعادة الردع الذي تضرر كثيراً في حرب 2006, وإثر هذه العمليات تحول دجان للقائد الأمني صاحب الكلمة الطولى لدى المستوى السياسي
"
وبالفعل فقد وفر الموساد المعلومات التي استند إليها الجيش الإسرائيلي في قصف المنشأة البحثية شمال شرق سوريا في ديسمبر/ كانون الأول عام 2006، وقام عملاء الموساد بتصفية العميد محمد سلمان الذي تتهمه إسرائيل بالمسؤولية عن البرنامج النووي السوري، ووفر الموساد المعلومات التي اعتمد عليها سلاحا الجو والبحرية في إحباط عمليات تهريب السلاح لحركة حماس وحزب الله سواءً بقصف القافلة في السودان أو اعتراض سفن في عرض البحر الأبيض المتوسط.

وتنسب مصادر إسرائيلية وغربية للموساد نجاحه في تضليل الإيرانيين حيث عملت شركات وهمية تعمل بالتنسيق معه على تزويد المنشآت النووية الإيرانية بتجهيزات معطوبة، وقد ألقى الإيرانيون القبض على مدير إحدى الشركات الإيرانية التي تعاونت مع الموساد في هذا الشأن وتمت محاكمته ونفذ فيه حكم الإعدام.

ومما لا شك فيه أن تصفية كل من عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله ومحمود المبحوح تندرج في إطار محاولات إسرائيل لاستعادة الردع الذي تضرر كثيراً في حرب 2006. وإثر هذه العمليات تحول دجان إلى للقائد الأمني صاحب الكلمة الطولى لدى المستوى السياسي، علاوة على تعاظم شعبيته لدى الرأي العام، حيث اختير السنة الماضية رجل العام.

قصر نظر إستراتيجي
الذين يعرفون دجان عن قرب، من أمثال المعلق عوفر شيلح ورامي إيدليس وغيرهما يجمعون على أنه على الرغم من القدرات التنفيذية التي تميز دجان، فإنه من ناحية إستراتيجية لا يرى أبعد من أنفه.

وينتقد دجان لاستلابه لسياسة التصفيات التي جعلها محور نشاط الموساد خلال السنوات الأخيرة. فهناك الكثيرون في إسرائيل ممن يرون أنه على الرغم من النجاح في تصفية المبحوح، فإن عملية التصفية ذاتها تدلل على المآزق الإستراتيجية التي تنتج عن مثل هذه العمليات.

فعندما قام الموساد بتصفية عز الدين شيخ خليل في دمشق الذي كان المبحوح مساعداً له، اعتبرت العملية في تل أبيب حينها نجاحاً باهراً وضربة موجعة لقدرات حركة حماس، لكن الموساد اضطر بعد أكثر من خمس سنوات لاستثمار طاقات هائلة في تصفية خليفته المبحوح، والذي يوصف في إسرائيل بأنه أخطر بكثير من سلفه.

ولا شك بالنسبة للكثير من المعلقين في إسرائيل أن شخصية أكثر أهلية وأشد تصميماً ستحل محل المبحوح، وستكون قدرة الموساد على المس بها محدودة جداً، وبالتالي تسهم عمليات التصفية في تعاظم الدافعية لدى حركات المقاومة للدفع بشخصيات أكثر كفاءة لملء الفراغ الذي يخلفه القادة الذين يتعرضون للاغتيال.

"
إسرائيل ستندم على اغتيال المبحوح كما ندمت على اغتيال الأمين العام لحزب الله السابق حسين موسوى، وهي العملية التي دفعت إلى دائرة الأحداث زعيم الحزب الحالي السيد حسن نصر الله، الذي لا خلاف في إسرائيل على أنه أحد أخطر القيادات العربية 
"
ولا شك أن إسرائيل ستندم على اغتيال المبحوح كما ندمت على اغتيال الأمين العام لحزب الله السابق حسين موسوى، وهي العملية التي دفعت إلى دائرة الأحداث زعيم الحزب الحالي السيد حسن نصر الله، الذي لا خلاف في إسرائيل على أنه أحد أخطر القيادات العربية على أمن الكيان الصهيوني.

وفشل دجان كمسؤول عن الملف الإيراني في توقع تداعيات الاضطرابات التي شهدتها طهران في أعقاب ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية، حيث أبلغ دجان لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أن الاضطرابات التي شهدتها طهران ستهدأ في غضون أيام، وهو ما ثبت بأنه غير صحيح، مع العلم أن تقييمات الموساد يفترض أن يعتمد على أساسها خطط سرية ذات أبعاد إستراتيجية، فإن كانت هذه الخطط تقوم على أساس تقييمات خاطئة، فإنها ستؤدي إلى نتائج عكسية.

ومما لا شك فيه أن التغييرات التي أدخلها دجان في مجال طرائق تجنيد العملاء العرب وتفعيلهم قد آتت نتائج عكسية، كما يعكس ذلك تهاوي شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان بشكل واضح. ولا خلاف على أن أحد مكامن الخلل في أداء دجان حقيقة تأثر قراراته بأيديولوجيته اليمينية المتطرفة، وعنصريته المقيتة وكرهه للعرب.

قصارى القول، على الرغم مما تقدم، فإن ضمانة النجاح الأكيدة لدجان ولغيره من القادة الإسرائيليين –مع كل أسف- تكمن في حقيقة أن هؤلاء ينطلقون لخدمة مشروع واضح المعالم، فيتم اصطفاؤهم للمناصب أو الإطاحة بهم منها استناداً لما يحققوه من إنجازات لخدمة هذا المشروع، في حين أن النظام العربي الرسمي لا يسعى للتشبث بمشروع مواز، مما يجعل دجان وغيره يعملون في حالة من الفراغ العربي، وهذا ما يفسر نجاحاتهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك