ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


انحسار العوامل التقليدية
بشأن القوة العسكرية
الصين كقوة عظمى
المثال الإسرائيلي
تأثيرات العولمة أيضا
ملاحظات ختامية

ما عاد مفهوم القوة لدى الدول، في عالمنا المعاصر، يرتبط، فقط، بمساحة دولة ما وعدد سكانها، ومواردها الاقتصادية، وقوتها العسكرية. ومن دون التقليل من أهمية الميزات المذكورة، فإن عوامل قوة الدول، في عصر الثورة العلمية التكنولوجية، باتت أعقد، وأوسع من ذلك بكثير.

انحسار العوامل التقليدية
وفي تفحّص مكانة عوامل القوة التقليدية للدول، يمكن ببساطة ملاحظة أن كثرة عدد سكان دولة ما يمكن أن يتحول إلى عبء كبير عليها نتيجة الضغط الذي قد ينجم عن ذلك، لجهة ضعف قدرتها على تقديم الخدمات الاجتماعية، لاسيما إذا كان النمو السكاني أعلى بكثير من نسبة النمو الاقتصادي؛ هذا بالنسبة للدول الفقيرة، أو الدول المتخلفة اقتصاديا واجتماعيا.

وحتى بالنسبة للدول المتقدمة فهي قد تعاني، أيضا، سلبيات وضغوط النمو السكاني الزائد، بحكم تحولها من الاقتصاد الزراعي والصناعي، الذي يتطلب كثافة في اليد العاملة، إلى الاقتصاد ما بعد الصناعي، الذي يعتمد على التكنولوجيا العالية، مما يقلل الحاجة إلى اليد العاملة، ويخلق ظواهر البطالة، مع كل التداعيات السلبية، الاجتماعية والاقتصادية، الناجمة عنها.

"
لم تعد مساحة الدول ميّزة اقتصادية أو أمنية، بحد ذاتها، خصوصا بعد أن كثفت أو قلّصت وسائل الاتصالات والمواصلات المساحات والأزمان
"
وكذا الأمر بالنسبة لمساحة دولة ما، حيث إن هذا العامل لم يعد ميّزة اقتصادية أو أمنية، بحد ذاتها، خصوصا بعد أن كثفت أو قلّصت وسائل الاتصالات والمواصلات المساحات، والأزمان، وحيث ثمة دول صغيرة تنتج أكثر بكثير من غيرها من الدول التي تمتلك مساحات واسعة، وحيث ثمة دول تتمتع بمساحات كبيرة لا تستطيع، أو ليس لها الموارد البشرية والمالية، للسيطرة على أراضيها وحدودها، ناهيك عن ضعف قدراتها على استثمار مواردها الطبيعية.

وبالنسبة للموارد الاقتصادية الخام، فهي لا تستطيع لوحدها أن تفعل شيئا، فإذا لم يقترن وجودها بإدارة رشيدة، وقدرات تكنولوجية مناسبة، وبنية مؤسساتية فاعلة، فلن يكون لها صلة بالمجتمع المعني، ولا بتطوير إمكانات الدولة المعنية (خذ الثروة النفطية في ليبيا مثلاً!).

بشأن القوة العسكرية
أما القوة العسكرية فهي، أيضا، إن لم تكن متوازنة مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن تتحول إلى كارثة، وهو ما حصل بالنسبة للاتحاد السوفياتي السابق، ويحصل لكوريا الشمالية الآن، وربما لإيران أيضا.

الحاصل أن المبالغة في تعظيم عامل القوة العسكرية، على حساب غيرها، لم تعد مجدية في تعزيز قوة الدولة على الصعيدين الإقليمي والدولي، بالقدر الذي كانت عليه في السابق. ودليل ذلك أن ثمة دولا عديدة ليس لديها قوة عسكرية كبيرة، ولكن تأثيرها، السياسي والاقتصادي، الدولي والإقليمي كبيران.

هكذا مثلا باتت اليابان في مصاف الدول الكبيرة في العالم، بفضل قوتها التكنولوجية والعلمية والاقتصادية والمالية، بغض النظر عن مساحتها وضعف قوتها العسكرية وندرة الموارد الاقتصادية فيها، وعلى رغم أنها تكاد تكون دولة منزوعة السلاح، وهذا ما يمكن أن نتحدث به عن عديد من الدول الإسكندنافية وغيرها.

وها هي قطر، أيضا، تضطلع في العالم العربي بدور إقليمي متميز، في عديد من الملفات الإقليمية، رغم صغر مساحتها وقلة عدد سكانها، وبرغم افتقارها لقوة عسكرية وازنة.

بالمقابل فقد انهار الاتحاد السوفياتي (السابق) على الرغم من قدراته العسكرية الضخمة، وموارده الهائلة، ونفوذه خارج حدوده (من خلال الحركة الشيوعية). حتى روسيا الاتحادية اليوم فهي تبدو بمثابة رجل مريض، على رغم قوتها العسكرية، بالقياس لدول ناهضة؛ علما أنها تمارس نوعا من القوة السياسية، من خلال امتلاكها حق "الفيتو" في مجلس الأمن، الذي هو مستمد أصلا من نظام القطبين السابق.

الصين كقوة عظمى
أيضا ها هي الصين الشعبية تحاول أن تتحمّل بأقل ما أمكن، بعضا من أعباء السياسة الخارجية والإقليمية، لصالح تحسين قوتها الاقتصادية والتكنولوجية التنافسية مع الأقطاب الدوليين الآخرين. وفي الحقيقة فإن الصين تحاول أن تسابق الزمن، لجسر الهوة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية ونمط الحياة، مع الدول الكبرى الأخرى، من دون أن تدعي لنفسها دورا إقليميا أو دوليا، ومن دون التلويح بالقوة العسكرية التي تمتلكها، على اعتبار أن ذلك يمكن أن يستنزف قدراتها، ويضعف من إمكانياتها، ويزيد خصومها، ويلهيها عن تحقيق الهدف الذي تحدثنا عنه؛ ولعل هذا هو حال ماليزيا وتركيا والبرازيل والهند.

"
تحاول الصين أن تسابق الزمن، لجسر الهوة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية ونمط الحياة، مع الدول الكبرى الأخرى، من دون أن تدعي لنفسها دورا إقليميا أو دوليا
"
وبحسب المعلومات المتوفرة فقد ارتفع إجمالي الناتج المحلي للصين من 140 مليار دولار أميركي عام 1979 إلى 1400 مليار دولار أميركي عام 2003، بمعدل نمو سنوي قدره 9.4%، حيث ازداد عشرة أضعاف خلال 25 سنة وبلغ الاحتياطي للعملة الصعبة 403.3 مليارات دولار أميركي عام 2003 بالمقارنة مع 840 مليون دولار أميركي عام 1979. كما ازداد الحجم الإجمالي للتصدير والاستيراد من 29 مليار دولار أميركي عام 1979 إلى 850 مليار دولار أميركي عام 2003.

وتجتهد الصين لتصبح في منزلة ثالثة أكبر الدول التجارية في العالم، وبحيث يصل ناتجها المحلي إلى 4000 مليار دولار أميركي عام 2020 بزيادة أربعة أضعاف عما كان عليه عام 2000.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن ثمة تضاؤلا في قيمة عناصر القوة التقليدية المتمثلة بمساحة الدولة وعدد سكانها وقدرتها العسكرية ومواردها الاقتصادية، في مجال قياس قوة الدول، وتحديد مكانتها النسبية في موازين القوى، في حقل العلاقات والصراعات الدولية، في مقابل التزايد في قيمة عناصر القوة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والعلمية والإدارية.

وكان بول كندي (المؤرخ والمفكر الأميركي المعروف) حاجج في كتاب له عنوانه "صعود وهبوط القوى العظمى" بعدم قدرة دولة ما على مد نفوذها خارج حدودها بالاعتماد على تنمية وسائل الهيمنة العسكرية، وأكد أن مثل هذه الدولة التي تنصرف عن الاهتمام بتنمية الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والموارد البشرية، سيصيبها العطب عاجلا أم آجلا، بسبب عدم قدرتها على التوفيق بين التزاماتها الداخلية والخارجية، والمشاكل الخارجية التي ستتعرض لها.

المثال الإسرائيلي
يجدر التذكير هنا بأن قوة إسرائيل، لا تستند فقط إلى قدراتها العسكرية (على ما يشاع) أو إلى دعم الولايات المتحدة لها، فحسب، فعلى أهمية هذين العاملين، فإن إسرائيل تستمد قوتها من طبيعة نظامها السياسي، وأيضا من اهتمامها بتنمية اقتصادها ومواردها البشرية ومستوى حياة مجتمعها.

فمثلا يبلغ حجم الإنفاق على الفرد في إسرائيل، في مجال التعليم، حوالي 1600 دولار في العام، وهو يزيد بنسبة عشرة أضعاف متوسط الإنفاق على تعليم الفرد في العالم العربي، علما أن الإحصائيات تؤكد وجود نسبة أمية تعادل 40% في العالم العربي! أما حصة الفرد الإسرائيلي من الإنفاق على البحث العلمي فتبلغ حوالي 500 دولار في العام، علما أن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير العلمي في إسرائيل تراوح بين 4-5% من ناتجها السنوي الذي بات يقدر بحوالي 150 مليار دولار.

"
قوة إسرائيل، لا تستند فقط إلى قدراتها العسكرية أو إلى دعم الولايات المتحدة لها فحسب، ولكن تستمد قوتها من طبيعة نظامها السياسي وأيضا من اهتمامها بتنمية اقتصادها ومواردها البشرية ومستوى حياة مجتمعها
"
بالمقابل فإن حصة الإنفاق على الفرد في العالم العربي، في مجال البحث والتطوير، لا تزيد على ثمانية دولارات في العام، وهي تمثل ثلاثة مليارات من الدولارات، وهو ما يعادل المبلغ الذي تنفقه إسرائيل سنويا في هذا المجال، مع الفارق البيّن بالنسبة لمجموع السكان! وفي العام الفائت تمكنت إسرائيل من اجتياز عتبة خط الـ 25 ألف دولار، بالنسبة لدخل الفرد فيها.

أما في الدول المجاورة فهو أقل من ذلك بكثير، ومثلا فهو يتراوح بين 2480 دولارا للفرد (الأردن) و6440 دولارا للفرد (في لبنان). بحسب غاي بخور فإن الإنتاج الوطني الخام لإسرائيل ارتفع إلى 150 مليار دولار في العام 2006 وهو ما يساوي الإنتاج الخام للأردن (15 مليار دولار) ولبنان (24 مليارا) ومصر (116 مليارات) مع الفارق الكبير بين عدد سكان إسرائيل، وعدد السكان في كل من مصر ولبنان والأردن"(يديعوت أحرونوت 21/12/2006) وعلى سبيل المثال يمكن أن نذكر بأن إسرائيل صدرت في العام الماضي، أسلحة وتكنولوجيا عسكرية بقيمة ستة مليارات من الدولارات.

تأثيرات العولمة أيضا
ولا شك أيضا أن تسارع وتوسع مسارات العولمة، جعل التأثر المتبادل بين الدول أكبر بكثير من قبل، بحيث أن ما يحدث داخل دولة معينة بات يبلغ تأثيراته دولة أخرى. ومعنى ذلك أن مسارات العولمة هذه عززت من تآكل مجال السيادة الوطنية، لصالح الدول الكبرى المهيمنة على وسائل العولمة (التكنولوجية والمالية والعلمية) ومساراتها؛ ويحصل ذلك خصوصا في المجالات الاقتصادية والسياسات المالية، وفي المجالين السياسي والأمني أيضا.

هكذا لم تعد كل دولة في عصر العولمة، ولاسيما في عصر الهيمنة الأحادية (الأميركية) على مسارات العولمة، قادرة على التفرد بسياساتها الخارجية، أو القيام بأنشطة أمنية داخل حدودها أو خارجها، من دون مراعاة تأثير ذلك على النظام الدولي؛ يستثنى من ذلك بروز ظاهرة الجماعات اللادولتية، (ومنها الجماعات الإرهابية مثلا). وبذلك فإن مسارات العولمة خلقت علاقات قوة جديدة وحدت من مجالات قوة الدول وقننتها.

وبحسب "منهج قياس قوة الدول"، الذي وضعه د. جمال زهران (مركز دراسات الوحدة العربية/2007) فإن ما يجب أخذه في عين الاعتبار، في تحديد قوة دولة ما، هو مراعاة المخطط التالي:

1

"
أي دور إقليمي أو دولي لدولة ما ليس مجرد معطى ثابت ومطلق ومفتوح، ولا يعني نجاح أية دولة بالاضطلاع بدور ما خارج حدودها بأن هذا النجاح سيعود عليها إيجابا في مطلق الأحوال
"
- قوة الدولة ذات طبيعة نسبية وليست مطلقة.
2- قوة دولة ذات طبيعة مؤقتة وليست دائمة.
3- قوة الدولة ظاهرة علائقية.
4- يختلف قياس قوة الدولة من وقت لآخر ومن حالة لأخرى.

ويتّضح من التجربة أن أي دور إقليمي أو دولي لدولة ما ليس مجرد معطى ثابت ومطلق ومفتوح، ولا يعني نجاح أية دولة بالاضطلاع بدور ما خارج حدودها بأن هذا النجاح سيعود عليها إيجابا، في مطلق الأحوال، أو أنه سيبقى حليفها في ظل الظروف، ومثال على ذلك ألمانيا في الثلاثينيات والأربعينيات، وروسيا في العهد السوفياتي، ومصر إبان التدخل في اليمن، من دون أن نستثني العراق.

ملاحظات ختامية
من كل ما تقدم يمكن التوصل إلى استنتاجات أساسية، أهمها أنه ما عاد بإمكان دولة ما أن تؤكد مكانتها كقوة إقليمية، أو دولية، بالاعتماد فقط على عوامل القوة التقليدية، فقد بات الأمر يتطلب امتلاكها، بالشكل المناسب، لناصية العلوم والتكنولوجيا، أو التمتع بقدرات جيدة ومناسبة في هذين المجالين، كونهما باتا، في عصرنا الراهن، المولد الأساسي للثروة، وعلامة أساسية من علامات تقدم الدول ومواكبتها تطورات العصر.

كذلك فإن قوة دولة ما باتت تتحدد، أيضا، بمستوى تقدم مواردها البشرية، وقدرتها على تحشيد واستثمار وإدارة هذه الموارد، بشكل أمثل. كما بات هذا الأمر يتطلب وجود نظام سياسي مستقر، وحضور فاعل للمجتمع المدني.

على ذلك يمكن ملاحظة أن ثمة فجوة كبيرة بين معايير قوة الدول، وبين واقع الدول العربية، فرادى أو مجتمعة (في النظام الرسمي العربي). ولاشك أن ذلك يفترض من الدول العربية حث الخطى نحو امتلاك ناصية القوة، التي لم تعد تتحدد بالمساحة وعدد السكان والثروة الطبيعية والقدرة العسكرية، وإنما باتت تتحدد بامتلاك وسائل العلوم والتكنولوجيا، وبنجاعة وفاعلية النظام السياسي، وقيام دولة المواطنين (أي دولة المؤسسات والقانون).

فهذه هي العوامل التي تحصن الوضع العربي، وتمكنه من مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي يتعرض لها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات