فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب وصحفي مصري


لو سألتني عن عنوان للأسبوع الفائت لقلت على الفور إنه أسبوع الفضائح المدوية، الذي سقطت فيه أوراق التوت عن عورات العرب، فظهروا أمام الملأ في وضع مخل تداخل فيه الخزي مع الخذلان.

(1)

وسط أجواء الحديث عن العودة إلى المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين أعلن عن ضم مسجدين كبيرين في الخليل وبيت لحم إلى الآثار اليهودية، وفوجئنا بصورة نشرتها صحيفة هآرتس لمجموعة كبيرة من المجندات الإسرائيليات وقد دخلن بأحذيتهن إلى الحرم الإبراهيمي -أحد المسجدين- وجلسن في باحة المسجد يستمعن إلى تعليمات تلقى عليهن. لم تكن تلك هي الصدمة الوحيدة التي كانت تعبيرا عن إشهار التحدي والازدراء بالعرب والمسلمين، لأن الصدمة الأكبر تمثلت في الصمت العربي إزاء ما حدث، والتعامل معه باعتباره أمرا عاديا لا يستحق استنفارا أو غضبا.

قبل ذلك بأيام اقتحمت جماعات من اليهود المسجد الأقصى، واستولى آخرون منهم على بيوت الفلسطينيين في حي الشيخ جراح بالقدس، وتم اعتقال عشرات من الفتية الفلسطينيين من بيوتهم في حي سلوان تحت جنح الظلام، بعدما اتهموا برشق الجنود الإسرائيليين بالحجارة، وفي الوقت ذاته، كان الإسرائيليون يبنون كنيسا جديدا بجوار المسجد الأقصى إيذانا بانطلاق مشروعهم لإعادة بناء هيكل سليمان، تحقيقا لنبوءة أحد الحاخامات الذين يقولون إنه في القرن الثامن عشر، حدد اليوم السادس عشر من شهر مارس/آذار في عام 2010 (اليوم) للبدء في عملية البناء.

"
لم تكن صورة المجندات الإسرائيليات  بأحذيتهن في الحرم هي الصدمة الوحيدة التي كانت تعبيرا عن التحدي والازدراء للعرب وللمسلمين، بل كانت الصدمة الأكبر في الصمت العربي إزاء ما حدث، والتعامل معه باعتباره أمرا عاديا لا يستحق استنفارا أو غضبا
"
في هذا الجو المسكون بالتحدي والعربدة الإسرائيلية، الذي تواصلت في ظله جهود اقتلاع الفلسطينيين وتدمير حياتهم، عرضت على الأمة العربية تمثيلية المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو- ليبرمان. ولأن المفاوضات كانت مجمدة من الناحية الرسمية وأعلن أنها لن تستأنف إلا بعد وقف الاستيطان، فقد أراد لها المخرج الأميركي أن تتم بغطاء عربي لإنقاذ ماء وجه السلطة الفلسطينية وللإيحاء بنجاح الوساطة الأميركية، تحقق المراد على النحو المعروف، ووافقت لجنة المبادرة العربية (غير المختصة بالموضوع) على المفاوضات غير المباشرة، وحين بدأ المبعوثون الأميركيون في التحضير للقاء المرتقب توالت المفاجآت.

جاء السيد جورج ميتشل مبعوث الرئيس أوباما إلى المنطقة فأعلنت إسرائيل عن البدء في بناء 112 وحدة استيطانية جديدة. وبعده جاء نائب الرئيس جوزيف بايدن، فأعلنت إسرائيل عن الشروع في بناء 1600 وحدة استيطانية أخرى، ماذا كان رد الفعل الفلسطيني والعربي على ذلك؟

الرد كان مفجعا وصادما. فمن ناحية توالت التصريحات في رام الله والقاهرة وعمان التي ذكرت في المرة الأولى أن الهدف من القرار هو إفساد مهمة السيد ميتشل، وفي المرة الثانية قيل إن القرار صفعة لنائب الرئيس الأميركي، كأن العرب كانوا حريصين على مهمة ميتشل وعلى كرامة بايدن بأكثر من حرصهم على حقوقهم وكرامتهم. لم يتحدث أحد عن أن الصفعة الحقيقية (البصقة إن شئت الدقة) هي من نصيب الجانب العربي الذي وافق صاغرا على العودة إلى المفاوضات. وقبل بأن يدور في الحلقة المفرغة، التي لم يجن منها شيئا منذ توقيع اتفاقية أوسلو في عام 1993.

(2)

الموقف العربي إزاء الممارسات الإسرائيلية لم يتجاوز أمرين، أولهما الإعراب عن «الاستياء»، وثانيهما التلويح بفكرة الامتناع عن العودة إلى المفاوضات غير المباشرة. الاستياء ظل تصريحا صحفيا ولم يترجم إلى غضب ملموس، أما مقاطعة المفاوضات المفترضة فإن أحدا لم يأخذها على محمل الجد. واعتبرها الآخرون مجرد فرقعة في الهواء، إذ استقبلت في الولايات المتحدة وإسرائيل بحسبانها تهديدا لا يملك الفلسطينيون ولا يحتمل العرب المضي فيها إلى النهاية، فالمسؤولون في واشنطن قالوا إنهم لم يتلقوا معلومات رسمية بهذا الخصوص. أما بنيامين نتنياهو فقد تحدث بلغة الواثق والمطمئن، وقال إن المفاوضات ستبدأ في موعدها في الأسبوع القادم.

أثبت نتنياهو أن نهجه أكثر جدوى في التعامل مع العرب من غيره من السياسيين الإسرائيليين، هكذا كتب شالوم يروشالمي في صحيفة «معاريف» «عدد 5/3/2010». وكان صاحبنا هذا من الناقدين لرئيس الوزراء الإسرائيلي، لكنه غير موقفه، شأن آخرين ممن لاحظوا التخاذل العربي أمام قرارات نتنياهو وممارساته، الأمر الذي أقنعهم بأن الرجل له قراءته للواقع العربي المدرك لما فيه من عجز ووهن. من ثم فإنهم إما توقفوا عن انتقاده أو شرعوا في كيل المديح له.

"
الموقف العربي إزاء الممارسات الإسرائيلية لم يتجاوز أمرين، أولهما الإعراب عن «الاستياء»، وثانيهما التلويح بفكرة الامتناع عن العودة إلى المفاوضات غير المباشرة, والاستياء ظل تصريحا لم يترجم إلى غضب ملموس، أما مقاطعة المفاوضات فإن أحدا لم يأخذها على محمل الجد
"
وفي الوقت الذي تزايدت فيه جبهة التأييد لنتنياهو في الإعلام الإسرائيلي، فإن التعليقات التي تناولت ردود الأفعال العربية والفلسطينية ضمنا بالسخرية والتهوين لم تتوقف. فقد سخرت هآرتس من فكرة المفاوضات غير المباشرة. فنشرت «في 6/3» مقالا كتبه أفي سيخاروف مراسلها للشؤون الفلسطينية تساءل فيه قائلا: هل توقفت حقا الاتصالات بين ممثلي السلطة والمسؤولين الإسرائيليين. حتى يحتاج نتنياهو وعباس إلى مفاوضات غير مباشرة؟، وأضاف أن التنسيق الأمني بين الطرفين مستمر بشكل غير مسبوق، حيث يتبادل مسؤولو الأجهزة الأمنية في كل جانب الأدوار والمعلومات في تعقب حركات المقاومة وإجهاض عملياتها. وأشاد الكاتب بقادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية الذين أصبحوا يتنافسون في التعامل مع نشطاء المقاومة لتحسين صورتهم لدى إسرائيل.

لم يسلم وزراء الخارجية العرب من سخرية المعلقين الإسرائيليين، الذين استخفوا بما ورد في بيانهم الذي أيدوا فيه العودة إلى المفاوضات غير المباشرة لإعطاء الفرصة لإسرائيل لإثبات «حسن نواياها»، وحددوا سقفا زمنيا مدته أربعة أشهر لتلك العملية. وكان تسفي بارئيل محرر الشؤون العربية في هآرتس أحد الذين سخروا من البيان، وكتب في 6/3 مقالا ذكر فيه أن حكومة اليمين في إسرائيل ملتزمة بمواصلة الاستيطان في القدس والضفة الغربية أكثر من التزامها بأي شيء آخر الآن أو بعد أربعة أشهر.

ومن المعلقين الإسرائيليين من ذكَّر الوزراء العرب بأنه بعد أربعة أشهر من المفاوضات غير المباشرة ستكون مهلة تجميد الاستيطان المؤقت موشكة على الانتهاء. علما بأن نتنياهو وكبار وزرائه وعدوا بأن الحكومة تستعد لطفرة في المشاريع الاستيطانية بمختلف أنحاء الضفة الغربية. على رأسها بناء مدينة استيطانية تستوعب 14 ألف مستوطن (لاحقا - في 11/3 - نشرت هآرتس أن ثمة مشروعا قيد الدراسة الآن لبناء خمسين ألف وحدة سكنية في أحياء القدس الشرقية).

(3)

لا تقف عند حد عملية الإذلال التي يتعرض لها الفلسطينيون والعرب الذين باركوا المفاوضات غير المباشرة وحددوا لها سقفا زمنيا، وهى المفاوضات التي كانت اقتراحا أميركيا تم إخراجه إلى حيز التنفيذ وتمريره عربيا بالتعاون بين السلطة الفلسطينية ومصر والأردن، فقد أبلغت الإدارة الأميركية السلطة الفلسطينية بأنها ترى أن حكومة نتنياهو غير ملزمة بالتفاهمات التي تم التوصل إليها مع رئيس الحكومة السابق إيهود باراك (هآرتس -7/3)، الأمر الذي يعنى أن المفاوضات المرتقبة سوف تبدأ من الصفر، استجابة لموقف نتنياهو الذي أعلن فيه أنه مستعد للمفاوضات دون أي شروط مسبقة. وهو ما تحلل به من أي التزامات أو اتفاقات سابقة، ليس ذلك فحسب، وإنما اعتبرت الإدارة الأميركية أن عمليات بناء الوحدات الاستيطانية التي تتم في نطاق القدس خارجة عن نطاق التجميد الظاهري الذي أعلنه نتنياهو.

"
الفلسطينيون سيذهبون إلى المفاوضات غير المباشرة وهم في أضعف أحوالهم, أولا لأنهم واثقون أن الإدارة الأميركية منحازة بالكامل لإسرائيل، وثانيا لأنهم يعرفون جيدا أن الموقف العربي الرسمي مرتبط بالإرادة الأميركية ولا يستطيع أن ينفصل عنها
"
الخلاصة أن الفلسطينيين سيذهبون إلى المفاوضات غير المباشرة وهم في أضعف أحوالهم. ليس هذا فحسب، وإنما هم واثقون أيضا من عدة أمور، أولها أن الإدارة الأميركية منحازة بالكامل لإسرائيل، وليس لديها أي استعداد لممارسة أي ضغط عليها، ليس فقط لقوة «اللوبي» الصهيونى في واشنطن، ولكن أيضا لأن الجميع يعلمون أن الإدارة الأميركية تتحسب للانتخابات التشريعية التي سوف تجرى هناك في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى إرضاء إسرائيل وكسب تأييد قادتها.

الأمر الثاني أنهم يعرفون جيدا أن الموقف العربي الرسمي مرتبط بالإرادة الأميركية ولا يستطيع أن ينفصل عنها. الأمر الثالث أنهم يدركون أن المفاوضات لن تحقق لهم شيئا في ظل موازين القوى الحالية. وخبرتهم منذ مفاوضات واشنطن عام 1991 وحتى مؤتمر أنابوليس عام 2007 مرورا بأوسلو ولقاء كامب ديفد، أقنعتهم بأن إسرائيل مستعدة لأن تأخذ فقط ولا تريد أن تعطي.

هذا الانطباع عبر عنه الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني بلال الحسن في مقالة أخيرة له قال فيها إن إسرائيل لا تريد البحث في القضية الفلسطينية الأصل، ولا تريد البحث في حق العودة للاجئين ولا تريد البحث في انسحاب إسرائيلي كامل من أراض احتلت عام 1967، ولا تريد إزالة المستوطنات، ولا تريد الموافقة على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في حدود أراضى 1967، وبات معروفا وشائعا في المقابل أن إسرائيل تريد نصف الضفة الغربية، وتريد مياه الضفة الغربية، وتريد سماء الضفة الغربية، وتريد المياه الإقليمية لقطاع غزة، وتريد التمركز العسكري على امتداد نهر الأردن، كل هذا تريده إسرائيل وكل هذا تعرف أميركا أن إسرائيل تريده، ومع ذلك فهي تأتى إلى المنطقة بكل هيبتها لتقول لنا إنها ستدير مفاوضات غير مباشرة وتتعهد لنا أنها ستنتهي في حدود عامين، وتريد منا أن نصدق هذه الكذبة الكبرى (الشرق الأوسط 14/3) .

(4)

المأزق الذي تعانى منه القضية يرجع إلى عوامل عدة في المقدمة منها عاملان جوهريان هما:

1- تحييد مصر وخروجها من معادلة الصراع مع إسرائيل، بتوقيعها معاهدة السلام المنفرد في عام 1979، وبهذا الخروج فقد العرب أهم عناصر قوتهم في مواجهة إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى انكشاف العرب وتفتت قدراتهم وانغلاق خيالاتهم. فلا حرب تحرز، ولا تسوية تسترجع البقايا. هذه الفقرة اقتبسها من بحث حول المأزق للدكتور على الجرباوي أستاذ العلوم السياسية السابق بجامعة بيرزيت والوزير في الحكومة الحالية. وكانت النتيجة -والكلام له- أن العرب منذ ذلك الحين لم يستعيدوا زمام المبادرة مطلقا في مواجهة إسرائيل. الأمر الذي أدى إلى إلحاق الهزيمة السياسية بهم في كل مراحل المفاوضات التي استمرت منذ عام 1991 وحتى هذه اللحظة.

"
من الأفضل للطرف الذي لا يملك خيارات أخرى غير التفاوض ألا يتفاوض من الأساس، لأنه في هذه الحالة سيجد نفسه محكوما بموازين القوة ومضطرا إلى العودة للمفاوضات مرة أخرى وإلى تقديم التنازلات
"
2- انعدام الخيارات لدى الطرف الفلسطيني والعربي، ذلك أن معادلة ميزان القوى بين الأطراف المتقابلة في أي عملية تفاوض تتأثر إيجابا وسلبا بمدى توافر هذه الخيارات من عدمها عند تلك الأطراف، من ثم فقوة الطرف المفاوض تزداد بمدى ما يتوافر له من خيارات أخرى، بمقدوره أن يلجأ إليها إذا ما لم يحقق التفاوض الهدف المنشود منه. أما إذا أعلن أحد الأطراف أن التفاوض هو خياره الوحيد، فإنه يخسر قضيته منذ اللحظة الأولى.

وهى الفكرة التي سجلها باستفاضة الدكتور الجرباوي في بحثه، وأكد فيها على أنه من الأفضل للطرف الذي لا يملك خيارات أخرى غير التفاوض ألا يتفاوض من الأساس، لأنه في هذه الحالة سيجد نفسه محكوما بموازين القوة ومضطرا إلى العودة للمفاوضات مرة أخرى وإلى تقديم التنازلات لخصمه الأقوى في أي قضية خلافية.

أما ما هي الخيارات الأخرى فقد تكون المقاومة أو الانتفاضة. وقد تكون مجرد رفض التفاوض والتنازل، لكن الحاصل عندنا أننا منذ أعلنا عن أن السلام هو خيارنا الإستراتيجي وأن التفاوض هو سبيلنا الوحيد، حشرنا أنفسنا في الزاوية وكتب علينا أن نحترف إدارة الخد الأيمن كلما تلقينا صفعة على الخد الأيسر، ولم نعد نملك إلا أن نفعل العكس بمجرد أن نتلقى الصفعة التالية. الأمر الذي أغرى الإسرائيليين بالذهاب إلى أبعد من الصفعات في تعاملهم معنا، وهذا هو الحاصل الآن للأسف البالغ.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك