منير شفيق

منير شفيق


إن إقامة دولة فلسطينية يجب ألاّ تكون هدفاً يسبق تحرير الأرض، ولا يجب أن تكون موضع مساومة مقابل الأرض أو الحقوق الأساسية والثوابت.

لا مِنّة لأحد على اعترافٍ بشعب فلسطين أو بحقه في تقرير المصير ومن بعد حقه في إقامة دولته أو أي شكل من أشكال السلطة والحكم.

"
 يقوم حق الشعب الفلسطيني من خلال وجوده الحصري على أرض فلسطين طوال مئات وآلاف السنين ويتعزز هذا الحق بالقانون الدولي الذي يحصر حق تقرير المصير في المستعمرات والبلدان الواقعة تحت الاحتلال بالشعب الذي كان فيها قبل حدوث الاستعمار
"
فالشعب الفلسطيني يقوم حقه في فلسطين من خلال وجوده الحصري على أرض فلسطين طوال مئات وآلاف السنين ويتعزز هذا الحق بالقانون الدولي الذي يحصر حق تقرير المصير في المستعمرات والبلدان الواقعة تحت الاحتلال بالشعب الذي كان فيها قبل حدوث الاستعمار ووقوع الاحتلال. ولا يحق للدول الاستعمارية أو المنتدبة أن تحدِث أي تغيير في الوضع الديمغرافي والجغرافي أو في الواقع الذي كان عليه البلد لحظة استعماره واحتلاله.

هذا القانون الدولي هو الذي طبّق على كل حالات البلدان التي استعمرت في القرنين التاسع عشر والعشرين وعليه مورس حق تقرير المصير. وبناء على نتائج حق تقرير المصير أقيمت الدول وتقرّرت الأنظمة والقوانين الأساسية.

إن القانون الدولي الذي يحصر الحق في تقرير المصير بالشعب الأصلي لحظة حدوث الاستعمار، ولا يعترف بأية تغييرات أو استحداثات من قِبَل السلطات الاستعمارية أو المنتدبة، يتعارض مع أي تدخل دولي أو قرار دولي يناقضه بما في ذلك ما صدر من قرارات دولية من هيئة الأمم المتحدة تدخلت في تقرير مصير الشعب الفلسطيني أو في الوضع القائم في فلسطين لحظة حدوث الاستعمار والانتداب. وهذا ينطبق على طوال العهد الاستعماري.

ولهذا فإن أي تغيير أُحدِث أو قرار دولي مسّ هذا الحق الحصري يُعتبر من وجهة نظر القانون الدولي باطلاً ما لم يقبل به الشعب الفلسطيني بملء إرادته الحرّة. أي بعد التحرير، وليس في ظل حراب الاحتلال أو الاستعمار أو الضغوط الخارجية.

هذا الثابت من ثوابت القضية الفلسطينية تمت مصادرته منذ أول يوم من خلال القوة المسلحة وممارسة مختلف ألوان القمع والكبت والإرهاب والمجازر والتهجير بحق الشعب الفلسطيني طوال مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين ومن بعد انتهائه عام 1948 وقيام دولة الكيان الصهيوني التي سارت على النهج نفسه في تأسيسها وبعده حتى يومنا هذا.

ثم أُريدَ تكريس هذه المصادرة من خلال صدور قرارات دولية مخالفة لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي اللذين يحصران حق تقرير مصير كل من فلسطين والشعب الفلسطيني بالشعب الفلسطيني، كما من خلال ما طرح من أساس ومشاريع حل قامت على أساسهما ما سمّي بالعملية السياسية التي حوّلت القضية الفلسطينية من قضية تحرير وحق تقرير مصير إلى قضية تنازع لاقتسام أراضي الضفة الغربية وشرقي القدس حتى لم يبق معروضاً لقبول الفلسطينيين إلاّ الفتات لتقام عليه دولة. وقد عرَّفوا شرطها أن تكون "قابلة للحياة" ولو كان إبقاؤها حيّة من خلال التنفس الصناعي والتغذية من خلال الأمصال.

"
العملية السياسية أسقطت الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني في 78% من أساس أرض فلسطين, وأسقطت كذلك حق عودة اللاجئين وذلك من خلال ما أسموه إيجاد "حل عادل لقضية اللاجئين"
"
فالعملية السياسية أسقطت الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني في 78% من أساس أرض فلسطين كانت قد صودرت في حرب إقامة دولة الكيان الصهيوني عام 1948/1949. وأسقطت كذلك حق عودة اللاجئين إلى بيوتهم وأراضيهم... مدنهم وقراهم، التي هجروا منها بالقوة والمجازر عام 1948. وذلك من خلال "حل بديل" أسموه إيجاد "حل عادل لقضية اللاجئين". ويقصدون بذلك التعويض والتوطين والوطن البديل وإلاّ لماذا استخدم شعار "الحل العادل" بدلاً من "حق العودة".

وأنكى من ذلك أن الاعتراف بإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة حين وُضِعَ في مقدمة "البرنامج السياسي" أصبح معروضاً للمساومة على الأرض والحقوق والثوابت، فيما هو (إقامة الدولة) حق بدهي للشعب الفلسطيني بعد التحرير وما ينبغي أن يطرح للمساومة عليه قبل ذلك.

ولهذا يجب أن يُستبعد هدف إقامة دولة فلسطينية من البرنامج لحساب التمسّك بالثوابت الأساسية ابتداء من الحق الحصري للشعب الفلسطيني في تقرير مصير فلسطين كما تقريره مصيره، ومروراً بحق العودة للمهجرين الفلسطينيين وورثتهم جميعاً إلى بيوتهم وأراضيهم ومدنهم وقراهم حتى لو فوق الأنقاض ليبنوا عليها. أما ابتداء عملياً، حقهم في دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات من الضفة الغربية بما في ذلك شرقي القدس وفي قلبها القدس القديمة.

هذا الحق الأخير: "دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات عن الأراضي الفلسطينية التي احتلت في حزيران 1967" يجب أن يكون هدف الإنجاز الراهن وبلا قيد أو شرط ومن خلال ممارسة مختلف ألوان المقاومة والممانعة بما فيها الانتفاضة والمقاومة المسلحة. فلا يجوز أن يُكافأ الاحتلال بأية صورة من الصور. فالاحتلال عدوان ومخالفة صريحة للقانون الدولي وميثاق هيئة الأمم المتحدة فكيف يجوز طرحه للمساومة على القدس والضفة الغربية أو على الحقوق والثوابت الأساسية للقضية الفلسطينية.

ومن ثم لا يجوز أن يساوم على الانسحاب بطرح موضوع إقامة الدولة لأن هذا يعطيه المساومة. وقد وصل الأمر أن أصبحت إقامة دولة في الضفة والقطاع مقابل التنازل عن 78% من فلسطين بل اعتبار حل الدولتين هو الحل النهائي للقضية.

وبكلمة، ما كنا لنصل إلى هذا الحد من التدهور والتفريط لو لم يطرح موضوع إقامة دولة فلسطينية ويوضع في الأولوية. وأخذ البعض يسمّيه ويا للمهزلة بـ"الحلم الفلسطيني"، فيما الحلم الفلسطيني هو تحرير كل فلسطين وإعادة كل اللاجئين وورثتهم إلى بيوتهم وأراضيهم ومدنهم وقراهم. وبعدئد يقرّر الشعب الفلسطيني مصيره ومصير فلسطين بإرادته الحرّة فوق أرضه المحرّرة.

"
مثلما حدث من انسحاب وتفكيك للمستوطنات من غزة وبلا قيد أو شرط كذلك يجب أن يحدث في الضفة الغربية, فالاحتلال يجب أن يجرّد من أي حق أو مساومة مقابل الانسحاب وما أورثه من كوارث ومصائب يجب أن يحاسَب عليها لا أن يُكافأ
"
مثلما حدث من انسحاب وتفكيك للمستوطنات من قطاع غزة وبلا قيد أو شرط كذلك يجب أن يحدث في الضفة الغربية. فالاحتلال يجب أن يجرّد من أي حق أو مساومة مقابل الانسحاب وما أورثه من كوارث ومصائب يجب أن يحاسَب عليها لا أن يُكافأ.

أما على الأراضي المحتلة في 1967 فحتى الدول الكبرى تعترف بأن المستوطنات التي قامت في ظل الاحتلال الذي جاء به عدوان حزيران/يونيو 1967، غير شرعية كما أصدرت محكمة العدل الدولية قراراً بهدم الجدار باعتباره مخالفاً للقانون الدولي الذي لا يسمح للاحتلال باستحداث أي تغيير في الواقع القائم الذي كان لحظة وقوع الاحتلال، وهو ما ينطبق كذلك على كل المستوطنات وفي مقدّمها ما أحدث من استيطان وتهويد في منطقة القدس المحتلة 1967.

وبالمناسبة كل ما تقدّم ينطبق على ما استحدث في فلسطين في ظل الانتداب كما في ظل الكيان الصهيوني من حيث أتى عام 1948 حتى اليوم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك