عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


رغم صدور قرار قضائي بتأجيل البت في قضية المستبعدين تحت قانون اجتثاث البعث في العراق إلى ما بعد الانتخابات، فإن النقاش والجدل الذي احتدم قبل صدور القرار بخصوص هيئة المساءلة والعدالة ومدى شرعية وقانونية قراراتها، ما زال يتفاعل ويزداد تعقيدا.

ومع أن هيئة من سبعة قضاة حظيت بموافقة البرلمان هي التي أصدرت هذا القرار، الذي كانت له ثلاثة أبعاد أساسية، الأول تقني لأنه لم يكن بإمكانها التدقيق بملفات أكثر من 500 حالة من المشمولين بالاجتثاث، والثاني قانوني لأن الهيئة المؤسسة باسم المساءلة والعدالة وإن كانت دستورية، لكن البرلمان رفض المصادقة على أعضائها، والثالث سياسي حين راعى القرار متطلبات مناشدة جوزيف بايدن بضرورة أن تكون الانتخابات شفافة وأن تحظى بثقة العالم، وهو ما ذهبت إليه الأمم المتحدة أيضا.

"
إذا كان قرار البت في قضية المستبعدين تحت قانون اجتثاث البعث في العراق قد نزع فتيل الأزمة مؤقتا, فإن الجمر لا يزال يكمن تحت الرماد، ويمكن للأزمة أن تنفجر, وهو ما جرى التحذير منه أميركيا
"
كما أن القرار لم يبت في شرعية أو عدم شرعية قرارات هيئة المساءلة والعدالة، وإنما حاول إجرائيا أن يرحّل المسألة إلى ما بعد الانتخابات، لعدم إمكانية اتخاذ قرار تنفيذي في ظرف قصير وقياسي زمنيا، وإذا كان القرار قد نزع فتيل الأزمة مؤقتا وأجّل الصدام، خصوصاً إذا ما امتثل له الجميع، المعارضون والمؤيدون، لكن الجمر لا يزال يكمن تحت الرماد، ويمكن للأزمة أن تنفجر وقد تؤثر على المشهد السياسي الراهن، وهو ما جرى التحذير منه أميركيا.

ولو افترضنا فوز المستبعدين في الانتخابات فإنهم قد يُستبعدون ما بعدها، وهو ما حصل في انتخابات العام 2005 وبهذا المعنى فإن سيف العزل يبقى قائما طالما ظل قانون الاجتثاث مستمرا، وطالما لا توجد جهة حتى الآن تبتّ في مدى قانونية هيئة المساءلة والعدالة (بأشخاصها الحاليين) ومن ثم شرعية قراراتها، وقد يكون ذلك ممكناً بعد انتخاب برلمان جديد، يمكنه أن يصادق على من يتم تسميتهم، أو حتى يعيد النظر بالموضوع كاملا.

ولعل هذه الفوضى القانونية والسياسية تدفعنا إلى إعادة قراءة تاريخ العزل السياسي في العراق، الذي نحن إزاء فصل جديد وصاخب من فصوله، وقد تبادلت الأطراف المختلفة القاصية والمقصية اتهامات متبادلة بارتكابات وعلاقات خارجية وفساد وإثراء على حساب المال العام والتعاون مع الأجهزة الأمنية في السابق والحاضر.

وإذا عدنا إلى جذر المشكلة حاليا فسنرى أنها ارتبطت بقرار اجتثاث البعث، فمن الناحية السياسية كانت عملية الاجتثاث أقرب في الذاكرة إلى عملية تحريم حزب الدعوة الإسلامي، وإصدار أحكام ضد أعضائه بالإعدام بأثر رجعي، بالقرار الذي اتّخذه مجلس قيادة الثورة في 31 مارس/آذار 1980 والذي تبعه القرار 666 الصادر في 7 مايو/أيار من العام ذاته القاضي بإسقاط الجنسية، الذي تم بموجبه تهجير نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة التبعية الإيرانية وهم في غالبيتهم الساحقة عراقيون أبا عن جد، وكان تمهيدا للحرب العراقية الإيرانية.

كما ذكّر قرار الاجتثاث بقرار تصفية الحزب الشيوعي الذي حدد نهاية العام 1980 مهلة للقضاء عليه، وقبل ذلك بقوانين مكافحة الأفكار الهدامة في العهد الملكي، لا سيما إبان حلف بغداد عام 1955، واستخدام سلاح البراءة لإجبار السياسيين على ترك العمل السياسي، تلك التي استخدمها الجميع ضد الجميع لاحقا، لا سيما عند القرب من السلطة، وكان الشيوعيون من أول ضحاياها حيث استخدمها ضدهم جميع الحكومات السابقة، رغم أنهم استخدموها ضد القوميين والبعثيين عام 1959، وكان البعثيون والقوميون قد استخدموها ضد الشيوعيين بعد العام 1963، خصوصا بعد صدور بيان رقم 13 القاضي بإبادة الشيوعيين.

ورغم الانفراج السياسي النسبي الذي أعقب العام 1968 فإن الأوضاع عادت للتوتر وبالأخص في أواسط السبعينيات حيث استخدم العزل السياسي ضد الكرد والشيوعيين والإسلاميين، واليوم نعود إلى المربع الأول حين تستخدمها القوى المتنفذة في العملية السياسية، لا سيما الإسلامية ضد البعثيين وخصوم العملية السياسية أو المنافسين، وكأن السياسيون ما زالوا يعيشون في الماضي.

"
كانت قوانين الاجتثاث أقرب إلى عقوبات جماعية ذات طبيعة انتقامية لاعتبارات سياسية وعقائدية حيث جرى تحريم وتجريم العقيدة السياسية وأخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب
"
لقد كان قانون الاجتثاث أقرب إلى عقوبات جماعية ذات طبيعة انتقامية لاعتبارات سياسية وعقائدية حيث جرى تحريم وتجريم العقيدة السياسية، وأخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب، حارماً إيّاه من حق العمل السياسي، الذي هو حق من حقوق الإنسان، وهذا هو الوجه الآخر للتحريم القانوني، في حين يمكن ملاحقة المرتكبين وتقديمهم إلى القضاء.

أما التداعيات الإدارية والفنية، فإنها تركت تأثيراتها السلبية الخطيرة على جميع مرافق الدولة، خصوصا إذا ما عرفنا أن حزب البعث الحاكم سابقا، كان يحتكر المناصب العليا والمواقع الإدارية الرفيعة المستوى والمسؤوليات الأساسية في الإدارة المدنية والسياسية في الدولة، مما يعني إحداث فراغات خطيرة في الجهاز التنفيذي والإداري والفني للدولة العراقية بمجملها، ولعل هذا الأمر هو الأسوأ، إذا ما ترافق مع حل المؤسسة العسكرية والأمنية وبعض الأجهزة الأخرى الحساسة، وهو القرار الثاني الذي اتخذه بريمر باسم سلطة الائتلاف المؤقتة.

حسب المعطيات المتداولة كان حزب البعث يضم عشية احتلال بغداد نحو مليون ومئاتي ألف عضو، وهؤلاء يتحدّرون من جميع مكوّنات الشعب العراقي، وإنْ كان قسم كبير منهم قد انضم إلى الحزب لأسباب مصلحية ونفعية وحفاظا على لقمة عيشهم، وقد تدرّج البعض من هؤلاء ليحتلّ مواقع في الدولة ومؤسساتها على المستويات السياسية والقانونية والإدارية والفنية، ولذلك فإن القانون حتى وإن لم يشمل هؤلاء جميعا إلا أنه وجّه الاتهام إليهم دون استثناء من خلال العقيدة السياسية التي كانوا ينتمون إليها قناعة أو اضطرارا، مما ترك تداعياته الاجتماعية والإنسانية على عشرات بل مئات الألوف من العراقيين من المنتمين لأسباب مختلفة إلى حزب البعث.

صحيح أن البعض بادر إلى ترك حزب البعث على نحو مجاني أحيانا، حيث استبدل ولاءه من الحزب والأجهزة الأمنية إلى التعاون مع الاحتلال والقوى التي تمثله مباشرة أو بصورة غير مباشرة، إما للنجاة أو تبرّما بالماضي أو رغبةً في ركوب الموجة الجديدة والحصول على امتيازات.

وهكذا أغرقت بعض الكتل الحديثة التكوين بعناصر انتهازية وهشّة، مثلما أغرق الحزب الحاكم نفسه في السابق بمثل هذه العناصر تحت الشعار الشهير الذي أطلقه الرئيس السابق صدام حسين في أواخر السبعينيات "الكل بعثيون وإن لم ينتموا"، وهو مصادرة للعقول ولحق التفكير والاختيار والاعتقاد، بمعنى أن العراقيين سواءً كانوا أعضاء في حزب البعث، أي منتمين بإرادتهم الطوعية أو لم ينتموا، فهم كذلك أعضاء بنظره حتى وإن لم يتقدموا بطلبات انتساب، طالما كان مجلس قيادة الثورة منذ العام 1974 قد كرّس حزب البعث قانونيا ورسميا، باعتباره حزبا قائدا ووثائق مؤتمره الثامن مرجعية للدولة، أي جعلها بمصاف الدستور أو حتى أعلى منه.

وهكذا شهدت البلاد حملة تبعيث قسرية في أواخر السبعينيات، واضطر نحو ربع مليون مواطن عراقي إلى التوقيع على المادة 200 من قانون العقوبات البغدادي والتي تقضي بالتعهد بعدم العمل مع أي تنظيم سياسي باستثناء حزب البعث وإلا سيتعرّض المخالفون لعقوبة الإعدام.

إن الطلب حاليا تقديم البراءة من حزب البعث يذكّر بالمادة 200 التي استخدمها النظام السابق ضد معارضيه، والتي تجد أساسا لها حاليا في الدستور العراقي النافذ، خصوصاً في المادة (7) التي حرمت على البعثيين العمل السياسي تحت اسم حزب البعث أو أي اسم آخر يمتُ بصلة إليه، وهو ما حاول المتشددون العزف عليه.

وإذا كانت ثمة محاولة لنزع الفتيل ترافقت مع القرار القضائي بالتأجيل فلا يمكن أن ننفي تأثير الجانب الأميركي، حيث كان لمجيء جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى العراق بعد اندلاع مشكلة استبعاد صالح المطلك وعدد من الشخصيات السياسية من الترشّح للانتخابات، دور غير قليل في حلحلة المسألة بإيجاد تسويات مؤقتة حتى وإن اتخذت شكلا قانونيا بترحيلها إلى ما بعد الانتخابات، لا سيما وأن البلاد لا تزال تعيش في إطار فوضى قانونية وقرارات ملتبسة.

لكن المشكلة القانونية ستبقى قائمة طالما بقي قرار اجتثاث البعث وطالما استمر قانون المساءلة والعدالة، بعد حل هيئة اجتثاث البعث، إذ لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية كما يضعها السياسيون وقادة الكتل في برامجهم في ظل سيف العزل والإقصاء والاتهام المسبق، وهو اتهام متبادل في السابق والحاضر بالارتكاب والتخوين والفساد.

ولعل ذلك يقتضي التوقف عند المادة (7) من الدستور التي جعلت المسألة أكثر تعقيدا، وهو الأمر الذي دعا بترايوس القائد العسكري الأميركي إلى اتهام هيئة المساءلة والعدالة بالانحياز إلى إيران والعمل وفقا لتعليمات فيلق القدس الإيراني، الأمر الذي ردّ عليه علي اللامي (من هيئة المساءلة والعدالة) بالقول لو كان بترايوس في العراق لوجهّنا إليه تهمة الانضمام أو التستر على حزب البعث ولحاولنا اجتثاثه.

"
ماذا سيحصل لو تم الإصرار على إجراء الانتخابات في ظل عملية سياسية ناقصة أصلا أو مطعون فيها، مع إصرار أوباما على الانسحاب في شهر أغسطس/آب القادم؟
"
وإذا كان رد رئيس الوزراء نوري المالكي على ضرورة عدم تدخل السفير الأميركي كريستوفر هيل في شؤون خارج وظيفته الدبلوماسية، فإن رد الفعل الذي أعقب صدور القرار القضائي بتأجيل البت لما بعد الانتخابات، يعكس حالة التوتر الذي يشهدها الوضع السياسي الحالي.

ولكن ماذا سيحصل لو تم الإصرار على إجراء الانتخابات في ظل عملية سياسية ناقصة أصلا أو مطعون فيها، وفيما بعد إبعاد فريق من المشاركين عنها، بمن فيهم من هو قريب من واشنطن، مع إصرار الرئيس الأميركي أوباما على الانسحاب في شهر أغسطس/آب القادم؟

لعل ذلك سيعني التوسع في الدور الإيراني الذي سيدفع الكثيرين من المشاركين الحاليين إلى الانحسار أو مقاطعة العملية السياسية القلقة والهشة أو حتى الانسحاب منها لاحقا، وإذا ما أضفنا إلى ذلك احتمال تصاعد الخلاف الكردي العربي حول صلاحيات الأقاليم وسلطات الفدرالية، فإن الأمر سيأخذ جوانب أخرى للتصدّع السياسي.

المصدر : الجزيرة