عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني




الاستعداء الإسرائيلي
محورية الشيخ رائد
السلوك المستقبلي

يسلط الحكم الإسرائيلي الأخير بسجن الشيخ رائد صلاح تسعة أشهر، الضوء مجدداً على واقع العلاقة المتأزمة بين الحركة الإسلامية في أراضي الـ48 وبين السلطات الإسرائيلية، في ضوء ارتفاع أصوات التحريض ضدها من قبل أوساط حكومية وبرلمانية وأمنية.

التحليل التالي يكشف النقاب عن طبيعة هذه العلاقة، واستشراف السلوك الإسرائيلي القادم ضد الحركة ورموزها.

"
رغم أن إسرائيل لم تستطع أن تثبت توجه الحركة الإسلامية تجاه عسكرة النضال، فإنها اعتبرت التحريض ضدها كافياً لخلق نوعيات فلسطينية في الداخل مرتبطة بالمقاومة
"
الاستعداء الإسرائيلي
يمكن قراءة التحولات الإسرائيلية المتسارعة والجديدة إزاء الحركة الإسلامية في أراضي الـ48 ضمن أسباب غاية في الأهمية أهمها:

1- أن البنية الصلبة للحركة الإسلامية توجد في منطقتي المثلث والجليل، وهنا يكون التخوف الإسرائيلي كبيراً من نوازع انفصال فلسطيني ثقافي، أو أن تكون هذه المنطقة مثيرة للقلاقل الأمنية، أو تشكل بنية مساعدة لمقاومة الفلسطينيين في الضفة وغزة.

2- زاد من التخوف الإسرائيلي أن الكثير من الخلايا الفدائية الفلسطينية استعانت بأبناء الحركة الإسلامية لتنفيذ عملياتها في العمق الإسرائيلي، ورغم أن إسرائيل لم تستطع أن تثبت توجه الحركة تجاه "عسكرة النضال"، فإنها اعتبرت التحريض ضدها كافياً لخلق نوعيات فلسطينية مرتبطة بالمقاومة، وهو ما عبر عنه رئيس المخابرات الإسرائيلية الأسبق كارمي غيلون الذي قال: يجب ضربهم حتى لو لم يكن لهم علاقة مباشرة بالعمل العسكري.

3- لا تستهين إسرائيل بالجهد الخيري والاجتماعي الذي مارسته الحركة الإسلامية في دعم وكفالة الأيتام وأبناء الشهداء والأسر الفقيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، معتمدة في ذلك على التبرعات التي حصلت عليها من فلسطينيي 48، ورغم أنه عمل تمارسه الحركة بشكل علني وقانوني، فإنه كان مصدر اتهام لها، وسببا في إغلاق جمعياتها، واعتقال أبنائها تحت بند أن هذه الأموال تذهب للمقاومين بشكل أو بآخر.

ويبدو أن ما لا تقوله إسرائيل هو خوفها من استمرار تعزز مشاعر الوطنية والارتباط بالقضية الفلسطينية لدى فلسطينيي الداخل عبر ربط أبناء الشهداء مثلا بكفلاء ميسورين من عرب الـ48.

وتقول الباحثة الإسرائيلية المتخصصة في شؤون العرب في إسرائيل سارة أوساتسكي لازر "ستحاول قيادة الحركة الإسلامية مواصلة العمل في إطار القانون حتى بعد إخراجها عن إطاره، لأنها لا ترغب في التنازل عن مراكز القوة التي راكمتها خلال السنين، وستواصل المشاركة في اللعبة تحت أسماء وأقنعة أخرى".

وقال الباحث الإسرائيلي إسحاق ريتر "تقف إسرائيل اليوم أمام معضلة واجهتها أنظمة عربية في السابق تتعلق بالتعامل مع الحركة الإسلامية، إذ إن إخراجها عن القانون هو بمثابة السير في الطريق الأسهل الذي ستكون إحدى نتائجه توجه قسم من أفراد الحركة إلى العمل المسلح كما حدث مع تجربة الدول العربية؛ ما سيُدخل إسرائيل في دوامة أخرى وجحيم لا يطاق، وهي حاليا لم تتخلص بعد من "كابوس الانتفاضة المزعج"، ولا تريد فتح أبواب أخرى عليها".

وربما ما ساهم في ارتفاع حدة العداء الإسرائيلي للحركة الإسلامية، جهودها القاضية باتجاه "أسلمة" الداخل وإفشال مخطط "الأسرلة"، حيث أفاد استطلاع إسرائيلي للرأي نُشر منتصف العام 2002 وأعده معهد داحاف، أن 44% من عرب فلسطين المحتلة عام 1948 عادوا إلى حظيرة الالتزام الديني بسبب تعاظم قوة الحركة الإسلامية.

إلى جانب ما ذكرته شعبة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي من اتهام مباشر للحركة الإسلامية بأنها تقف وراء حملات التحريض في التجمعات السكانية البدوية لحث الشباب على عدم التطوع للخدمة في الجيش، حيث يدعي أن الحركة تمارس ضغوطاً على عائلات الشباب البدو لمنعهم من الخدمة.

وبعدما كان معدل المجندين للخدمة العسكرية 3600 شاب سنوي مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، انخفض ليصل 390 شاباً عام 2006!

"
ما ساهم في ارتفاع حدة العداء الإسرائيلي للحركة الإسلامية، جهودها القاضية باتجاه أسلمة الداخل وإفشال مخطط الأسرلة، حيث أفاد استطلاع إسرائيلي أن 44% من عرب الداخل عادوا إلى حظيرة الالتزام الديني
"
كما أكد تقرير أعده كبار المسؤولين في جهاز الأمن العام الداخلي (الشاباك) وأرسلوه إلى وزير الأديان السابق آشر أوحنا، ومفاده أن الحركة الإسلامية ماضية في بسط سيطرتها على المساجد في فلسطين المحتلة, وأنها تستغل نفوذها القوي للتحريض ضد الدولة العبرية.

ولعل الشكل الأكثر وضوحاً لذلك العداء الإسرائيلي، يتمثل في ملاحقة السلطات لصحيفة "صوت الحق والحرية" منذ انطلاقتها الأولى يوم 13/10/1989 حتى كتابة هذه السطور، حيث نهجت المؤسسة الإسرائيلية التحريض على الصحيفة عبر وسائل الإعلام في أكثر من مناسبة، وأحياناً أكثر من مرة في السنة الواحدة، تمهيداً لضربها.

وقررت وزارة الداخلية عام 2002 إغلاق الصحيفة مدة سنتين بناء على طلب جهاز الشاباك بالتنسيق مع رئيس الحكومة، بتهم التحريض وأنها منبر لمواقف حركة حماس.

محورية الشيخ رائد
سجن الشيخ رائد في السجون الإسرائيلية في وقت مبكر من حياته السياسية بتهمة الارتباط بمنظمة محظورة عام 1981، وبعد خروجه وضع تحت الإقامة الجبرية، وكان خلالها ممنوعاً من مغادرة المدينة ومن مغادرة بيته خلال الليل، وملزماً بإثبات وجوده مرة أو مرتين كل يوم في مركز الشرطة.

وشكلت أحداث الكشف عن النفق تحت المسجد الأقصى عام 1996 والتي كان الشيخ صلاح أول من كشف النقاب عنها، نقطة محورية في حياته عززت لديه المخاوف من المساس بالمسجد، وضرورة تكثيف الجهود لحمايته، ما دفع به لإطلاق عدد من المشاريع لإحياء قضية الأقصى والدفاع عنه.

وعاد ليقود عام 1998 ما عرف بـ"أحداث الروحة" التي اقتحمت خلالها الشرطة الإسرائيلية مدينة أم الفحم وأصابت ستمائة مواطن، ليعلن في العام نفسه ما سماه مشروع "المجتمع العصامي" الذي يهدف إلى بناء الذات لفلسطينيي الداخل.

واستمرت حملة التحريض تشتد حتى العام 2003 حيث اعتقل الشيخ وأفرج عنه بعد عامين، ووجهت إليه تهم تعتبر خطيرة بنظر القانون الإسرائيلي، مثل "توصيل أموال" لحساب حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والاتصال بجهات معادية، ودعم "الإرهاب".

وعبر الشيخ رائد من داخل المعتقل عن قناعته بأن اعتقاله للمرة الثالثة يعتبر وصمة عار في جبين إسرائيل، وشاهدا ساطعا على أنها تتجه نحو تسييس المحاكم وقراراتها بهدف التحكّم بنوعية القرار في القضايا الأمنية خاصة!

كما عمدت السلطات الإسرائيلية إلى التضييق على الشيخ رائد منذ فترة طويلة، حيث أعلن جهاز الشاباك أنه يمكن محاكمته بتهمة إقامته علاقات مع تنظيمات معادية لإسرائيل داخل البلاد وخارجها، لأنه يعتبر أن حركة حماس شقيقة للحركة الإسلامية في إسرائيل!

كما تعرض لمحاولة اغتيال على يد قوات الاحتلال خلال مواجهات انتفاضة الأقصى، وأصيب برصاصة في وجهه.

وأصدرت وزارة الداخلية عام 2002 أمراً بمنعه من السفر خارج البلاد بناء على ما اعتبرته معلومات استخباراتية، ورفضت المحكمة العليا طلب الالتماس الذي تقدم به.

وزاد التحريض على الحركة الإسلامية عموماً وعلى الشيخ رائد خصوصاً بعد انتفاضة الأقصى، وتحاول الأجهزة الأمنية دائماً أن تغيبه وتعيق عمله في مشاريعه الخيرية، من خلال قطع التواصل مع العالم العربي والإسلامي، وقال وزير الحرب السابق بنيامين بن إليعازر إن الشيخ يعد خطراً على أمن الدولة.

وقبل منعه من إسرائيل، كان الأردن قد منعه من دخول أراضيه ست مرات، وآخرها منعه من التوجه لأداء العمرة والمرور عبر أراضيه.

"
الناظر إلى سلسلة الملاحقات الأمنية المتواصلة للشيخ رائد يخرج بقناعة مفادها أن ما يحصل فعلاً هو سعي إسرائيلي حثيث لترتيب وتلفيق ملفاتٍ الغاية منها مطاردته وحصر فعاليته، ومحاولة ثنيه عن مسيرته ومساره
"
كما صعدت المؤسسة الرسمية وأذرعها الأمنية من ممارساتها ضد الشيخ، فقامت عدة مرات بالتحقيق معه حول قضايا دينية أساسية كصلاة الفجر وأركان الإسلام، وقضايا أخرى تتعلق بطبيعة الإيمان والعقيدة.

وخلال فترة التحقيق والتحضير له، عقد المجلس الوزاري المصغر عدة جلسات حول الحركة الإسلامية، واعتبر أن إخراجها عن القانون قرار سياسي أمني يحتاج بعد اتخاذه إلى "سقف قانوني" استناداً إلى المواد التي جمعها الشاباك بخصوص نشاطها.

وربما أكثر ما ساهم في استهداف الشيخ رائد إسرائيلياً، مقاطعته لانتخابات الكنيست والدعوة لعدم المشاركة فيها، حيث حدد موقفه هذا منذ بداية تشكله الفكري والسياسي، وجاءت انتفاضة الأقصى لتعزز من التشديد على هذا الموقف، ومثلت سلسلة المقالات التي نشرها تحت عنوان "نحن والانتخابات" دليلاً على موقفه الحاسم منها، حيث شكلت دراسة متأنية ورؤية سياسية للحركة الإسلامية حول العمل البرلماني الإسرائيلي.

واعتبر الشيخ أن انتخابات الكنيست تهدف إلى "استنزاف قوتنا، وضياع أعمارنا، وغرق طموحاتنا، ونحن نصرف كل طاقاتنا في معركة وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع! وإن تجربة أكثر من خمسين عاماً في الكنيست أثبتت أن النتيجة تكاد تصل إلى الصفر. إن الكنيست ذو وضعية ثابتة أحبطت كل جهود أعضائه العرب".

وكان آخر المضايقات بحقه منعُه من إلقاء محاضرة في جامعة حيفا حول قضايا دينية بحتة لا علاقة لها بالسياسة، لكن إدارة الجامعة المرتبطة بالمؤسسة الرسمية رأت في وجوده -مجرد وجوده- داخل الحرم الجامعي ما يعكر صفو العلاقة بين الطلاب العرب واليهود!

كما قدمت النيابة العامة لائحة اتهام جديدة برفع العلم السوري في مدينة القدس، عقب فعاليات الاعتصام والاحتجاج على سلوك المؤسسة الإسرائيلية بهدم طريق باب المغاربة.

وبالتالي فإن الناظر إلى سلسلة الملاحقات الأمنية المتواصلة للشيخ رائد من قبل الجهات الأمنية يخرج بقناعة مفادها بأن ما يحصل فعلاً هو سعي إسرائيلي حثيث لترتيب وتلفيق ملفات، الغاية منها بالأساس مطاردته وحصر فعاليته، ومحاولة ثنيه عن مسيرته ومساره وموقفه ضد ممارسات الاحتلال في القدس والأقصى، وهو ما تمثل فعلاً بإصدار الحكم عليه بالسجن الفعلي.

السلوك المستقبلي
أمام كل ما تقدم، لم يتبق لإسرائيل إلا خيارين أحلاهما مر:

1- إما أن تركّع الحركة الإسلامية وتعمل على الحد من نشاطها.
2- وإما أن "تستسهل" الأمر، وتقوم بحظرها وإخراجها من دائرة الشرعية، وإغلاق مؤسستها، وكلاهما يضر الدولة العبرية من عدة زوايا: داخلياً وخارجياً.

ويصعد دور الحركة الإسلامية والمقاومة ليس فقط في أراضي الـ67، بل داخل البيت الإسرائيلي ذاته، علماً بأن هناك توصيات قدمها جهاز الشاباك وقيادة الشرطة تبناها وزير الأمن الداخلي ضد الحركة، تتلخص فيما يلي:

1- تُمنع خطب الجمعة في مساجد الداخل لرجال حماس أو مقربيهم داخل إسرائيل.
2- يُمنع دخول الشيخ رائد صلاح إلى قطاع غزة والضفة الغربية، ومنعه من الخروج من البلاد.
3- فحص المصادر المالية التي تمول الحركة، ومراقبة الأموال التي تدخل المناطق الفلسطينية.
4- تمنع المهرجانات والتجمعات الكبيرة.
5- إغلاق صحيفة "صوت الحق" الناطقة بلسان الحركة، وإغلاق محطة الكوابل في أم الفحم.

6- إغلاق المؤسسات التربوية التعليمية التابعة لها التي لا تحمل ترخيصًا، كالكلية الإسلامية.

"
إسرائيل انتقلت فعلاً من مرحلة القبضة اللينة إلى القبضة الحديدية، ومن التصريحات إلى الأفعال في تعاملها مع الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، وهو ما يفرض على الحركة مواجهة مشاكل ومعوقات كثيرة
"
وبالتالي فقد باتت الحركة الإسلامية تواجه مشاكل ومعوقات كبيرة وكثيرة مع السلطات الإسرائيلية، بسبب نشاط مؤسساتها التي يزيد عددها عن 22 مؤسسة خدمية.

وظلت الحركة تتحرك بما توفر من هوامش لتعزيز قناعاتها الإسلامية والوطنية، وبالمقابل تحركت إسرائيل ضمن موازناتها الداخلية ورؤاها الإستراتيجية، واستغلت كل مساحة للقانون لملاحقة الحركة، وجمعت استخبارياً كل ما يؤيد دعواها، ما يؤكد أن إسرائيل انتقلت فعلاً من مرحلة "القبضة اللينة إلى القبضة الحديدية"، ومن "التصريحات إلى الأفعال" في تعاملها مع الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني المحتل.

أخيراً.. يبدو أن الصدام بين الحركة الإسلامية ومشروعها "العصامي" وبين إسرائيل وسياساتها "الاستئصالية" أمر حتمي، لكن الأرجح في ضوء تباين وجهات النظر الأمنية الإسرائيلية تجاه الحركة هو بقاء القبضة الحديدية في حدودها، مع إمكانية استمرارها في ضوء صعود اليمين الإسرائيلي، ما يعني أن العلاقة ستبقى في هذا الإطار، مع فرضية أن تكون مرشحة للتطور نحو سيناريو أسوأ بفعل عدة عوامل خارجية وداخلية.

المصدر : الجزيرة