خالد الطراولي

خالد الطراولي

كاتب وأستاذ جامعي تونسي


سقطة الفقهاء قبل السقوط الحضاري
التسويغ والتأصيل للاستبداد
عندما يلتقي السواد بالسواد

يُعرّف الاستبداد عادة على أنه تفرد بالسلطة وعدم أخذ برأي الجماعة وتصرف بحسب الفوائد الشخصية والمصالح الذاتية، دون اعتبار لمصالح الجمهور ومطالبه، وهو في النهاية تجميع للسلطات وتغييب للقوانين. وهو حسب الكواكبي "تصرف فرد أو جماعة بحقوق شعب دون الخوف من المؤاخذة والاستجواب".

والعدل هو تصرف الحاكم بحسب مقتضيات المصلحة العامة، وهو حضور للقانون وغياب للاستفراد وتفريق للسلطات. ورغم هذه الخنادق الذي تفصل المفهومين، فقد استطاع بعض فقهائنا في أيام النكوص والسقوط أن يجمعوا الضرائر ويؤلفوا بين المتناقضات ويحدثونا بكل "براءة " وعلم، عن المستبد العادل، وينشئون الكتب في ذلك ويحدثون في الأمة خرقا، ما زالت تعيش وباله إلى اليوم.

سقطة الفقهاء قبل السقوط الحضاري

"
لم تكن ولاية العهد إلا انحرافا مدروسا ومغالطة لسبل ووسائل تداول السلطة في المجتمع الإسلامي، أما بيعة أهل الحل والعقد فرغم اعتبارها وسيلة شبه شوروية غير أنها لم تخلّ من نقائص ومفاجئات
"
لم يكن هذا الانحراف الفقهي نحو شرعية سلطة الاستيلاء وحكم المستبد العادل إلا نتيجة لهشاشة الشرعيات الأولى التي اجتمع عليها الفقهاء وهي ولاية العهد وبيعة أهل الحل والعقد، وإذا كانت الأولى غير محسوم أمرها ولو مثلها الصدر الأول من الإسلام في تداول السلطة بين الراشدين حيث اعتبرها عمر رضي الله عنه فلتة وقى الله المسلمين من شرها، فإنها لم تكن بين الأب وأبنائه ولكن كانت خارج الشجرة العائلية، بل أن عمر استبعد ابنه منها رغم صلاحيته لها.

كان عدم تعيين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لخليفة من بعده -حسب الرواية السنية- عنوانا بارزا لدنيوية الخلافة وجعلها مفتوحة لاجتهاد المسلمين في طريقة تعيين ولاتهم، في إطار من احترام مقاصد الشريعة وروح النصوص وأهداف الإسلام. ولقد استغل بعضهم هذه النافذة المفتوحة ومنطقة الفراغ التشريعي، ليحدث في الأمة شرخا وجرحا لم يلتئم، فكانت ولاية العهد، حيث وقع اختطاف الخلافة وتحييد الرعية وإسكات الفقيه.

لم تكن ولاية العهد إلا انحرافا مدروسا ومغالطة لسبل ووسائل تداول السلطة في المجتمع الإسلامي، ولم تكن الأمة، رعية وفقهاء قد قبلت بشرعيتها، ولكن عنصر الإكراه والمباغتة والجرأة والغلبة جعلها تستوطن الإطار الحاكم قبل أن تستوطن عقلية الرعية وقلم الفقيه.

فكان عنصر الزمن عاملا مساعدا على قبولها، فصبغها بصبغة القدسية حتى أضحت الخلافة بهذه الصفة المنحرفة جزءا من الدين ومن نزعها فقد نزع رقبته من الإسلام. فغُلبت الأمة على أمرها، وتهيّب الفقيه، واشتد عود الحاكم وتواصلت سلطاته بومضات من عدل أو بسحب من الجور.

لقد كانت تجربة الراشدين فريدة ورائدة يصعب تكرارها خارج إطار المؤسسة المغيبة، لقد كانت كل التجربة فلتة حمتها ثلاثية يصعب إن لم يستحل تجددها، كانت قريبة من صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم فكانت القدوة حاضرة والنموذج لم ينحسر، كان روادها وقادتها الأربعة يحملون باعا نسبيا من العدل والقوة والتجرد والعمل من أجل الشأن العام، كان المجتمع يرنو إلى الينبوع الأول في صفائه ونقائه وفطرته فاصطبغ نسبيا بقيم الفضيلة والإيمان والتقوى والأخلاق العالية، حتى في ظل الرماح وتقارع السيوف.

يروى أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر يطلب منه كتب عمر بن الخطاب في القضاء والسياسة، فرد عليه سالم في رسالة مطولة ذكر فيها"... وإن عمر رضي الله عنه عمل في غير زمانك وعمل بغير رجالك، وإنك إن عملت في زمانك على الذي عمل عمر بن الخطاب في زمانه بعد الذي رأيت وبلوت، رجوت أن تكون أفضل عند الله منزلة من عمر بن الخطاب.." (1)

أما بيعة أهل الحل والعقد فرغم اعتبارها وسيلة شبه شوروية أو شورى بدائية في التمكين للحاكم، غير أنها لم تخلّ من نقائص ومفاجآت رغم مكاسبها، حتى أن بعض الفقهاء أفتى بشرعية فرد يكّون أهل الحل والعقد، فيمكّن للحاكم، فتصبح أمة بكاملها في رقبة نزوات فرد أو ميولاته أو اجتهاداته أو أهدافه، وهي نقيصة ستتواصل لغياب هذه المؤسسة الحاملة لمشروع الشورى. وهكذا شُرّع دون وعي للفردية والاستفراد في الحكم.

التسويغ والتأصيل للاستبداد

"
حاول بعض الفقهاء ارتياد الشأن السياسي ولو بكثير من المناورة والمدارات، ولكن رد الحاكم كان قاسيا وعنيفا، حتى يستبعد أي دور سياسي للفقيه ولا يتقاسم معه سلطته الدينية والمدنية
"
وقد انطلق هذا التسويغ التاريخي للاستبداد وتأصيل شرعية الاستحواذ على الحكم والاستيلاء على مقاليد السلطة في الكتابات الأولى للماوردي في كتابه الأحكام السلطانية حيث تجلت هذه المهمة العويصة في شرعية مشروع حكم وسلطنة خارج ما اتفق عليه الفقهاء من إلزامية الشورى والبيعة، وقد نجح الماوردي في إظهار هذه الشرعية وبلورتها تحت غطاء فقهي قوي.

"وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار -وإن خرج عن عرف التقليد- ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلا مدخولا ولا فاسدا معلولا فجاز فيه الاستيلاء والاضطرار ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار لوقوع الفرق بين شروط المكنة والعجز" (2)

ولم يخرج الغزالي من هذا المسار التسويغي وكانت التعليلات نفسها من خوف على بيضة الإسلام من الفتن والاضطرابات والفوضى، وكأن حال الأمة لم يكن قد دخل بعد في مسار انحداري، وكأن التسويغ ليس في الحقيقة إلا نتيجة لإرهاصات هذا السقوط، يقول أبو حامد الغزالي: "إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، ونظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع" (3)، فسلطان الواقع يجب إطاعته والنزول عند حكمه ما لم يأمر بمعصية، رغم ما يلوح لنا منه من استبداد وجور وكأن الظلم والتعسف ليسا من أعظم السوءات والجنايات والمعاصي.

وأصبح هذا الغالب ذو الشوكة جائز الإمامة وواجب الاتباع، ولو كان عند البعض صبيا أو فاسقا أو جاهلا، وحمّلوا الآية الكريمة "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" أكثر من حملها، ووظفوها في خدمة الاستبداد والغلبة والجور، وأجازوا للسلطان عدم استشارة أهل الحل والعقد، والانفراد بتعيين من يرثه سلطاته بعد وفاته، فهي ملكه الشخصي وله الحرية الكاملة في الاستعمال والتفويض والتوريث.

لقد حاول بعض الفقهاء ولا شك ارتياد الشأن السياسي ولو بكثير من المناورة والمداراة، ولكن رد الحاكم كان قاسيا وعنيفا، حتى يستبعد أي دور سياسي للفقيه ولا يتقاسم معه سلطته الدينية والمدنية. ومن هنا مرت تجربة مالك مع فتوى طلاق الإكراه وموقف ابن حنبل من خلق القرآن.

لا شك أن هذه الومضات تؤكد على وجود هذا الهم السياسي المقتضب لدى بعض الفقهاء، لكن ندرته واستثناءاته يؤكدان على هشاشة البعد السياسي عامة في تنظيرات الفقيه وممارساته، وخلو الإطار السياسي كاملا للحاكم وحاشيته.

ولقد سعى الفقهاء بعد لأي ونصب وابتعاد مكره عن الحديث والتنظير في أروقة السياسة والحكم، والتزامهم بالبقاء في إطار فقه العبادات والعقائد، إلى دخول هذا الإطار مجددا ولكن من باب الترقيع والتوفيق، والواقعية المهزوزة، فأُسبغَت الشرعية على الاستبداد وكان التبرير غالبا ما يدور حول الفتنة والفوضى وحماية الإسلام، وملك غشوم خير من فتنة تدوم".

"
غياب التنظير للعدل والحريات ولد حضور التنزيل للاستبداد والجور، وكأن المستبد العادل أحد إفرازات إبداعات حضارتنا أيام نكوصها وسوادها، في ظل غياب الفقيه العدل وموت الرعية
"
لقد كان الأجدى العودة إلى ينابيع الشورى، والجرأة على تثوير مفهومها، والإشارة الصريحة والشجاعة إلى أسباب بداية السقوط الحضاري للأمة، والذي كان أحد أسبابه المباشرة والأساسية الانحلال السياسي، والاستبداد السلطاني، والغياب الكامل للحرية السياسية تنظيرا وتنزيلا. ولعل دخول بعض الفقهاء في متاهات التمييز في مفهوم الشورى بين شورى إخبارية وأخرى ملزمة وترك مبدئية المصطلح ووضوح معناه الإلزامي.

إن هشاشة الشورى في تطبيقها التاريخي لا تعود أساسا إلى ضعف المفهوم ولكن إلى الغياب الفعلي لمأسسته، ولن تجد في كتب السابقين واللاحقين محاولة إلى تنزيل مفهوم الشورى، على مرونته وقوته، في مؤسسة تحمل آلية وقوانين، ولعل غياب الفقهاء في هذا الباب، اضطرارا أو خيارا، ودخولهم مغارة فقه الحضانة والطهارة، والتي أبدعوا فيها، جعل فقدان التنظير السياسي في هذا الباب عونا ومجلبة للتنظير للاستبداد وإمارة الاستيلاء والاستحواذ، قبل تنزيله إلى الواقع المعيش، فولّد غياب التنظير للعدل والحريات حضور التنزيل للاستبداد والجور، وكأن المستبد العادل أحد إفرازات إبداعات حضارتنا أيام نكوصها وسوادها، في ظل غياب الفقيه العدل وموت الرعية.

عندما يلتقي السواد بالسواد
هذا القبول الذي انطلق تنظيرا في التاريخ البعيد ليلامس مناشدة بعض المصلحين، نراه اليوم يعبر عنه في الكثير من الأقوال والأفعال التي يتبناها علماء الحاشية ومعارضو الديكور، وبعض صنوف من الجماهير.

ليس السكون العجيب لشعوبنا وقابليتهم الغريبة للتأقلم مع هذه الحالة التي يعيشونها من فقدان للحريات وغياب التعددية السياسية في البلاد وتجاهل لمبدأ التداول على الحكم، إلا تعبيرا عن تلازم هذا الطرح لدى الحاكم الجديد وكذلك عند رعيته.

فالحاكم ورث هذا التنظير البعيد زمانا والمتهافت نقلا وعقلا، واستغله في ترويض الجماهير وقنص رضاها. وفي غياب شرعية الصناديق، أسبغ على حكمه شرعية فقهية تاريخية، ولو أنها كانت من بنات عصور التخلف والانحطاط ومن واقع الضرورات التي تبيح المحظورات.

وأصبح مستبد اليوم يبحث في أجندته على تأكيد هذه الشرعية عبر نضاله ضد الاستعمار حينا، وعبر إصلاحاته "الثورية" حينا آخر، ليسبغ عليها صفة العادل المهموم بشأن رعيته، وحتى يضمن لنفسه لقاء تاريخيا مع المستبد العادل الذي شهده أمسنا، فيكون وفيا للأجداد وظالما للأحفاد.

لن نكون ساديين في أفهامنا، وليس بين الجور والظلم اختيار، ولكن مستبد اليوم وهو يرنو إلى إرث مستبد الأمس، لم يكن له وفيا. فرغم سواد الليالي السابقة ورفضنا لهذا الانحراف الذي طال فقهاءنا من شرعية المستبد العادل، فإن الكثير من مجلداتنا الصفراء تذكرنا على حياء بومضات من زهد لبعض هؤلاء الخلفاء، ومن حلم ومواقف عدل ومحاسبة، عجز عن الإتيان بها مستبد اليوم، الذي ورث الاستبداد وأعطاه كل حقه واستمات في الوفاء له، لكنه انهزم شر هزيمة في مواطن العدل والإنصاف، ولو على نسبيتها وصوريتها وشخصانيتها.

"
الاستبداد داءٌ أشدُ وطأة من الوباء، أكثرُ هولاً من الحريق، أعظمُ تخريباً من السيل، أذلُّ للنفوس من السُّؤال، غير أن إلحاق صفة العدل به لهو جمع للخير والشر، والنور والظلام، وسعي خطير إلى تبرير المتهافت وتشريع الباطل
"
ولقد أثرت حالة الإحباط والارتباك التي تعيشها بعض من جماهيرنا إلى شلّ أعضائها وخيّم السكون والإرجاء على مواقفها، فلم تغادر قبورها وفضلت بوعي أو بدون وعي انتظار بركات من السماء أو من الأرض، أو التعويل على أن يكون حاكمها المستبد مستحوذا على السلطة، وأن يسمح لها بالعيش ببعض الرفاه المنشود، وهو من العدل اليسير الذي ترنو إليه وترضى به ولو على مضض، فآثرت تقاسم الأدوار، على الندية في الحقوق، فللحاكم السلطة وشأنها وللرعية فتات حقوق من أكل وشرب لبعض أفرادها.

إن الاستبداد داءٌ أشدُ وطأة من الوباء، أكثرُ هولاً من الحريق، أعظمُ تخريباً من السيل، أذلُّ للنفوس من السُّؤال، كما يقول الكواكبي، غير أن إلحاق صفة العدل به لهو جمع للخير والشر، والنور والظلام، وسعي خطير إلى تبرير المتهافت وتشريع الباطل وتكريس السقوط والفناء، وليس تواصل غيبتنا الحضارية إلا دليل على دوام هذه القصة التي طال ليلها، والتي اغترفت كيانها من عمق تاريخنا أيام سواده، لتتواصل مشاهدها المزعجة تباعا في هذا العصر المتردي.

فمن أنوار الماضي المجيد وهي كثيرة ولكن عليها غشاوة الاجتهاد المغشوش أو المبتور أو المنعدم، تتولد أنوار الحاضر، ولا سبيل إلى عالمية إسلامية ثانية منشودة إذا استمرت وتفشت هذه السلوكيات المنحرفة والتنظيرات المتهاوية، فلا عدل ولا تحضر مع الاستبداد، ولا حضارة ورقي والباب الخلفي منهك ومنهار، ودعوات الإرث والتوريث تنهال فوق الرؤوس والأعتاب.
ـــــــــــــــــــ
1- ابن الجوزي "سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، الخليفة الزاهد" ضبط وتعليق نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1984، ص:151.
2- الماوردي "الأحكام السلطانية" ص 33
3- أبو حامد الغزالي "الاقتصاد في الاعتقاد" بيروت 1969 ص 214.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك