علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


حلقة في مخطط
سياقات عملية الاغتيال
التقصيرات الأمنية الفلسطينية
الاغتيالات الإسرائيلية في الداخل الفلسطيني
ولكن.. إلى متى؟

 

جاءت عملية اغتيال الشهيد الفلسطيني محمود عبد الرؤوف المبحوح على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي مدينة دبي على وجه التحديد، لتضاف إلى السجل الحافل لعمليات القتل والتصفيات التي انتهجتها الدولة العبرية الصهيونية في صراعها المستمر في مواجهة الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية وفي مواجهة الحالة العربية بشكل عام.

فما هي الظروف والمعطيات التي تمت في سياقها عملية اغتيال (الشهيد أبو العبد المبحوح)، وكيف نفهم هذا التاريخ الطافح والتمدد الأخطبوطي ليد القتل والعدوان الإسرائيلية، التي لم تعد تجد رادعاً قانونياً أو أخلاقياً لكسرها وشلها.

حلقة في مخطط
من نافل القول بأن حروب القتل والاغتيالات والتهجير، والتطهير العرقي لم تكن سوى أبجديات الحروف في السياسة الصهيونية التوسعية التي أرادت فلسطين من نهرها إلى بحرها "وطناً دون شعب لشعب دون وطن"، فأشبعت وعي الشبيبة الصهيونية التي تدفقت هجرة استعمارية نحو فلسطين على فاشية ممزوجة بالعنصرية القاتلة دفعت بها نحو ممارسة الإرهاب بشكليه الفردي والجماعي، ولم يسلم الوسيط الدولي الكونت برنادوت، فذهب شهيداً من أجل العدالة في فلسطين.

وتابعت الدولة العبرية الصهيونية خط الاغتيالات، منذ قيامها حين نفذت أول عملية اغتيال في العاصمة الأردنية عمان، واستهدفت فيها الملحق العسكري المصري في الأردن المقدم مصطفى حافظ عام 1954على خلفية دعمه لإنشاء خلايا مقاومة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948. وتبع ذلك قيام جهاز الموساد بتفجير المنشآت والمصالح الأميركية في القاهرة سنة 1954 لمنع بريطانيا من الانسحاب من مصر طبقا (لاتفاقية الجلاء)، واغتيال العلماء الألمان في مصر.

"
عملية الاغتيال التي طالت الشهيد المبحوح، تأتت كحلقة في مخطط التصفيات الإسرائيلية التي يقف وراءها جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية المسمى بـ"جهاز الموساد" الذي يستند إلى خبرة عريقة وماض طويل في هذا الميدان
"
ومن هنا، فعملية الاغتيال التي طالت الشهيد محمود المبحوح، تأتت كحلقة في مخطط التصفيات الإسرائيلية التي يقف وراءها وبكل تأكيد أصابع جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية المسمى بـ"جهاز الموساد" الذي يستند إلى خبرة عريقة وماض طويل في هذا الميدان، حتى وإن لم تعلن الدولة العبرية صراحة عن مسؤوليتها عن تنفيذ عملية الاغتيال، حيث من المعروف أن إسرائيل وبسبب من طبيعتها وبنيتها العنصرية الفاشية، بحاجة لنقل أشكال من الصراع وأنماط المواجهة إلى ما وراء الحدود في حالات معينة، وتتبع في ذلك سياسة تقتضي الصمت بشأن أية عملية اغتيال في أي مكان إذا لم تكن هناك أدلة واضحة على دورها، بما في ذلك الاغتيالات في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وهذه السياسة التي تتسم بالغموض، قال عنها شمعون بيريز ذات يوم بأن فوائدها أكبر بكثير من الإفصاح عنها كما هو الحال بالنسبة لترسانة إسرائيل من الأسلحة الذرية.

بالمقابل فإن مهمة الإعلان الإسرائيلي غير الرسمي عن مسؤولية جهاز الموساد أعطيت للصحافة الإسرائيلية كما جرت العادة، حيث امتلأت الصحف الإسرائيلية في اليوم التالي من إعلان حركة حماس عن استشهاد المبحوح، بالمقالات والمواضيع والتحليلات التي تحدثت عن مغزى العملية وأبعادها، وعن الشهيد المبحوح ودوره في تأسيس كتائب الشهيد عز الدين القسام، إضافة لتغنيها بـ"إنجازات" جهاز الموساد، وبيد "إسرائيل الطويلة".

سياقات عملية الاغتيال
ومن جانب أخر، فإن العملية إياها جاءت في سياقات واضحة وصارخة بعيد فشل المبعوث الأميركي السيناتور جورج ميتشل في جولته التاسعة الأخيرة، حين عاد إلى واشنطن خالي الوفاض دون أن ينجز تحولاً في المسار التفاوضي الفلسطيني الإسرائيلي، ودون أن يحقق أي نتائج ملموسة على الأرض.

كما جاءت بعيد أقل من أسبوعين من زيارة وزير إسرائيلي كان قد وصل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وإلى دبي على وجه التحديد لحضور مؤتمر (الطاقة المتجددة)، والوزير هو (عوزي لانداو) عضو الحزب الفاشي الصهيوني (إسرائيل بيتنا) الذي يقوده المتطرف الصهيوني، واليهودي من أصل روسي أفيغدور ليبرمان.

ومن المعلوم أن عوزي لانداو كان سابقاً قد تربى في أحضان حزب الليكود، لكنه انتقل في السنوات الأخيرة في الاتجاه الأكثر تطرفاً في أحزاب الحركة الصهيونية، واستقر به المطاف داخل قيادة حزب ليبرمان.

كما أنه جاء متسلسلاً إلى مواقعه القيادية من رحم جهاز الموساد ذاته، الذي أشرف ونفذ عملية اغتيال الشهيد المبحوح، وشغل في فترات سابقاً موقع (وزير الأمن الداخلي).

"
الموساد الصهيوني ليس جهازاً خارقاً مانعاً ساحقاً وبيده كل شيء، لكنه يستغل المفاصل الرخوة في الأمن القومي العربي، ويستغل دوماً التربة الخصبة في الدول الأوروبية والأميركتين لتجنيد عملائه
"
وعليه، فقد جاء اختيار إسرائيل لأرض دولة الإمارات العربية لقيامها بتنفيذ عملية الاغتيال مستغلة حالة الانفتاح الإيجابية التي تشكلها دولة الإمارات ومدينة دبي على العالم بأسره، بعد أن باتت دبي معبراً لأقوام الأرض بين الغرب والشرق، ولتمس بالصميم الأمن القومي العربي عامة، وأمن دولة الإمارات بشكل خاص واستباحته في وضح النهار، كما كانت قد مست في عمليات دموية سابقة الأمن القومي العربي في بيروت ودمشق وتونس وحتى في العاصمة الأردنية عمان، بالرغم من ارتباط الأردن مع إسرائيل بمعاهدة وادي عربة، حين قام اثنان من مأجوري الموساد ومن حملة الجنسية المزدوجة الكندية والإسرائيلية بمحاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل.

وبالتأكيد، فإن الموساد الصهيوني ليس جهازاً خارقاً مانعاً ساحقاً وبيده كل شيء، وليس "بشطارته" وكفاءته فقط استطاع دوماً النجاح في تنفيذ غالبية أعمال القتل والتصفيات دون أن يترك أثرا وراءه. ففي حقيقة الأمر أن الموساد الصهيوني استغل ويستغل دوماً المفاصل الرخوة في الأمن القومي العربي، ويستغل دوماً التربة الخصبة في الدول الأوروبية والأميركتين لتجنيد عملائه من داخل أوساط اليهود من حملة الجنسيات المتعددة المزدوجة والثلاثية إلى جانب الجنسية الإسرائيلية، والذين يمكن لهم القدوم إلى كافة الأقطار والبلدان العربية، بصفة سياح أو رجال أعمال أو... إلخ (للمفارقة: يعجز المواطن الفلسطيني الذي يحمل وثيقة لاجئ من دخول غالبية البلدان العربية تحت دعاوى أمنية وغير أمنية، بما في ذلك إلى بلدين عربيين يتدفق إليهما كل يوم مئات الإسرائيليين بصفة سياح، ومن بينهم العشرات من مندوبي الموساد).

التقصير الأمني الفلسطيني
وحتى نتكلم بموضوعية، علينا أن نحمل الجانب الفلسطيني، بكل مستوياته وقواه وفصائله مسؤولية لا يستهان بها، بسبب من القصورات الأمنية من جانب، والاستهتار من جانب أخر.

فالتجربة الفلسطينية المريرة في الصراع مع الاحتلال وأدواته, وأجهزة استخباراته، علمتنا بأن الاغتيالات التي طالت كوادر رجال المقاومة الفلسطينية كشفت بشكل واضح وصارخ بأن هناك تقصيرا أمنيا وتنظيميا، يتخلله اختراقات وتشابكات بين أمن أنظمة إقليمية وأمن أنظمة دولية متداخلة في عملها المشترك أو التنسيقي أو الاطلاعي مع أجهزة أمن دولة الاحتلال الصهيوني.

فقد فقدت منظمة التحرير الفلسطينية وعموم الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال عمليات الاغتيال الإسرائيلية وغيرها، العشرات من قيادات الصف الأول على مستوى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وقيادات الفصائل مثل الشهيد خالد اليشرطي عام 1969، والشاعر كمال ناصر الناطق الرسمي باسم المنظمة آنذاك عام 1972، والشهيد الكاتب والروائي المعروف غسان كنفاني عام 1972، والشهيد حفظي قاسم مصطفى ( العقل المبدع للعمليات الفدائية النوعية) عام 1974، والشهيد فايز جابر، والشهيد الدكتور وديع حداد ( أبو هاني) عام 1978حيث سقط في بغداد بواسطة شوكولاتة مسمومة, والشهيد العقيد جهاد أحمد جبريل الذي سقط اغتيالاً في بيروت وهو يشرف على توريد السلاح وإيصاله إلى قوى الانتفاضة في قطاع غزة.

"
التجربة الفلسطينية علمتنا بأن الاغتيالات التي طالت كوادر رجال المقاومة الفلسطينية كشفت بشكل واضح وصارخ بأن هناك تقصيرا أمنيا وتنظيميا، يتخلله اختراقات وتشابكات بين أمن أنظمة إقليمية وأمن أنظمة دولية
"
وخسرت المنظمة أيضا العشرات من كوادرها، من سفراء وممثلي فلسطين في العديد من دول العالم بفعل حروب الاغتيالات والتصفيات الإسرائيلية.

فقد فقدت كلا من سامي أبو الخير سفير فلسطين في قبرص عام 1973، ومحمود الهمشري ممثل فلسطين في باريس عام 1975، والشهيد وائل عادل زعيتر ممثل فلسطين في روما عام 1972، والمغربي أحمد بوشيكي في أوسلو عام 1973 حيث اغتاله رجال الموساد الإسرائيلي اعتقاداً منهم بأنه باسل القبيسي عضو قيادة الجبهة الشعبية، واغتيل ماجد أبو شرار في روما عام 1981، والضابط في قوات الـ17 أحمد مريش في أثينا عام 1981، وخالد نزال في أثينا عام 1986، والعميد منذر أبو غزالة في أثينا عام 1987، وكلا من العقيد مروان الكيالي، وحسن بحيص، وأحمد عبد العال في نيقوسيا عام 1989.

عدا عن اغتيالات مأجورة تمت بواسطة أياد مرتبطة عن بعد بجهاز الموساد، مثل اغتيال سفير فلسطين في بروكسل نعيم خضر عام 1980، وممثل فلسطين في باريس عز الدين القلق ونائبه عصام حماد عام 1979، والشهيد زهير محسن الأمين العام لمنظمة الصاعقة ورئيس الدائرة العسكرية في منظمة التحرير الفلسطينية، وسفير فلسطين في الكويت علي ناصر ياسين عام 1982، وقنصل فلسطين في باكستان أحمد الزرو عام 1979، وممثل فلسطين في باريس محمود صالح عام 1982، والشهيد الفنان التشكيلي المبدع ناجي العلي في لندن عام 1987، والشهيد عاطف بسيسو في باريس عام 1993.

الاغتيالات الإسرائيلية في الداخل الفلسطيني
وفي هذا المسار من السلوك الفاشي الإسرائيلي، فإن ميادين الاغتيالات الواسعة للكوادر الفلسطينية، اتسعت بشكل كبير في زمن الانتفاضتين الأولى والثانية، في انتقال متدرج لسياسة القمع الإسرائيلية من استهداف الكوادر العسكرية الفدائية، وكوادر ونشطاء الانتفاضة إلى استهداف الشخصيات القيادية والسياسية ذات الحضور العام في الشارع الفلسطيني.

فقد تصاعدت عمليات الاغتيال الإسرائيلية للكوادر الفلسطينية الفاعلة في صفوف الانتفاضة، وتطورت في أساليبها وأشكالها، من الاغتيالات المباشرة على الأرض بواسطة وحدات المستعربين الفاشية (وحدات مستعربين تضم يهودا من أصول عربية) العاملة في صفوف قوات الاحتلال، وهي المجموعات التي أسسها رئيس الموساد الحالي الجنرال مئير دغان، ومجموعات الشاباك/الشين بيت (الأمن الداخلي) إلى استخدام الحوامات الجوية، وتحديداً مروحيات الأباتشي بالترابط المباشر مع المعلومات الاستخبارية على الأرض، وبإطلاق الصواريخ الليزرية فائقة التطور من نوع هيلفاير على الأهداف البشرية الفردية أو الجماعية.

وأولى عمليات الاغتيال الإسرائيلية باستخدام الحوامات استهدفت في بيت لحم صباح (9/11/2000) القائد الميداني الشهيد حسين عبيات من كتائب الأقصى، إحدى الأذرع العسكرية الضاربة لتنظيم حركة فتح، وتواصل هذا النمط من العمليات الفاشية انتقالاً من تصفية الكوادر العسكرية الناشطة في صفوف الأجنحة العسكرية السبعة المعروفة ( كتائب القسام، والأقصى، وسرايا القدس، وأبو علي مصطفى، والمقاومة الوطنية، والمقاومة الشعبية، وأحمد أبو الريش) إلى تصفية القادة السياسيين من الصف الأول.

وتطورت وسائل الاغتيال من القنص بصواريخ هلفاير التي تطلقها حوامات الآباتشي إلى قيام طائرة الـF16 بإلقاء قنبلة زنة (1) طن على حي سكني وسط المدينة، في سياق تصفية الشهيد صلاح شحادة.

ولكن.. إلى متى؟

"
متى تكون الصحوة الأمنية العربية في مواجهة الاختراقات الأمنية الإسرائيلية، بدلاً من الاستنفار الدائم واليقظة الحية للأجهزة الأمنية العربية في الشارع والداخل العربي؟
"
أخيراً، إلى متى ستبقى بلادنا العربية بأرضها وسمائها مرتعاً للاختراقات الأمنية الإسرائيلية الصهيونية؟ وإلى متى سيبقى جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) منفلتاً في ممارسة القتل والإرهاب ضد أبناء فلسطين في فلسطين وفوق الأرض العربية، دون أفعال عربية مناسبة لشل يده وتقليم أظافره، وملاحقة الجناة الذين يتسترون بجنسياتهم الأوروبية أو غيرها في دخولهم واختراقهم للأمن القومي العربي؟

ومتى تتم الصحوة الأمنية العربية في مواجهة الاختراقات الأمنية الإسرائيلية، بدلاً من الاستنفار الدائم واليقظة الحية للأجهزة الأمنية العربية في الشارع والداخل العربي؟

وإلى متى الصمت العربي والدبلوماسية الزائدة عن حدودها في التعامل مع الأجانب من حملة الجنسيات المزدوجة إلى جانب الجنسية الإسرائيلية، الذين يشكلون المرتع والميدان الخصب لحركة الموساد على امتداد الأرض العربية؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك