خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية


صراع الإرادات بالنيابة
احتمالات الحقبة الإيرانية
سيناريو الانقلاب الأميركي

سياسة حافة الهاوية

عشية الانتخابات العراقية في مارس/آذار القادم لم تعد قراءة تضاريس الساحة السياسية أمرا مستعصيا، فالعراق يقف مع تدشين هذه الانتخابات وما ستؤول إليه على المحك وعلى أعتاب مرحلة شديدة الانعطاف، فهي تأتي في ظل ظروف يرتبط فيها الحراك السياسي الداخلي -بشدة ودون مقدمات- بالتنافس والصراع الإقليمي والدولي، والذي بدوره يجعل من العراق -وفي هذه الدورة من الانتخابات بالتحديد- مجرد ساحة وخط مواجهة أمامي لتصفية الحسابات بالنيابة.

ففي الوقت الذي تعد فيه الولايات المتحدة نفسها للانسحاب من العراق جراء خسائرها المادية والبشرية الباهظة التي تكبدتها فيه وفي أفغانستان، تقف إيران عازمة دون إبطاء على توظيف المأزق الأميركي لصالحها، لتملأ الفراغ وتجعل من الحقبة القادمة في العراق حقبة إيرانية بامتياز، لاسيما بعد نجاحها فعليا -عبر المناورة داخل العملية السياسية وخارجها- في التغلغل ومد نفوذها في جميع مفاصل الحكم السياسية والأمنية.

"
السلطة والثروة في حكومة الاحتلال الخامسة القادمة التي ستشكل ملامح العراق ومستقبله السياسي، ستكون من نصيب أحد المعسكرين اللذين يخوضان الانتخابات بشراسة وكالة ونيابة إما عن إيران أو أميركا

"
صراع الإرادات بالنيابة
وتتزامن هذه الانتخابات مع تفاقم الضغط الأميركي والدولي على إيران التي تعيش حالة من العزلة والحصار الاقتصادي الخانق على المستوى الخارجي قد تتطور إلى مواجهة عسكرية، وتشهد على المستوى الداخلي حالة من التصدع الذي بدأ يتسع ليشمل عدة مستويات شعبية وسياسية ودينية. لذا تحاول طهران بشدة عبر ورقة العراق تصدير أزمتها إلى الخارج وتحسين شروطها في التفاوض بخصوص ملفها النووي.

في نفس الوقت فإن الولايات المتحدة -كإرادة ثانية متحكمة في العراق- ليست في وضع أفضل من إيران، سواء على المستوى الداخلي حيث لا تزال تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة تعصف بها، بينما تحاول جاهدة على المستوى الخارجي تقليص كلفتها الباهظة المادية والبشرية جراء حماقات الإدارة الجمهورية السابقة في العراق وأفغانستان.

وعلى مستوى قراءة دور اللاعبين الثانويين في الساحة العراقية، نجد أن كتلة الأحزاب الكردية لا تزال تتخذ حتى اليوم دور المراقب، وذلك لارتباطها بأجندة خاصة بها تقوم على دعم الطرف الذي يقدم لها المزيد من التنازلات عبر تكريس الانفصال في شمال العراق.

وعليه فإن السلطة والثروة في حكومة الاحتلال الخامسة القادمة التي ستشكل ملامح العراق ومستقبله السياسي ستكون من نصيب أحد المعسكرين اللذين يخوض كل منهما الانتخابات بشراسة وكالة ونيابة إما عن إيران التي وضعت كل ثقلها خلف الائتلاف الطائفي الذي يقوده المجلس الأعلى، وأعادت بناء الاصطفاف فيه بالترغيب والترهيب بعد تفككه، وأجبرت الخارجين عنه على العودة إلى بيت الطاعة الإيراني وفي مقدمتهم التيار الصدري وحزب الفضيلة، أو الولايات المتحدة التي ترغب في تقليص نفوذ إيران في العراق وتقليم أظافر مليشياتها، وترك حكومة موالية لها لتأمين انسحابها وضمان مصالحها في العراق والمنطقة, لذا فهي تتبنى كتلة وتحالف إياد علاوي-صالح المطلك، وكتلة وزير الداخلية الحالي جواد البولاني الذي يحظى بتحالف ودعم تنظيم الصحوات في العراق.

احتمالات الحقبة الإيرانية
تمتد الأهداف الإيرانية للهيمنة على العراق من خلال هذه الانتخابات إلى أبعد من مجرد اعتباره ساحة وورقة ضغط على الولايات المتحدة للمساومة بشأن ملفها النووي.

فقد شكل العراق على الدوام وعبر التاريخ عقبة سياسية وديمغرافية أمام الاندفاعات الإقليمية إلى عمق المنطقة العربية وأمنها القومي، وجاء تدمير القدرات العراقية واحتلاله بمثابة فرصة تاريخية لإيران للاندفاع بقوة في مشروعها التوسعي نحو الشرق، والذي سبق للعراق أن عطله ما يقارب ربع قرن، عندما رفعت إيران شعار" تصدير الثورة " في ثمانينيات القرن الماضي.

على مستوى الأهداف البعيدة والإستراتيجية فإن إيران تقدر جيدا الفرصة التاريخية التي سنحت لها من خلال إزالة العراق كقوة عربية وإقليمية مكافئة لها في المنطقة، حيث يتفرد العراق على الدوام بكونه قوة متوازنة ماديا وبشريا، بعكس السعودية ومصر التي يفتقر كل منهما إما إلى القوة البشرية أو إلى القوة المادية.

إن الهدف الجيوإستراتيجي الذي تسعى إليه إيران في النهاية هو أن تجعل من العراق مجالها الحيوي والاقتصادي وقاعدة لمشروعها القومي التوسعي المغلف بالمظلومية والدعوات الطائفية، ثم الانطلاق منه لقضم المنطقة تدريجيا وتثبيت ركائز تواجدها سواء مباشرة أو بالنيابة، في ظل وضع عربي متردٍّ لا ينطوي على أي مقومات للممانعة أو التصدي.

وقد سبق لإيران بهذا الصدد أن بعثت برسالة مكتوبة إلى الإدارة الأميركية الجديدة تبدي فيها استعدادها للتعاون الكامل معها، والمساعدة في تأمين انسحاب هادئ مع الحفاظ على ماء الوجه والمصالح، وكذلك تقديم المساعدة في أفغانستان.

"
السيناريو الأميركي المرتقب في العراق يسعى باتجاه فوز كتلة من السياسيين غير الموالين لإيران، الأمر الذي قد يتيح هامشا من الانفراج النسبي في الوضع السياسي والأمني المحتقن، ويبعد شبح السيطرة الإيرانية المباشرة على مقدرات العراق

"
سيناريو الانقلاب الأميركي
ترغب الولايات المتحدة في خوض صراعها مع إيران في ساحة العراق عبر قواعد اللعبة السياسية وليس خارجها، فعهد الانقلابات العسكرية الكلاسيكية على غرار أميركا اللاتينية قد ولى. وفي الوقت الذي سددت فيه إيران ضربة استباقية للمعسكر الموالي لأميركا في سياق التنافس الانتخابي عبر ما يسمى هيئة المساءلة والعدالة التي توازي في إيران "مصلحة تشخيص النظام"، وإقصائها المئات من رموز هذا المعسكر تحت ذريعة اجتثاث البعث، لم يتوان قائد القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال ديفد بتراوس عن وصف هذه الهيئة بأنها تدار من قبل فيلق القدس الإيراني، كما لم يتأخر الرد العملي الأميركي فانبثقت "هيئة تمييزية" في البرلمان العراقي عقب زيارة نائب الرئيس الأميركي إلى بغداد مباشرة وألغت هذه الهيئة قرار الاستبعاد.

إن السيناريو الأميركي المرتقب الذي يحظى بدعم بعض الدول العربية ويأتي في سياق ترتيب وتهيئة منضدة الرمل في المنطقة واعتبار العراق ساحة من الساحات الإقليمية لتصفية الحسابات استعدادا لأي تصعيد محتمل في المستقبل ضد إيران، يسعى باتجاه فوز كتلة من السياسيين غير الموالين لإيران ممن يرفعون شعارات وطنية وليس طائفية، الأمر الذي قد يتيح هامشا من الانفراج النسبي في الوضع السياسي والأمني المحتقن ويبعد شبح السيطرة الإيرانية المباشرة على مقدرات العراق، ويقدم فرصا أكثر لتحقيق المصالحة الوطنية إذا ما تأكدت توقيتات الانسحاب الأميركي، الأمر الذي قد يهيئ ظروفا ملائمة لعودة آلاف الكفاءات الوطنية العراقية المشردة في كافة الميادين لتصفية آثار الاحتلال السياسية والاجتماعية وإيقاف التأثير والمد الإيراني المتنامي في العراق.

سياسة حافة الهاوية
يبقى الوضع في العراق مفتوحا على كافة الاحتمالات، وترتبط هذه الاحتمالات والخيارات إلى حد بعيد بصراع المحاور في المنطقة التي تشعر بالقلق والتهديد إزاء الطموحات الإيرانية من جهة، وتطورات الصراع بين الغرب وإيران بخصوص ملفها النووي من جهة أخرى. ومن المتوقع أن يلجأ المتنافسان الرئيسيان مباشرة أو عبر وكلائهما المحليين عشية الانتخابات، إلى كافة الوسائل لترجيح فرص فوزهما بما في ذلك الضرب تحت الحزام وفوقه.

ولعل ذلك ما يفسر العنف المزمن والتفجيرات ذات الطابع الطائفي التي استهدفت مواكب الزائرين الأبرياء إلى الأماكن المقدسة في محاولة لاستعادة الشحن الطائفي إلى الشارع، وكذلك مسلسل الاغتيالات وتدمير النصب التذكارية المتعلقة بالحرب العراقية الإيرانية، بل إن توقيتات إعدام بعض مسؤولي النظام السياسي السابق المتهمين بأحداث 1991 وحلبجة تأتي أيضا في سياق الدعاية الانتخابية.

وليس من المستبعد نتيجة لأهمية هذه المعركة بالنسبة لإيران على مستوى أمنها القومي وطموحاتها الإستراتيجية ومستقبل نظامها السياسي، أن تشهر طهران أخطر أسلحتها في سياق المعركة الانتخابية بعدما تستهلك جميع آليات القمع والتزوير والإقصاء، وإذا ما أفلست جميع محاولاتها في إجهاض فرص فوز المعسكر الأميركي، وهو اللجوء إلى سلاح المرجعيات في إصدار الفتاوى لانتخاب القوائم الطائفية، ليدخل المشهد السياسي العراقي عندئذ حيز سياسة حافة الهاوية.

"
من المتوقع أن يلجأ المتنافسان الرئيسيان (أميركا وإيران) مباشرة أو عبر وكلائهما المحليين عشية الانتخابات، إلى كافة الوسائل لترجيح فرص فوزهما، بما في ذلك الضرب تحت الحزام وفوقه

"

في المقابل فإن الولايات المتحدة قد تلجأ بدورها إلى "الكي" كآخر دواء ينهي آلامها المزمنة في العراق، فتستخدم خياراتها القانونية عبر قرارات مجلس الأمن الدولي الذي لا يزال العراق يقبع تحت وصاية الفصل السابع من ميثاقه، والذي يتيح للاحتلال الأميركي الإشراف التام على مقدرات العراق الأمنية والسياسية والاقتصادية طبقا لقرار المجلس ساري المفعول المرقم 1546 يوم 8/6/2004 والذي تنص المادة العاشرة منه على "أن تكون للقوات متعددة الجنسية سلطة اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحفظ الأمن والاستقرار في العراق".

ورغم جميع هذه الاحتمالات الواردة أعلاه، فإنه في الوقت نفسه ينبغي لأي باحث موضوعي في الشأن العراقي غير المستقر أن لا يستبعد احتمالات حصول صفقات إقليمية للتسوية والتفاهم وتقاسم النفوذ ونوع من "التسليم والاستلام" بين أكثر من طرف دولي وإقليمي، ولكن بصورة رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران، إذ من المتوقع أن تجري هذه الصفقات على حساب وحدة العراق وعروبته ومصالح شعبه ومستقبله، ليوضع العراق أمام حقبة جديدة من الاحتلال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك